١٩ - وليس يخلو قوله ﷿: [﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ] (^١)﴾] أن يكون معنى ذلك:
أ - إثبات يدين نعمتين.
ب- أو يكون معناه (^٢) [ذلك إثبات] (^٣) يدين جارحتين.
ج - أو يكون معنى ذلك إثبات يدين قدرتين،
د- أو يكون معناه إثبات يدين [ليسا] (^٤) نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين ولا يوصفان إلا كما وصف الله ﷿. فلا يجوز أن يكون معنى ذلك:
أ - نعمتين، لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت (^٥) بيديَّ وهو يعني نعمتيَّ.
ب- ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن [نعني] (^٦) جارحتين.
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و. هـ.
(٢) وفي ب. و. معنى.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب، هـ
(٥) في جـ، هـ حملت.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب.
[ ٤٥٥ ]
ج - ولا يجوز عند خصوما أن نعني قدرتين.
د - وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع، وهو [أن] (^١) معنى قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ إثبات يدين ليسا (^٢) جارحتين ولا قدرتين ولا نعمتين، ولا يوصفان إلا بأن يقال: إنهما يدان ليسا (^٣) كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت.
٢٠ - [سؤال] (^٤): وأيضًا فلو كان معنى قوله ﷿: ﴿بِيَدَيَّ﴾ نعمتي لكان لا فضيلة (^٥) لآدم ﵊ على إبليس في ذلك على مذهب مخالفينا؛ لأن الله ﷿ قد ابتدأ إبليس على قولهم كما ابتدأ بذلك آدم ﵊، وليس تخلو (^٦) النعمتان (^٧) أن يكونا هما
أ -[بدن] (^٨) آدم ﵇
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النُسخ.
(٢) وفي ب ليستا.
(٣) وفي. ب. ليستا.
(٤) في. و. مسألة.
(٥) في. جـ. الأفضلية.
(٦) في. و. يخلو.
(٧) في. ب. النعمات.
(٨) ما بين القوسين التصحيح من ب. و. وفي باقي النسخ «يدان» وما أثبته أصح لاستقامته مع ما بعدها.
[ ٤٥٦ ]
ب- أو يكونا [عرضين] (^١) خُلقا في بدن آدم ﵇.
أ - فلو كان [عين] (^٢): بدن آدم ﵇ فالأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنسًا واحدًا فقد حصل في جسد إبليس على مذهبهم (^٣) من النعمة ما حصل في جسد آدم ﵇.
ب- وكذلك إن [عني] (^٤) عرضين [فليس] (^٥) من عرض فعله في بدن آدم ﵇ من لون أو حياة أو قوة وغير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس. وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك، والله -﷿- إنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم ﵇ في ذلك الفضيلة. فدل ما قلناه على أن الله ﷿ [لما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٦) لم يعن نعمتي] (^٧).
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة (أ) (غرضين) وهذا تصحيف.
(٢) ما بين القوسين التصحيح من جـ. هـ. وفي النسخة المعتمدة (أ) (غير) وهو خطأ بين وفي. ب. و. عنى. وما أثبته أصح.
(٣) وفي. ب. و. مذاهبهم.
(٤) ما بين القوسين تصحيح من. ب. و. وفي باقي النسخ: عليه وهذا تصحيف.
(٥) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٦) سورة ص، آية: [٤٧].
(٧) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
[ ٤٥٧ ]
٢١ - [مسألة: ويقال لهم: (^١) لم أنكرتم أن يكون الله ﷿] (^٢) عنى بقوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ يدين ليسا نعمتين؟
فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. قيل لهم: ولم [قلتم] (^٣): إنّ اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟، فإن رجعونا إلى شاهدنا وإلى ما نجده فيما بيننا في الخلق، فقالوا: (اليد إذ لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة) (^٤). قيل لهم:
أ - إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله ﷿، فكذلك لم نجد حيًا في الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا فاقضوا بذلك على الله ﷿، وإلا بتم (^٥) بقولكم ما وليس (^٦) لاعتلالكم ناقضين.
ب - وإن أثبتم حيًا لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن يكون يدا الله اللتان أخبر الله ﷿ عنهما يدين ليسا نعمتي (^٧)، ولا جارحتين، ولا
_________________
(١) ساقط من و.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٣) في. ب. و. قضيتم.
(٤) ما بين القوسين ساقط من و.
(٥) في. و. كنتم. وفي. ب. ليتم. وفي. ج. هـ. الا يتم.
(٦) في ب. و. لقولكم تاركين وفي. هـ. ج. زيادة لفظة: ولا. قلت: وقوله: ما وليس وهما أداتا نفي أراد بهما نقض ما ساقوه من علل لتأويل صفة اليدين لله جل وعلا.
(٧) في. ونعمتيهم.
[ ٤٥٨ ]
كالأيدي؟
ج - وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبرًا حكيمًا إلا إنسانًا، ثم أثبتم أن للدنيا مدبرًا حكيمًا ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم، فلا تمنعوا من [إثبات] (^١) يدين ليسا نعمتين [ولا جارحتين] (^٢) ولا حد جنس (^٣) (^٤) من أجل أن ذلك خلاف الشاهد.
٢٢ - سؤال: فإن قالوا: إذا أثبتم لله [﷿] (^٥) يدين لقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٦) فلم لا أثبتم له أيدي، لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (^٧).
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) ساقط من. ب. و.
(٤) وقوله: ولا حد جنس. يعني لا مثيل لها، ولا نوع لها، فلا تدخل في جنس، ولا في نوع، فلا يوجد أفرادًا من جنسها ولا نوع لها فلا مثيل لها ولا شبيه لها على الإطلاق.
(٥) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٦) سورة ص، جزء من آية: [٧٥].
(٧) سورة يس، جزء من آية: [٧١]، قلت: إنَّ الله - تعالى - لما جمع ضمير الفاعل للتعظيم وهو "نا" من "أيدينا" حسن بلاغة أن يجمع اليد "فيقول" أيدينا" بدل أن يقول" يدنا" ليناسب الجمع في المضاف الجمع في المضاف إليه. والله - تعالى- أعلم. وقد رد على شبهة (أيدينا) شيخ الإسلام - ﵀ - وبين الفرق بين الآيتين بما نصه: (ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: ٧٥)، فقيل هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (يس: ٧١)، فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف فعل الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهًا بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: ٣٠)، وهنا أضاف الفعل إليه فقال: ﴿لما خلقت﴾ ثم قال ﴿بيدي﴾. وأيضًا: فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة: ٦٤)، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (القمر: ١٤)، وهذا في (الجمع) نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك: ١)، و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (آل عمران: ٢٦). في المفرد فالله ﷾ يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح: ١)، وأمثال ذلك. ولايذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك، فلو قال: ﴿مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ لما كان قوله: ﴿مما عملت أيدينا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بيده الملك﴾، ﴿بيدك الخير﴾ ولو قال ﴿خلقت﴾ بصيغة الإفراد لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال خلقت بيدي؟ بصيغة التثنية، هذا مع دلالات الأحاديث المستفيضة بل الموتواترة وإجماع السلف على مثل مادل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه،. انظر العقيدة الحموية (ص ٤٩ - ٥٠).
[ ٤٥٩ ]
قيل لهم: قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيديًا، فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك، وجب أن يكون الله ﷿ ذكر أيديًا، ورجع إلى إثبات يدين، لأن الدليل قد دل على صحة الإجماع،
[ ٤٦٠ ]
وإذا كان الإجماع (^١) صحيحًا وجب أن يرجع من قوله الأيدي إلى يدين؛ لأن القرآن على ظاهره، ولانزيله عن ظاهره إلا بحجة، فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر [آخر] (^٢)، ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزال (^٣) عنها إلا بحجة.
٢٣ - سؤال: فإن قال قائل: إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يدًا واحدًا (^٤). قيل له:
أ - ذكر الله ﷿ أيدي وأراد يدين، لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال: أيدٍ كثيرة، وقول من قال: [يدًا واحدة] (^٥).
ب- فقلنا: يدان؛ لأن القرآن على ظاهره، إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر.
٢٤ - سؤال: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله: ﴿مِمَّا
_________________
(١) ساقط من و. وفي ب صحة للإجماع.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٣) في ب يزول
(٤) وفي. ب. و. هـ. واحدةً. وأثبت واحدًا لوجوده في النسخة المعتمدة «أ» ولجوز الوجهين لغةً.
(٥) ما بين القوسين الصتحيح من ب. وفي النسخة المعتمدة «أ» وفي. و. هـ. وقول من قال هذه واحدة. والصواب ما أثبته من ب.
[ ٤٦١ ]
عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (^١) وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢) على المجاز (^٣).
_________________
(١) سورة يس، جزء من آية: [٧١].
(٢) سورة ص، جزء من آية: [٧٥].
(٣) المجاز: في اللغة: من الجواز، وهو العبور والانتقال والتعدي، يقال: جزت الموضع أجوزه جوازًا سلكته وسرت فيه، وأجزته خلفته وقطعته. انظر الصحاح ٤/ ١٤١٦، والطراز ١/ ٤٦، وشرح عقود الجمان ٢/ ٣٩. والمجاز في الاصطلاح: ما أفيد به معنى مصطلح عليه، غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها، لعلاقة بينه وبين الأول. فلا بد لاستعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي من وجود القرينة الدالة على إرادة المعنى المجازي، ولابد أيضًا للمجاز من علاقة = = تربط بين المعنى المجازي والحقيقي ليتحقق الاستعمال على وجه يصح. انظر أسرار البلاغة للجرجاني ص ٣٠٤، الطراز ١/ ٦٤، المثل السائر ١/ ١٣١، وعقود الجمان ٢/ ٤٢، ٤٠، وانظر مختصر المعاني للتفتازاني ص ١٤٦. ولم يعرف عن العرب تقسيمهم الكلام إلى حقيقة ومجاز قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث، ونحوهم من السلف، وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز، وكذلك محمد بن الحسن في المسائل المبنية على العربية كلام معروف=
[ ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في الجامع الكبير، وغيره؛ لم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل؛ فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله (إنا، نحن) ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنعطيك. إنا سنفعل؛ فذكر إن هذا مجاز اللغة، والذين انكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا التقسيم. قالوا: إن معنى قول أحمد: من مجاز اللغة. أي: مما يجوز في اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان: نحن فعلنا كذا ونفعل كذا، ونحو ذلك قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له. انظر مجموع الفتاوى ٧/ ٨٨ - ٨٩، ٥/ ١٩٧ - ١٩٨ و٢١٢، ٢٠/ ٢١٧، وانظر مختصر الصواعق ٢/ ٥ - ٣٦. وكان اللجوء للقول بالمجاز أثر كبير في تحريف كثير من الأدلة الشرعية خاصةً في باب الأسماء والصفات قال الشيخ محمد الشنقيطي - ﵀ -: وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ، بدعوى أنها مجاز، كقولهم في استوى: استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز. انظر مذكرة في أصول الفقه ص ٥٨، وضوء الساري ص ١٠٦، وفلسفة المجاز ص ٤٦ ظاهرة التأويل ص ١٦٨، وتنزيه القرآن عن المطاعن ص ١٦، ومتشابه القرآن ص ٢٣٠ - ٢٣٢، ٦٦٣. وقد انقسم العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: إنكار المجاز في القرآن وإثباته في اللغة واستدلوا هؤلاء بما يلي: أ- أن المجاز كذب؛ لأنه يتناول الشيء على غير حقيقته، وكلام الله جل وعلا كله حق، وكل حق فله حقيقة، وكل ما كان حقيقة فإنه لا يكون مجازًا. ب- أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي نسبة الحاجة، أو الضرورة، أو العجز =
[ ٤٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلى الله تعالى، وهذا محال على الله تعالى. جـ - أن الله تعالى لو خاطب بالمجاز لكان يجوز وصفه بأنه متجوز، ومستعير، وهو خلاف الإجماع. د- أن المجاز لا يفهم معناه بلفظه دون قرينه، بل وربما تكون خفية، مما يؤدي إلى وقوع الالتباس في فهم القرآن وهذا يخالف حكمة الخطاب. … = = القسم الثاني: نفي المجاز في اللغة والقرآن وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني وابن القيم ورجحه الإمام الشنقيطي وغيره واستدل هؤلاء بما يلي: أ - أن هذا التقسيم حادث وليس معروفًا عن السلف. ب- أن العرب لم تستعمل ألفاظًا مطلقة، بل مقيدةً بقيود، وقرائن، وعليه فكل لفظ مع قيده - قرينته - يكون حقيقة في دلالته على معناه في هذا السياق. جـ- المجاز يخل بالفهم إذا لم تقترن به قرينة، وأما إذا قارنت به قرينة فإن هذا تطويل بلا فائدة، وعدولًا عن الحقيقة القريبة المختصرة من غير حاجة ملجأه. د- هذا تقسيم ليس منشؤه العقل؛ لأنه لا مدخل له في دلالة اللفظ ولا اللغة؛ لأنه لم يصرح أحد منهم بأن العرب قد قسمت لغتها إلى حقيقة ومجاز، ولا الشرع، لعدم ورود أدلة تدل على إثباته. القسم الثالث: هناك من أثبته في اللغة والقرآن وهو قول جمهور العلماء واستدل هؤلاء بما يلي: أ- أنه قد ثبت عند العرب إطلاق اسم الأسد على الإنسان الشجاع ويطلق على الإنسان البليد الحمار، بل ويقولون: فلان على جناح السفر فالأسد والحمار والجناح لم تستعمل على حقيقتها؛ لأن الأسد حيوان من السباع والحمار من البهائم والجناح في الطائر؛ ولذا نجد أن الذهن ينصرف عند إطلاق هذه الألفاظ إلى حقائقها المخالفة لاستعمالها وهذا يدل على اختلاف معنى اللفظ باختلاف
[ ٤٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سياق الكلام وقرائنه. ويرد على هذا القول: بأن إطلاق لفظ الحمار والأسد على البليد والشجاع هو إطلاق على حقيقته في هذا الاستعمال، فلا يصح القول بأن هذه الألفاظ قد استعملت في غير معناها الحقيقي، فلو قلنا مثلًا: رأيت أسدًا يرمي الأعداء فإن الذهن لا ينصرف إطلاقًا إلى ذلك الحيوان المفترس من السباع بل ينصرف إلى الشجاعة ويفهم منه على الإطلاق أنه رجل، كذلك بالإنسان البليد فلا يفهم أنه الحمار، بل يفهم الغباء فيكون في هذه الحالة قد أطلق على حقيقته؛ لأنها هي التي تتبادر إلى الذهن عند الإطلاق. ب- إن الله قال في القرآن: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الإسراء آية (٢٤) فإضافة الجناح للذل مجاز؛ لأن الجناح ما له ريش وهو حقيقة في الطائر. ولكن يرد على هذا القول بما يلي: ١. أن القول بأن الجناح حقيقة في الطائر يقتضي بأن أجنحة الملائكة ليست حقيقية، وهذا خطأ بين لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فاطر آ ية (١)، بل يقتضي هذا القول أن كل ما أطلق على الملك وعلى البشر يكون في البشر حقيقة كالسمع والبصر والكلام وفي حق الملك مجاز وهذا قمة في الجهل والعبث في النصوص. ٢. بأن الجناح هنا مستعمل على حقيقته؛ لأنه يطلق على يد الإنسان وعضده لقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ القصص آية (٣٢) والخفض قد استعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع؛ لأن المقصود هنا إظهار الذل والتواضع بخفض الجناحين للوالدين لأن مريد البطش يرفع جناحيه. ٣. الذل ليس له جناح كجناح الطائر والطائر ليس له جناح كأجنحة الملائكة ولا =
[ ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جناح الذل مثل جناح السفر، والجناح في الجميع حقيقة؛ لأنه لم يستعمل إلا بما يضاف إليه فيكون حقيقةً فيما يضاف إليه. = جـ - واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ سورة يوسف آية (٨٢)، وقالوا المقصود اسأل أهل القرية. قلت: ولكن يرد على هذا القول بما يلي: ١. لماذا لا يكون المقصود على حقيقته بأن يوجه السؤال إلى المساكن؛ لأن يعقوب ﵇ نبي فلو سأل القرية لأجابته بقدرة الله. ٢. أن القرية اسم للقوم المجتمعين في مكان واحد، فهو اسم للحال والمحال، فيتناول المساكن وسكانها، كاسم الإنسان فإنه يعود للروح والجسد فلفظ القرية إذا اطلق تناول الساكن والمسكن، وإذا قيد بتركيب معين واستعمال خاص كان حقيقةً فيما قيد به ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ سورة النحل آية (١١٢) فهذا حقيقةٌ في الساكن، وقد يراد به المسكن كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ سورة البقرة آية (٢٥٩)، فالذي يتبادر للذهن هو الحقيقية فلا مجاز هنا ولا حذف. د- واستدلوا بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ سورة الكهف آية (٧٧)، فقالوا إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز؛ لأن الجماد لا تصح منه إرادة، لأنها لا تحصل إلا من الحيوان ويرد على هذا بما يلي: ١. ما الذي يمنع من صدور الإرادة من الجدار، بل ثبت أن للجمادات إرادات حقيقية لا نعلمها. الله -جل وعلا- يعلمها لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ سورة الإسراء آية (٤٤)، ولقوله - -ﷺ-: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علىّ قبل أن أُبعث، وإني لأعرفه الآن) أخرجه مسلم ك: الفضائل، ب: فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة حديث رقم (٢٢٧٧)، فما الذي يمنع أن يكون للجدار إرادة حقيقية؟.=
[ ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢. ما الذي يمنع من كون الإرادة تطلق في اللغة على معناها المشهور في الحيوان، وعلى مقاربة الشيء، والميل إليه كقول القائل: يريد الرمح صدر أبي براء … ويعدل عن دماء بني عقيل فقوله: يريد الرمح صدر أبي براء: أي: يميل إليه. فالإرادة كما تستعمل في الحيوان تستعمل في الجماد، وهي في كليهما حقيقة؛ لأنها لا تستعمل إلا بما يبين المراد بها. قلت: والحقيقة أن المجاز منكر في اللغة والقرآن؛ لأن شهرة واستفاضة استعمال اللفظ في معنى، لا يقتضي ولا يلزم أن يكون اللفظ مجازًا في المعنى الآخر، فإطلاق لفظ الأسد مثلًا على الرجل الشجاع هو حقيقةٌ في هذا الاستعمال ومثل أخر اليد تطلق حقيقيةً على يد الإنسان، وتطلق حقيقةً على يد الحيوان وتطلق حقيقيةً على يد الجماد فمتى أطلقت مقيدة فإنها تنصرف إلى ماقيدت به. وللاستفادة في هذه المسألة انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٤٥ - ٤٧، والمعتمد ١/ ٢٩ - ٣٠، وإرشاد الفحول ص ٢٢ - ٢٥، والمجاز في اللغة والقرآن ١/ ٦٠٢ و٢/ ١٠٩٤، ١١٢٤ - ١١٢٥ والخصائص لابن جني ٣/ ٢٤٧ ومجموع الفتاوى ٦/ ٣٦٠ و٧/ ٨٩ - ٩٠ و١٢/ ٢٧٧ و٢٠/ ٤٨١، والبرهان للزركشي ٢/ ٢٢٥ والفواتح الرحموت ١/ ٢١١ - ٢١٢، وتيسير التحرير ٢/ ٢١ - ٢٢، والعمدة للقاضي أبي يعلي ٢/ ٦٩٥ - ٧٠٠، والطراز ١/ ٨٣، وتأويل مشكل القرآن ص ١٣٣، ومختصر الصواعق ٢/ ١٩ - ٢٢ والتبصرة للشيرازي ص ١٧٩، والأحكام لابن حزم ٤/ ٢٩ - ٣٠، ومجاز القرآن لأبي عبيد القاسم ١ - ٢٥٥ و٤١٠، والمختصر لابن اللاحم ص ٤٣، والبلاغة فنونها وأفنانها ٢/ ١٣٦ و١٤٨، وموقف المتكلمين ١/ ٤٢١ - ٤٧٧.
[ ٤٦٧ ]
قيل له:
أ - حُكْم كَلَامِ الله ﷿ أن يكون على ظاهره (وحقيقته، ولا يخرج الشيء) (^١) عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة. ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص، فليس هو على حقيقة الظاهر.
ب- وليس يجوز أن يعدل بما هو ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قول الله ﷿: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على ظاهره وحقيقته في إثبات اليدين (^٢)، ولا يجوز [أن يعدل] (^٣) به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة.
ج - ولو جاز ذلك لما جاز (^٤) لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم، فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، (وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان، لم يجز لكم ما أدعيتم (^٥) أنه مجاز بغير حجة) (^٦).
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من و.
(٢) والأصح لو قال: الحقيقة هي إثبات اليدين لكانت أوضح.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٤) وفي ب لجاز.
(٥) ب. هـ. و: ادعيتموه.
(٦) ما بين القوسين ساقط من و.
[ ٤٦٨ ]
د - بل واجب أن يكون قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إثبات يَدَيْنِ لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين، إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين (^١).
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ - معقبًا وهذا القول الذي ذكره الأشعري في الإبانة ونصه ذكره-أيضًا- في كتاب المقالات الكبير الذي فيه مقالات الإسلاميين ومقالات الطوائف غير الإسلاميين، وكتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين أنه قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة. ثم قال: وهذا الذي ذكره أبو الحسن في كتاب الإبانة هو الذي يذكره من ينقل مذهبه جملة، ويرد بذلك على الطاعينين فيه، انظر بيان التلبيس ٣/ ٥٥٥ و٣٧٧.
[ ٤٦٩ ]