١ - روى معاوية بن عمرو (^٢)، قال: ثنا زائدة (^٣) قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب (^٤)
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النُسخ.
(٢) معاوية بن عمرو: هو معاوية بن عمرو بن المهلب بن عمرو بن شبيب الأزدي؛ قال أبو حاتم: «ثقة»، وقال أحمد بن حنبل: «صدوق ثقة»، وقال ابن معين: «رجل شجاع لا يبالي بلقاء رجل أو عشرين، كان شديدًا»، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين في جمادى الأولى وقيل: سنة أربع عشرة. انظر: «طبقات ابن سعد» (٧/ ٣٤١)، و«الثقات» لابن حبان (٩/ ١٦٧)، و«تهذيب الكمال» (٢٨/ ٢٠٧)، و«سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٢١٤).
(٣) زائدة: هو زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا زائدة بن قدامة، وكان لا يحدث قدريًّا ولا صاحب بدعة يعرفه، وقال أحمد بن حنبل: «المتثبتون في الحديث أربعة: سفيان وشعبة وزهير وزائدة»، وقال أبو حاتم: «ثقة صاحب سنة». وقال أبو زرعة: «صدوق من أهل العلم»، وقال النسائي وابن سعد والذهلي والعجلي: «ثقة»، قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم عام غزا الحسن بن قحطبة سنة ستين أو إحدى وستين ومائة. انظر: «طبقات ابن سعد» (٦/ ٣٧٨)، و«تهذيب الكمال» (٩/ ٢٧٣)، و«سير أعلام النبلاء» (١/ ٣١٧).
(٤) زيد بن وهب: هو زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي رحل إلى النبي -ﷺ- فقبض وهو في الطريق. قال زهير عن الأعمش: «إذا حدثك زيد بن وهب عن أحدٍ فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه»، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: «ثقة»، وقال الأعمش: «إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه»، وقال ابن خراش: «ثقة». مات سنة ست وتسعين ﵀. انظر: «الجرح والتعديل» (٣/ ٥٧٤)، و«تهذيب الكمال» (١٠/ ١١١)، و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ١٩٦)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٦٦)، و«الإصابة» (٢/ ٦٤٩).
[ ٥٦٣ ]
عن عبدالله بن مسعود (^١) قال: أخبرنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق -: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه في أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ويكون مضغة مثل ذلك (^٢)، ثم يبعث الله الملك، قال: فيؤمر بأربع كلمات، يقال: اكتب أجله ورزقه وعمله شقي أو
_________________
(١) عبد الله بن مسعود: هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم. صاحب رسول الله -ﷺ-، من السابقين الأولين أسلم بمكة قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-. آخى النبي -ﷺ- بينه وبين سعد بن معاذ، قال أبو نعيم: «كان سادس الإسلام»، وصح عنه أنه قال: «أخذت من في رسول الله -ﷺ- سبعين سورة»، ومناقبه جمة، وهو من كبار علماء الصحابة، وأمره عمر على الكوفة. قال البخاري: مات بالمدينة قبل عثمان. وقال أبو نعيم وغير واحد: مات بالمدينة سنة اثنين وثلاثين. انظر: «تهذيب الكمال» (١٦/ ١٢١)، و«سير أعلام النبلاء» (١/ ٤٦١)، و«الإصابة» (٢/ ٣٦٨).
(٢) وفي النسخة المعتمدة «أ» إضافة (ثم يبعث الله مثل ذلك) وهذا خطأ لا شك من الناسخ؛ لأنها لا محل لها في الكلام وليست موجودة في نص الحديث من مصادره الأصلية وقد خلت من هذه الزيادة جميع النسخ المخطوطة.
[ ٥٦٤ ]
سعيد، ثم ينفخ (^١) فيه الروح.
٢ - قال: فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (^٢).
٣ - وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح (^٣) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: «احتج آدم وموسى، قال
_________________
(١) في هـ تنفخ.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، ك: التوحيد، ب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧٤٥٤)، وك: بدء الخلق، ب: ذكر الملائكة (٣٢٠٨)، ك: أحاديث الأنبياء، ب: خلق آدم وذريته (٣٣٣٢)، ك: القدر، (٦٥٩٤) ومسلم ك: القدر، ب: كيفية الخلق الآدمي، في بطن أمه، وكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته، وسعادته (٢٦٤٣).
(٣) أبو صالح: هو ذكوان بن عبدالله أبو صالح السمان الزيات المدني، مولى أم المؤمنين جويرية بنت الأحمس الغطفاني، قال الإمام أحمد: «ثقة ثقة من أجل الناس وأوثقهم». ووثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، وزاد أبو زرعة: «مستقيم الحديث»، قال أبو صالح: «ما كنت أتمنى من الدنيا إلا يومين أجالس فيهما أبا هريرة»، قال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول لما ذكر أبا صالح: «كانت له لحية طويلة، فإذا ذكر عثمان بكى، فارتجت لحيته، وقال: هاه هاه»، وذكر أبو عبد الله من فضله. مات سنة إحدى ومائة. انظر: «التاريخ الكبير» (٣/ ٢٦٠)، و«الجرح والتعديل» (٣/ ٤٥٠)، و«تهذيب الكمال» (٨/ ٥١٣)، و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٣٦).
[ ٥٦٥ ]
موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال: آدم: لموسى (^١) أنت الذي اصطفاك الله بكلماته، أتلومني على عمل كتبه الله علي قبل أن يخلق الله (^٢) السموات قال: فحج آدم موسى» (^٣) (^٤).
_________________
(١) وفي. و.: فقال آدم أنت موسى.
(٢) ساقط من باقي النسخ.
(٣) أخرجه الترمذي ك: القدر، ب: ما جاء في حجاج آدم وموسى ﵉ (٢١٣٤) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، من حديث سليمان التيمي، عن الأعمش وقد روى بعض أصحاب الأعمش: عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وقال الألباني صحيح انظر صحيح سنن الترمذي ٢/ ٤٤٠. قلت: وأحاديث المحاجة متفق عليها حيث أخرجها البخاري ك: أحاديث الأنبياء، ب: وفاة موسى (٣٤٠٩)، ك: التفسير، ب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٤٧٣٦)، ك: التفسير، ب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (٤٧٣٨)، وك: القدر، ب: تحاج آدم وموسى عند الله (٦٦١٤)، وك: التوحيد، ب: ما جاء في قوله ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٧٥١٥)، ومسلم ك: القدر، ب: حجاج آدم وموسى ﵉ (٢٦٥٢)
(٤) أجمع أهل السنة والجماعة على أن الاحتجاج بالقدر باطل. قال الإمام الصابوني في بيانه لمعتقد أهل السنة بأنهم يشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه. انظر عقيدة السلف ص ٢٨٠، وقال ابن تيمية والاحتجاج بالقدر باطل باتفاق أهل الملل وذوي العقول. انظر منهاج السنة ٣/ ٢٣، والأدلة على ذلك كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فإذا بعث الله الرسل فلا حجة لأحد؛ لذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] والعجيب أن المحتج بالقدر يحتج به إذا ظلم وطغى ولا يقبل به مطلقًا إذا اعتدى عليه وظلم
[ ٥٦٦ ]
٤ - وروى حديث «حج آدم موسى»: مالك عن أبي الزناد (^١) عن الأعرج (^٢)
_________________
(١) أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة امرأة عثمان بن عفان. قال حرب بن إسماعيل عن أحمد بن حنبل: كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وهو ثقه. وقال أبو حاتم: «ثقة فقيه، صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة إذا روى عن الثقات»، وقال العجلي: «تابعي ثقة». قال البخاري: «أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة»، قال ابن معين: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. انظر: «طبقات ابن سعد» (٩/ ٢١٧)، و«تهذيب الكمال» (١٤/ ٤٧٦)، و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٤٤٥)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ١٣٤).
(٢) الأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني مولى ربيعة بن الحارث. قال محمد بن سعد: «كان ثقة كثير الحديث»، وذكره علي بن المديني في أصحاب أبي هريرة، ووثقه. قال أحمد العجلي: «مدني تابعي ثقة»، قال أبو زرعة وابن خراش: «ثقة». قال محمد بن سعد: = = مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. انظر: «التاريخ الكبير» (٥/ ٣٦٠)، و«الثقات» لابن حبان (٥/ ١٠٧)، و«تهذيب الكمال» (١٧/ ٤٦٧)، و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٦٩)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٩٧).
[ ٥٦٧ ]
عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- (^١) (^٢) (^٣) وهذا يدل على بطلان قول القدرية
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من ب من باب الروايات في القدر إلى هذا الموضع وهذا سقط كبير.
(٢) أخرجه مسلم في ك: القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ حديث رقم (٢٦٥٢)، وأخرجه مالك ك: القدر، ب: النهي عن القول بالقدر (٢/ ٦٨) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وهذا إسناد على شرط الشيخين.
(٣) وقد أشكل الحديث السابق على نفر من العلماء، من حيث إن في ظاهره جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى التكذيب به، قال شيخ الإسلام: لما توهم من توهم أن ظاهره: أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب، اضطربوا فيه: فكذب به طائفة من القدرية كالجبائي، وتأوله طائفة من أهل السنة تأويلات ضعيفة، قصدًا لتصحيح الحديث، انظر درء التعارض ٨/ ٤١٨. قلت: وقف أهل العلم مع هذا الإشكال موقفين: ١) … من فهم منه جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، وهؤلاء هم القدرية والجبرية فاتجهوا نحوه اتجاهين: أ - ردوه وأنكروه وكذبوه حتى قال أبو علي الجبائي ومن سار في فلكه: إن هذا الحديث لو صح لبطلت نبوات الأنبياء؛ فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، وارتفع الذم والعقاب عمن عصى الله تعالى، انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٤)، والدرء ٨/ ٤١٨، وفتح الباري ١١/ ٥١٠. قلت: وتكذيب القدرية لهذا الحديث مردود؛ لأنه ثابت في الصحيحين لا مجال=
[ ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لمدافعته، بل واتفقت الأمة على صحته حتى قال ابن حجر: هذا الحديث وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة، انظر فتح الباري ١١/ ٥٠٦، والتمهيد ١٨/ ١١٢. ب - قبوله والاحتجاج به على فعل المعاصي، فكلما عملوا معصية احتجوا بالقدر، فجعلوا هذا الحديث عمدة لهم في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ، وإلى هذا ذهبت الجبرية ومن نحا نحوهم من الصوفية وغيرهم. انظر مجموع الفتاوى ٨/ ٣٠٥، وشفاء العليل ١/ ٤٩ وهذا القول ظاهر البطلان؛ لأن الإجماع منعقد باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين على أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة، بل واجتمعت الأمة على أن من أتى مايستحق الذم عليه فلا بأس بذمه، ولا حرج في لومه، بل وأبطل الله هذا القول بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٤٨]. وأبطل الله هذه الحجة بقوله ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ الأنعام ١٤٨. بل لو ساغ الاحتجاج بالقدر على المعصية لساغ لإبليس وأحزابه وأعوانه وأتباعه، حتى قال ابن تيمية: شر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه، ولا يراه حجة لغيره، حتى قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري. انظر للفائدة منهاج السنة ٣/ ٥٥، والتمهيد ٨/ ١٥، ومجموع الفتاوى ٨/ ١٧٩، واقتضاء الصراط ٢/ ٨٥٨. ٢) الموقف أهل السنة والجماعة والذين قبلوا الحديث؛ لكنهم اختلفوا في بيان معناه إلى أقوال: القول الأول: أن ذلك مخصوص بآدم، لأن موسى لامه على معصية وخطيئة تاب منها، لذا كان حسنًا أن يحتج بالقدر على فعل المعصية التي تاب منها، وهذا =
[ ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قول ابن عبدالبر ومن وافقه، انظر التمهيد ١٨/ ١٥، والمفهم ٦/ ٦٦٨، والدرء ٨/ ٤١٨، وفتح الباري ١١/ ٥١٠. ورد ابن تيمية هذا القول بقوله: إن موسى أجل قدرًا من أن يلوم أحدًا على ذنب قد تاب منه، وقال ابن القيم: لو كان هذا صحيحًا لقال آدم: أتلومني على ذنب قد تبت منه؟، انظر: مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٨، ١٧٨، والدرء ٨/ ٤١٩، وشفاء العليل ١/ ٤٩. القول الثاني: أن موسى لام آدم بعد أن مات آدم وهو في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى، لأن الأحكام حينئذ جارية عليه، انظر درء التعارض ٨/ ٤١٨، والفتاوى ٨/ ٣٠٥، والفتح ١١/ ٥١١، ولكن هذا القول مردود من وجهين:
(٢) أن آدم احتج بالقدر ولم يحتج بالدار، بل وقوله: أتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق دليل على ذلك.
(٣) أن الله جل وعلا يلوم عباده ويعاقبهم إن شاء على أفعالهم في غير دار التكليف، فبعد الموت، وفي القبر، ويوم القيامة، بل قد يدخلهم النار على أفعالهم في حياتهم الدنيا، انظر بتصرف شفاء العليل ١/ ٤٩. القول الثالث: أن آدم حج موسى، لأن الذنب كان في شريعة والملام في شريعة أخرى. انظر درء التعارض على ٨/ ٤١٨، وهذه دعوة لا دليل عليها، فماهو الدليل الذي يفهم منه أن في شريعة آدم جواز الاحتجاج بالقدر بعكس شريعة موسى ومن بعده؟، ثم إن الاختلاف بين الشريعتين لا تأثير له في هذه الحجة بوجه، فهذه الأمة تلوم الأمم السابقة التي عصت رسلها، بل يقبل الله شهادة أمة محمد عليهم مع عدم اجتماعهم في شريعة واحدة، انظر فتح الباري ١١/ ٥١١، وشفاء العليل ١/ ٤٩، والدرء ٨/ ٤١٨، ومجموع الفتاوى ٨/ ٣٠٥. القول الرابع: أن آدم أبو موسى، وليس للابن ان يلوم أباه ولذا انتصر آدم؛ لأن=
[ ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأب يحج الابن، انظر الدرء ٨/ ٤١٨، والمفهم ٦/ ٦٦٧، والفتح ١١/ ٥١١. وهذا القول ضعيف فللابن أن يمنع أباه من الباطل، ويكسبه في الاحتجاج، ويرد عليه شبهه، كفعل الخليل ﵇ مع والده، انظر للفائدة: شفاء العليل ١/ ٤٩، والدرء ٨/ ٤١٨، ومجموع الفتاوى ٨/ ٣٠٥. القول الخامس: أن موسى لام آدم ﵉ على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية، فاحتج آدم بالقدر على المعصية لكونه قد تاب منها، والاحتجاج بالقدر على المعصية بعد وقوعها والتوبة منها لا محذور فيه، وهذا قولٌ آخر لابن القيم حيث قال: إن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل، وبهذا القول قال ابن الوزير، وابن عثيمين رحمهما الله جميعًا، انظر شفاء العليل ١/ ٥٦ - ٥٧، والروض الباسم ٢/ ٤٥٦، وتقريب االتدمرية ١٠٢ - ١٠٣ القول السادس: وهو والذي قبله متقاربان، وهما القولان الراجحان؛ لأن موسى لام آدم عليهما الصلاة والسلام على المصيبة التي حصلت لآدم وذريته، وهي مصيبة الإخراج من الجنة، والنزول إلى الأرض بسبب فعله وخطيئته، فاحتج عليه آدم بالقدر على المصيبة، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، لذا قال آدم: أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل أن أخلق بكذا وكذا سنة؟ ولذا قال ابن تيمية: لم يكن لوم موسى لأجل حق الله في الذنب؛ لأن آدم تاب من الذنب لقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، البقرة ٣٧. وموسى ﵇ يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر وفاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى؛ لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، التغابن ١١. وقال ابن رجب: الاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، وهذا القول هو قول عامة أهل العلم: كابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، انظر مجموعة الفتاوى ٨/ ١٠٨، ولطائف المعارف صـ ٦٢، وشفاء العليل ١/ ٥٦، والرد على الجهمية ٧١، ٧٢، ولمعة الاعتقاد ص ٩٤.
[ ٥٧١ ]
الذين يقولون: إن الله ﷿ لا يعلم الشيء حتى يكون، لأن الله ﷿ إذا كتب ذلك وأمر بأن يكتب فلا يكتب شيئًا لا يعلم جل عن ذلك وتقدس. وقال الله ﷿: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^١)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (^٢)، وقال: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (^٣)، وقال: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (^٤)، وقال: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٥). وقال: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (^٦) وقال: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٧) فذلك مُبيِّن (^٨) أنه يعلم الأشياء كلها.
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: [٥٩].
(٢) سورة هود، آية: [٦].
(٣) سورة المجادلة، آية: [٦].
(٤) سورة مريم، آية: [٩٤].
(٥) سورة الطلاق، آية: [١٢].
(٦) سورة الجن، آية: [٢٨].
(٧) سورة البقرة، آية: [٢٩].
(٨) في ب، ويبين.
[ ٥٧٢ ]
[وقد] (^١) أخبر [الله] (^٢) ﷿ أن الخلق يبعثون ويحشرون، وأن الكافرين في النار يخلدون، وأن الأنبياء والمؤمنين في الجنان يدخلون، وأن القيامة تقوم، ولم تقم القيامة (^٣) بعدُ، ذلك (^٤) يدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون. وقد قال الله ﷿ (^٥) في أهل النار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ (^٦)، فأخبر عما لا يكون أن لو كان كيف يكون. وقال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (^٧)، ومن لا يعلم الشيء قبل كونه لا يعلمه بعد [تقضيه] (^٨). تعالى الله عن قول الظالمين علوًا كبيرًا.
٥ - وروى معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن سليمان الأعمش عن عمرو بن مرة (^٩) عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عبدالله بن
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. هـ.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. هـ. و.
(٣) ساقط من هـ.
(٤) في. ب. و. فذلك. وفي. هـ. وذلك.
(٥) ساقط من ب، و.
(٦) سورة الأنعام، جزء من آية: [٢٨].
(٧) سورة طه، آية: [٥١ - ٥٢].
(٨) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٩) عمرو بن مرة: هو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل. قال البخاري عن علي بن المديني: «له نحو مائتي حديث»، قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: «ثقة». قال أبو حاتم: «صدوق ثقة كان يرى الإرجاء»، قال أبو نعيم وأحمد بن حنبل. مات سنة ست عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة ومائة، انظر: «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٢٣٢)، و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ١٩٦)، و«تذكرة الحفاظ» (٢/ ١٢١).
[ ٥٧٣ ]
ربيعة (^١) قال: كنا عند عبدالله قال: فذكروا رجلًا [فذكروا] (^٢) من خُلُقِهِ، فقال القوم: أما له من يأخذ على يديه؟ قال عبدالله: أرأيتم لو قطع رأسه أكنتم تستطيعون أن تجعلوا له يدًا؟ قالوا: لا. قال عبدالله: «إن النطفة إذا وقعت في المرأة مكثت أربعين يومًا، ثم انحدرت دمًا، ثم تكون علقة مثل ذلك، ثم تكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيقول: اكتب أجله وعمله ورزقه وأثره وخلقه وشقي أو سعيد وإنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خُلُقَهُ حتى تغيروا خَلْقَه» (^٣).
_________________
(١) عبد الله بن رُبَيِّعة: هو عبد الله بن ربيعة بن فرقد السلمي، قيل له صحبة، فإن لم تكن فحديثه من قبيل المرسل، نزل الكوفة، توفي بعد الثمانين، و«رُبَيِّعة» بالتثقيل من الأسماء المفردة، قال الذهبي: مختلف في صحبته، وقال ابن حجر: ذكر في الصحابة، ونفاها أبو حاتم، ووثقه ابن حبان. انظر: «التاريخ الكبير» (٥/ ٨٦)، و«الجرح والتعديل» (٥/ ٥٤)، و«سير أعلام النبلاء» (٣/ ٥٠٤)، و«الإصابة» (٤/ ٨٠).
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٣) صحيح موقوفًا، وقوله «إن النطفة » له حكم الرفع؛ حيث أخرجه ابن بطة في «الإبانة» (٣/ ٢٦) حديث رقم (١٤٢٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٨٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ١٧٨)، عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن ربيعة به، وأخرجه هناد في «الزهد»، (١٢٧١)، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش به، وأخرجه الفريابي في «القدر» (١٠٣، ١٠٤) قال: حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا ابن مسهر عن الأعمش به، وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»، (٩/ ١٧٨)، حديث رقم (٨٨٨٤)، من حديث أبي نعيم عن الأعمش عن مالك ابن الحويرث عن عبد الله بن ربيعة به، وأخرجه أيضًا في «المعجم الكبير» (٩/ ١٧٨)، حديث رقم (٨٨٨٥) من حديث زائدة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله ربيعة به، قال الهيثمي: «رواه الطبراني ورجاله ثقات»، «المجمع» (٧/ ١٩٦)، قال العلامة الألباني في «تخريج الأدب المفرد» (٢٨٣): حسن الإسناد موقوف، لكن قوله: «إن النطفة …» إلخ في حكم المرفوع، وقد صح مرفوعًا.
[ ٥٧٤ ]
٦ - وروى معاوية [بن عمرو، قال: حدثنا زائدة عن منصور، عن سعد بن عبيدة (^١) عن أبي] (^٢) عبدالرحمن عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد (^٣)، فأتى النبي -ﷺ- فقعد ونحن حوله، ومعه
_________________
(١) سعد بن عبيدة: هو الإمام الثقة أبو حمزة السلمي الكوفي، من علماء الكوفة، وكان زوج ابنة أبي عبد الرحمن السلمي، وثقه النسائي وغيره، مات في الكهولة في حدود سنة بضع ومائة. انظر: «طبقات ابن سعد» (٦/ ٢٩٨)، و«الجرح والتعديل» (٤/ ٨٩)، و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٩).
(٢) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٣) بقيع الغرقد: بالعين المعجمة. البقيع في اللغة الموضع الذي فيه أروم الشجر من ضروب شتى وبه سمي بقيع الغرقد الذي هو مقبرة أهل المدينة، والغرقد كبار العوسج من الشجر. انظر معجم البلدان ١/ ٣٧٧. قلت: والبقيع الآن مقبرة مجاورة للمسجد النبوي في المدينة المنورة.
[ ٥٧٥ ]
مخصرة [له] (^١)، فنكث بها الأرض (^٢) ورفع رأسه، فقال: «ما منكم من نفس منفوسة إلا (^٣) وقد كُتِبَ مكانها من الجنة والنار، وإلا (^٤) وقد كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل من القوم: يا رسول الله أفلا نتكل (^٥) على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة سيصير (^٦) من أهل (^٧) السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيصير من أهل الشقا (^٨)، فقال: «اعملوا [فكل] (^٩) ميسر، أما أهل الشقاوة فميسرون لعمل الشقاوة، وأما أهل السعادة فميسرون لعمل السعادة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (^١٠) (^١١).
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٢) ساقط من ب، و.
(٣) ساقط حرف الواو من. جـ. هـ. ب. و.
(٤) في ب، و، ساقط حرف الواو.
(٥) في ب، و. نمكث.
(٦) في ب. ليصير وفي و. فسنصير.
(٧) في ب، وإلى.
(٨) في ب. و. فيصير إلى الشقاوة.
(٩) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(١٠) سورة الليل، الآيتان: [٥ - ١٠].
(١١) متفق عليه: ولكن بدل لفظة "نمكث" لفظة "نتكل" حيث لم أجدها بهذه اللفظة بعد جهد، والحديث أخرجه البخاري ك: الجنائز، ب: موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله (١٣٦٢)، ك: التفسير، ب: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (٤٩٤٥)، ب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٤٩٤٦)، ب: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ (٤٩٤٧)، ب: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ (٤٩٤٨)، ك: الأدب، ب: الرجل ينكت الشيء في الأرض (٦٢١٧)، ك: القدر، ب: وكان أمر الله قدرًا مقدورا (٦٠٠٥)، ك: التوحيد، ب: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٧٥٥٢)، ومسلم ك: القدر، ب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته، وسعادته (٢٦٤٧).
[ ٥٧٦ ]
٧ - وروى موسى بن إسماعيل (^١) قال: حدثنا حماد، قال: انا (^٢) هشام بن عروة (^٣)، عن عروة (^٤)
_________________
(١) موسى بن إسماعيل: هو موسى بن إسماعيل المنقري مولاهم أبو سلمة التبوذكي البصري. قال يحيى بن معين: «ثقة مأمون»، وقال أبو الوليد الطيالسي: «ثقة صدوق»، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: «كان من المتقنين». مات بالبصرة في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين. انظر: «التاريخ الكبير» (٧/ ٢٨٠)، و«الجرح والتعديل» (٨/ ١٣٦)، و«الثقات» لابن حبان (٩/ ١٦٠)، و«تهذيب الكمال» (٢٩/ ٢١).
(٢) في جـ، هـ حدثنا.
(٣) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصي بن كلاب، الإمام الثقة شيخ الإسلام أبو المنذر القرشي، الأسدي، الزبيري، المدني. قال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث. ووثقه يعقوب بن شيبة، والعجلي وابن حبان. قال علي بن المديني: له نحو أربع مئة حديث. ولد سنة إحدى وستين. وقد رأى ابن عمر، وحفظ عنه أنه دعا له ومسح برأسه.، كان مثل الحسن وابن سيرين، وقال ابن سعد: «كان ثقة، ثبتًا، كثير الحديث حجة،». توفي ببغداد في سنة ست وأربعين ومائة وصلى عليه أبو جعفر المنصور. انظر: «التاريخ الكبير» (٤/ ١٩٣)، و«الجرح والتعديل» (٩/ ٦٣)، و«الثقات» لابن حبان (٣/ ٢٨٠)، و«سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٤)، و«تهذيب الكمال» (٣٠/ ٢٣٢)، و«تاريخ بغداد» (١٤/ ٣٧)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ١٤٤).
(٤) عروة هو: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، أبو عبد الله المدني، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: «كان ثقة كثير الحديث فقيهًا عالمًا مأمونًا ثبتًا»، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي ثقة، وكان رجلًا صالحًا لم يدخل في شيء من الفتنة، قال هشام بن عروة: كان أبي يقول: إنَّا كنَّا أصاغر قوم ثم نحن اليوم كبار، وإنكم اليوم أصاغر، وستكونون كبارًا، فتعلموا العلم تسودوا به قومكم ويحتاجوا إليكم، فوالله ما سألني الناس حتى لقد نسيت. مات عروة سنة تسع وتسعين أو مئة، أو إحدى ومئة، اختلف فيه. انظر: «طبقات ابن سعد» (٥/ ١٧٨ - ١٨٢)، و«الجرح والتعديل» (٦/ ٣٩٥)، و«التاريخ الكبير» (٧/ ٣١)، و«تهذيب الكمال» (٢٠/ ١١)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٦٢).
[ ٥٧٧ ]
عن عائشة (^١) ﵂ أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن
_________________
(١) عائشة هي عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين، أفقه النساء، وأفضل أزواج النبي -ﷺ- إلاَّ خديجة، على خلاف بين أهل العلم، تكنى أم عبد الله، وأمها رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس ابن عتاب، تزوجها رسول الله -ﷺ- بمكة قبل الهجرة بسنتين، قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي -ﷺ- وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتني الصادقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات، قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة، قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة قال سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة: توفيت عائشة سنة سبع وخمسين. انظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ٥٨)، و«الإصابة» (٨/ ١٦)، و«تهذيب الكمال» (٣٥/ ٢٢٧)، و«سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٣٥)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٢٧)
[ ٥٧٨ ]
الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه لمكتوب (^١) في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه لمكتوب (^٢) في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة، [فمات] (^٣) فدخل الجنة» (^٤). وهذه الأحاديث تدل على أن الله ﷿ علم ما يكون أنه
_________________
(١) في. ب. و. مكتوب.
(٢) في. ب. و. مكتبو.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٤) صحيح: أخرجه أحمد (١٤/ ٢٧٩) برقم (٢٤٧٦٢) من حديث سريج وعفان عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به، وأخرجه أبو يعلى برقم (٨/ ١٢٨)، وابن حبان في صحيحه برقم (٣٤٦)، وإسحاق برقم (٨٣٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١١): رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، وقال محقق «المسند» (٤١/ ٢٨٠): إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، قلت: وأصل الحديث في «الصحيحين»، حيث أخرجه البخاري ك: القدر، ب: في القدر (٦٥٩٤)، ومسلم ك القدر، ب: كيفية الخلق الآدمي (٢٦٤٣)، من حديث عبد الله بن مسعود، مرفوعًا: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».
[ ٥٧٩ ]
يكون وكتبه، وأنه قد كتب أهل الجنة وأهل النار، وخلقهم فريقين: فريقٌ في الجنة وفريق في السعير. [وبذلك نطق كتابه إذ يقول: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (^١) وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (^٢) (^٣)، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (^٤)، فخلق الله الأشقياء للشقاوة والسعداء للسعادة، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (^٥).
٨ - وروي عن النبي -ﷺ-: «أن الله ﷿ جعل للجنة أهلًا وللنار أهلًا». (^٦) (^٧).
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: [٣٠].
(٢) سورة الشورى، آية: [٧].
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٤) سورة هود، آية: [١٠٥].
(٥) سورة الأعراف، آية: [١٧٩].
(٦) في نسخة فوقية زيادة [أعاذنا الله منها]، وهي ليست موجودة في المخطوطات ولا المطبوعات غيرها انظر تحقيقها للإبانة ص ٢٣٤.
(٧) أخرجه: مسلم ك: القدر، ب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٢٦٦٢) ونصه: " إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم﴾.
[ ٥٨٠ ]
دليل في القدر: ومما يدل على بطلان قول القدرية قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية (^١).
٩ - وجاءت الرواية عن رسول الله -ﷺ-: «أن الله ﷿ مسح ظهر آدم فأخرج ذريته من ظهره، كأمثال الذر، ثم قررهم بوحدانيته، وأقام الحجة عليهم» (^٢)، لأنه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: [١٧٢].
(٢) صحيح: الحديث أورده الإمام الأشعري بالمعنى، وأقرب نص له ما أخرجه أحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا على أنفسنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" (الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣) انظر المسند (٤/ ٢٧٦) برقم (٢٤٥٥)، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ك: التفسير برقم (١١١٢٧) وابن أبي عاصم في السنة ١/ ١٧٠ برقم (٢٠٢) والبيهقي في الأسماء والصفات ١/ ١٤٨) برقم (٧١٤) و(١/ ٥١٨) برقم (٤٤١) قال النسائي: قال: «أبو عبدالرحمن: كلثوم هذا ليس بقوي وحديثه ليس بالمحفوظ». انظر الموسوعة الحديثية للسنن الكبرى للنسائي (١٠/ ١٠٢) وقال ابن كثير في تفسيره لآية (١٧٢) من سورة الأعراف بعدما ذكر طرقه: «فهذه الطرق كلها مما قوى وقف هذا على ابن عباس»، وقال الألباني في تحقيقه للسنة: «إسناده حسن» (٨٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٨)، وقال محقق المسند: «رجاله ثقات رجال الشيخين غير كلثوم بن جبر، فمن رجال مسلم»، ووثقه أحمد وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، انظر الموسوعة (٤/ ٢٦٧)، والحديث سبق تخريجه مفصلًا بألفاظ قريبة من هذا انظر ص () برقم (٤٠).
[ ٥٨١ ]
قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (^١) قال الله ﷿: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (^٢) فجعل تقريرهم بوحدانيته لما أخرجهم من ظهر آدم حجة عليهم إذا أنكروا في الدنيا ما كانوا عرفوه في الذر الأول، ثم من بعد الإقرار جحدوه.
١٠ - وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إن الله قبض قبضة للجنة، وقبض قبضة للنار (^٣)،
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: [١٧٢].
(٢) سورة الأعراف، آية: [١٧٢].
(٣) صحيح لغيره: أخرجه أبو يعلى في «المسند» حديث رقم (٣٤٥٣، ٣٤٢٢) من حديث الحكم بن سنان أبو عون عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قبضَ قبضةً، فقال: للجنة برحمتي، وقبضَ قبضةً، فقال: للنار، ولا أبالى»، قلت: والحكم بن سنان أبو عون البصري: ضعيف. «لسان الميزان» (٧/ ٢٠١)، وقال العقيلي في حديثه عن ثابت عن أنس في القبضتين: «لا يتابع عليه»، «الضعفاء» (١/ ٢٥٧)، وقال الهيثمي: «رواه أبو يعلى وفيه الحكم بن سنان الباهلي»، قال أبو حاتم: «عنده وهم كثير، وليس =
[ ٥٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالقوي، ومحله الصدق، يكتب حديثه، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح»، «المجمع» (٧/ ١٨٦)، وضعفه محقق مسند أبي يعلى، وأخرجه ابن بطة في «الإبانة» من حديث أبي سعيد الخدري (٢/ ٤٨٨) حديث رقم (١٣٣٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٨٦) حديث رقم (١٠٧) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: " في القبضتين: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي" قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير نمر بن هلال وثقه أبوحاتم، انظر المجمع (٧/ ١٨٦). وله شاهد عند أحمد (٢٩/ ١٣٤ - ١٣٥)، حديث رقم (١٧٥٩٣ - ١٧٥٩٤) من حديث الجريري عن أبي نضرة، قال: مرض رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فبكى، فقيل له: ما ييكيك يا أبا عبد الله، ألم يقل لك رسول الله -ﷺ-: خذ من شاربك، ثم أقرّه حتى تلقاني، قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله قبض قبضة بيمينه وقال: «هذه لهذه، ولا أبالي، وقبض قبضة أخرى بيده الأخرى، فقال هذه لهذه ولا أبالي، فلا أدري في أي القبضتين أنا»، وقال محقق المسند: إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح غير صحابيه فقد جاءها هكذا مكنى غير مسمى (٢٩/ ١٣٤ - ١٣٦). قلت: الجريري: سعيد بن إياس ثقة، لكنه اختلط، وحيث إنها من رواية حماد بن سلمة الذي روى عنه قبل الاختلاط، فإنها مقبولة. «تهذيب التهذيب» (٦٤)، قال الهيثمي: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، «المجمع» (٧/ ١٨٦). وقال الحافظ: «وسنده صحيح»، «الإصابة» (٧/ ١٢٣). وله شاهد ثالث: أخرجه ابن منده في «الإيمان» (١٠٢) من حديث أبي المليح الهذلي عن روح عن أبي العوام عن معاذ -في مرض وفاته وهو يبكي- فقيل: ما يبكيك؟ أجزعًا من الموت؟ قال: لا والله ما أبكي جزعًا من الموت، ولكني لا أدري أي القبضتين أنا. فقلت: وما القبضتان؟ فقال: إن الله قبض قبضة، فقال: هؤلاء أهل الجنة، هؤلاء أهل اليمين، وهؤلاء أهل النار، هؤلاء أصحاب الشمال، وله شاهد رابع من مرسل الحسن، قال: لما حضرت معاذًا الوفاةُ، فجعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله ﷺ، وأنت، وأنت؟ فقال: ما أبكي جزعًا من الموت إن حلَّ بي، ولا دنيا تركتها بعدي، ولكن إنما هما قبضتان: قبضة في النار، وقبضة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أنا. أخرجه البيهقي في «الشعب» (٨٤١)، وابن عساكر في «تاريخه»، (٥٨/ ٤٥٠، ٤٥١) وقال الهيثمي: وقال البزار: رواه الطبراني وفيه البراء بن عبدالله الغنوى وهو ضعيف والحسن لم يدرك معاذًا. انظر المجمع (٧/ ١٨٧). قلت: وفي الجملة فالحديث صحيح صححه جمع من أهل العلم ومنهم الحافظ ابن حجر قال: «وسنده صحيح» انظر «الإصابة» (٧/ ١٢٣)
[ ٥٨٣ ]
فميز (^١) بعضًا من بعض، فغلبت الشقوة على أهل الشقوة والسعادة على أهل السعادة». قال الله ﷿ مخبرًا عن أهل النار: إنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (^٢) وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ (^٣)، وكل ذلك بأمر قد سبق في علم الله ﷿، ونفذت فيه إرادته، وتقدمت فيه مشيئته.
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية والمكتوبة فميز ولعل الصواب فخير، والله أعلم.
(٢) وقرأها أهل المدينة وأبو عمرو: " شقوتنا"، وقرأ الكوفيون إلا عاصمًا "شقاوتنا"، وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن والشقوة: قيل فيها معانٍ منها: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة؛ لأنهما يؤديان إليها، وقيل: أي قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها، وقيل: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد، وقيل: أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى، انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٢٤٤٨)، وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٩١)، وتفسير زاد المسير (٥/ ٤٩٢)، وتفسير البغوي معالم التنزيل (٥/ ٤٣٠)
(٣) سورة المؤمنون، آية: [١٠٦].
[ ٥٨٤ ]
١١ - وروى معاوية بن عمرو، قال: نا (^١) زائدة، قال: نا (^٢) طلحة بن يحيى القرشي (^٣)، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة (^٤)، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن النبي -ﷺ- دعي إلى جنازة غلام من الأنصار يصلي عليه، فقالت عائشة ﵂: طوبى لهذا يا رسول الله! عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءًا ولم يدركه؟ قال: «أو غير ذلك
_________________
(١) وفي ب. و. هـ. حدثنا.
(٢) وفي ب. و. هـ حدثنا.
(٣) هو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي المدني، نزيل الكوفة أخو إسحاق بن يحيى بن طلحة وبلال بن يحيى بن طلحة، أدرك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان: «لم يكن بالقوي»، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: «صالح الحديث»، عن يحيى بن معين:، وقال يعقوب بن شيبة والعجلي: «ثقة»، وقال البخاري» «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث». انظر: «طبقات ابن سعد» (٦/ ٣٦١)، و«الضعفاء الكبير» للعقيلي (٢/ ٢٢٦)، و«تهذيب الكمال» (١٣/ ٤٤١).
(٤) عائشة بنت طلحة: هي أم عمران المدنية، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، تزوجها ابن خالها عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فمات عنها، ثم خلف عليها مصعب بن الزبير فقتل عنها، فخلف عليها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي. وكانت من أجمل نساء قريش. وقال أبو زرعة الدمشقي: امرأة جليلة حدث الناس عنها لفضائلها وأدبها، وذكرها ابن حبان في «الثقات»، قال ابن معين: «ثقة حجة»، وقال العجلي: «مدنية تابعية ثقة»، انظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ٤٦٧)، و«الثقات» لابن حبان (٥/ ٢٨٩)، و«تهذيب الكمال» (٣٥/ ٢٣٧).
[ ٥٨٥ ]
يا عائشة! إن الله ﷿ قد جعل للجنة أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وللنار أهلًا جعلهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (^١). (^٢)
_________________
(١) ونصه من حديث العلاء بن المسيب عن فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبيُّ، فقلت: طوبى له، عصفورٌ من عصافير الجنة، فقال رسول الله -ﷺ-: «أولا تدرين أن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا» أخرجه: مسلم ك: القدر، ب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٦٦٢) (٣٠)، وأخرجه من حديث وكيع عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دُعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبيٍّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: «أوَ غير ذلك، يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»، وب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٦٦٢) (٣١)، قلت: فضيل بن عمرو الفقيمي رواه عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين مرفوعًا بلفظ: «أوَ لا تدرين » الحديث. وخالفه طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين مرفوعًا بلفظ: «أوَ غير ذلك » الحديث، وكلاهما رواهما مسلم، الأول أولًا، ثم أردفه بالرواية الثانية.
(٢) الحديثان السابقان ظاهرهما التعارض؛ لأن ظاهر الحديث الثاني إنكار من الرسول ﷺ على عائشة فحدث خلاف بين أهل العلم حول الروايتين وطرق الجمع بينهما، فأما الرواية الأولى فصحيحة، وأما الرواية الثانية ففي جملتها صحيحة، ولكن فيها موضع الشك في أطفال المؤمنين، وهو قوله: «أوَ غير ذلك»؛ لذا ضعف بعض أهل العلم الرواية الثانية، وسلك بعضهم الجمع. قال الميموني: إنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين، فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاريِّ، وقول النبي -ﷺ- فيه. فسمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلًا ضعفه: طلحة، وسمعته غير=
[ ٥٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مرة يقول: وأحدٌ يشك أنهم في الجنة، هو يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟ إنما اختلفوا في أطفال المشركين ا. هـ «المنتخب من العلل للخلال» (ص ٥٣)، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحبُّ إليَّ من بريد بن أبي بردة بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة يحدَّث بحديث: «عصفور من عصافير الجنة». اهـ، «العلل ومعرفة الرجال» (٢/ ١١)، وأخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» باللفظ الثاني، وقال: «آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس بأسانيد جياد، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه» (٢/ ٢٢٦)، وقد قال ابن عبد البر بعد أن ذكره برواية طلحة بن يحيى بن طلحة: «أوَ غير ذلك …»: «هذا حديث ساقط ضعيف مردود بما ذكرنا من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى: ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يعرج عليه» اهـ، «التمهيد» (٦/ ٣٥٠، ٣٥١)، والاستذكار (٨/ ٣٩٣)، وقال الذهبي: رواه جماعة عن طلحة، وهو مما ينكر من حديثه، انظر السيرة (١٤/ ٤٦٢) وقال الحافظ ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه عصفور من عصافير الجنة، انظر تهذيب التهذيب (٥/ ٢٦). وهذه مقارنة بين طلحة بين يحيى = = وفضيل بن عمرو الفقيمي. طلحة بن يحيى بن طلحة التيمي … فضيل بن عمرو الفقيمي من وثقه: - قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: «ثقة». - قال يعقوب بن شيبة والعجلي: «ثقة». - قال أبو داود: «ليس به بأس». - قال أبو زرعة والنسائي: «صالح». - قال أبو حاتم: «صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث». - قال ابن سعد: «ثقة». … من وثقه: - قال ابن معين: «ثقة حجة». - قال العجلي: «ثقة». - قال ابن سعد: «ثقة». - قال أبو حاتم: «لا بأس به».
[ ٥٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من ضعفه - قال البخاري: «منكر الحديث». - قال ابن معين: «ليس بالقوي» - قال النسائي: «ليس بالقوي». - قال يعقوب بن سفيان: «شريف لا بأس به، في حديثه لين». - قال الساجي: «صدوق، لم يكن بالقوي». - قال ابن حبان في «الثقات»: «كان يخطئ». … من ضعفه لا يوجد تضعيف له، إلا قول ابن حبان في «الثقات»: «يخطئ». لذا قال الحافظ في «التقريب»: «صدوق يخطئ». انظر: «تهذيب الكمال» (١٣/ ٤٤١ - ٤٤٣)، و«تهذيب التهذيب» (٥/ ٢٥)، و«الثقات» لابن حبان (٦/ ٤٨٧)، و«التقريب» (٢٨٣). … لذا قال الحافظ في «التقريب»: «ثقة». انظر: «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٢٨٠)، و«تهذيب التهذيب» (٨/ ٢٦٤)، و«الثقات» لابن حبان (٧/ ٣١٤)، و«التقريب» (٤٤٨). قلت: تبين من المقارنة أن فضيل بن عمرو الفقيمي أقوى وأثبت من طلحة بن يحيى بن طلحة؛ لذا تترجح رواية فضيل على يحيى، وإن كانت الروايتان في الجملة صحيحتبن، لذا ذهب بعض أهل العلم إلى الجمع، وذلك بعد قبولهما للروايتين على مذاهب شتى: ١. أنه ﷺ قال ذلك لعائشة قبل أن يوحى إليه أن أطفال المسلمين في الجنة، قال البيهقي - ﵀ -: فيحتمل أن يكون خبر عائشة قبل نزول قوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فمنع ﷺ من القطع بكونه في الجنة. انظر الاعتقاد ٢٧٤، وهذا القول مال إليه ابن حزم، انظر الفصل (٢/ ٣٨٥)، وإلى هذا ذهب ابن القيم حيث قال: بعد أن أثبت =
[ ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صحة الحديث - يحتمل- بأن هذا كان من النبي ﷺ قبل أن يعلمه الله بحال = = أطفال المؤمنين. انظر: أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٦). ٢. توقف بعض أهل العلم فقالوا: لايحكم بجنة ولا بنار وأوكلوا أمرهم إلى المشيئة، قال ابن عبدالبر: بهذه الآثار احتج من ذهب إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو المشركين بجنة أو نار وهم جمع كثير من أهل الفقه والحديث كحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق. وعلى ذلك أكثر أصحاب مالك، انظر التمهيد (٦/ ٣٧٧) والطبعة القديمة (٨/ ١١١). ٣. ذهب بعض أهل العلم إلى أن إنكار الرسول ﷺ على عائشة بسبب أنها قطعت لطفل معين بالجنة من غير دليل لديها، وذلك لأن الشهادة له بالجنة هي شهادة لوالديه بالإيمان، والطفل تبع لأبويه، وإلا ففي الجملة أطفال المؤمنين بالجنة، وهذا القول هو قول عامة أهل العلم: أ- قال البيهقي - ﵀ -: إن القطع به في أحد من المؤمنين بعينه غير ممكن لما يخشى من تغير حاله في العاقبة، ورجوعه إلى ما كتب له من الشقاوة، فكذلك قطع القول به في واحد من المولودين غير ممكن، لعدم علمنا بما يؤول إليه حال متبوعه، وبما جرى له به القلم في الأزل من السعادة أو الشقاوة، وكان إنكار النبي ﷺ القطع به في حديث عائشة - ﵂ وعن أبيها - لهذا المعنى. فنقول بما ورد به الكتاب والسنة في جملة المؤمنين وذرياتهم، ولا نقطع القول به في آحادهم لما ذكرنا، وفي هذا جمع بين جميع ما ورد في هذا الباب، والله أعلم، انظر: الاعتقاد ص ٢٧٦. ب- وقال ابن تيمية - ﵀ -: أنه لا يشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في الجنة، وإن شهد لهم مطلقًا، ولو شهد لهم مطلقًا. فالطفل الذي ولد بين المسلمين قد يكون منافقًا بين المؤمنين، والله أعلم، انظر الفتاوى (٤/ ٢٨١). جـ - قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين، وإن أطلق على أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلا من شهد له النبي ﷺ. فهذا وجه الحديث الذي يشكل على كثير من الناس، ورده الإمام أحمد وفال: «لا يصح»، انظر طريق الهجرتين ص ٣٣٥. وقال - أيضًا -: «وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة»، انظر شفاء العليل (١/ ٦٦). قلت: وفى الجملة هذا قول عامة أهل العلم، ومن هنا يتبين لنا أن الحديث ليس ساقطًا ضعيفًا، وإنما فقط وقع الخلاف في هذه اللفظة، ألا وهي «أو غير ذلك »، والصواب: «أو لا تدرين»، أمّا الرواية الأخرى [أو غير ذلك] فقد ذهب الأكثرون إلى تصحيحها. وقال الدكتور سليمان الدبيخي: والحاصل أن الحديث إن ثبت ضعفه فلا إشكال، وإن قبل بصحته فتوجيهه بما تقدم، انظر: أحاديث العقيدة ص ٦٧٥.
[ ٥٨٩ ]
وهذا يبين أن السعادة قد سبقت لأهلها، [والشقاء] (^١) قد سبق لأهله.
١٢ - وقال النبي -ﷺ-: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (^٢).
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من ب، و، وفي باقي النسخ والشقاوة. وما أثبته أصوب لكي يستقيم مع ما بعده.
(٢) متفق عليه، وقد سبق تخريجه انظر ص ().
[ ٥٩٠ ]
١٣ - دليل آخر: وقد قال الله ﷿: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (^١) وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (^٢)، فأخبر أنه يضل ويهدي. وقال الله (^٣): ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٤) فأخبر أنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٥). وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله وقدره وأحدثه وأنشأه واخترعه، وقد بين ذلك بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^٦). فلو كانت عبادتهم للأصنام من أعمالهم كان ذلك مخلوقًا لله، وقد قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٧) يريد أنه يجازيهم على أعمالهم فكذلك إذا ذكر عبادتهم للأصنام وكفرهم بالرحمن. ولو كان مما قدروه وفعلوه لأنفسهم لكانوا قد فعلوا وقدروا ما خرج عن تقدير ربهم وفعله، وكيف يجوز أن يكون لهم من التقدير والفعل والقدرة ما ليس لربهم؟ فمن زعم ذلك فقد عَجَّز الله ﷿، وتعالى عن قول المعجِّزين له علوًا
_________________
(١) سورة الكهف، آية: [١٧].
(٢) سورة البقرة، آية: [٢٦].
(٣) ساقط من. ب. و.
(٤) سورة إبراهيم، آية: [٢٧].
(٥) سورة البروج، آية: [١٦].
(٦) سورة الصافات، آية: [٩٥ - ٩٦].
(٧) سورة الأحقاف، آية: [١٤].
[ ٥٩١ ]
كبيرًا. ألا ترى [أن] (^١) من زعم أن العباد يعلمون ما لا يعلمه الله ﷿، لكان قد أعطاهم من العلم ما لم يدخل في علم الله وجعلهم [لله] (^٢) نظراء، فكذلك من زعم أن العباد يفعلون، ويقدرون على ما لم يقدر عليه، فقد جعل لهم من السلطان والقدرة والتمكن ما لم يجعله للرحمن، تعالى الله عن قول أهل الزور والبهتان والإفك والطغيان علوًا كبيرًا.
١٤ - جواب: ويقال لهم: هل فعل الكافرِ الكفر فاسد باطل متناقض؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: وكيف يفعل (^٣) فاسدًا متناقضًا قبيحًا وهو يعتقده حسنًا صحيحًا أفضل الأديان؟ وإذا لم يجز ذلك، لأن الفعل لا يكون إلا فعلًا على حقيقته لا ممن هو عليه (^٤) ما هو عليه من حقيقته، كما لا يجوز أن يكون فعلًا ممن لم يعمله (^٥) فعلًا، فقد وجب أن الله ﷿ هو الذي قدر الكفر وخلقه كفرًا فاسدًا باطلًا متناقضًا، خلافًا للحق والسداد.
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) في ب. و: يفعله.
(٤) وفي ب. و. إلا ممن علمه.
(٥) في ب. و. يعلمه.
[ ٥٩٢ ]