بسم الله الرحمن الرحيم
[وبه نستعين] (^١) [وهو حسبي ونعم الوكيل] (^٢) قال [السيد] (^٣) الشيخ (^٤) الإمام أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل بن أبي [بشر] (^٥) الأشعري البصري ﵀: الحمد لله الواحد الأحد الواجد (^٦) العزيز الماجد (^٧)، المتفرد بالتوحيد، والمتَمَجِّد بالتمجيد، الذي
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من ب، و، د
(٢) ما بين القوسين زيادة من د
(٣) ما بين القوسين زيادة من جميع النسخ.
(٤) ساقطة من ب، د، و.
(٥) ما بين القوسين التصحيح من مصادر الترجمة وباقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» أبشر.
(٦) ساقط من ب، د، و، هـ وفي جـ الواحد.
(٧) «الماجد» في إثبات هذا الاسم لله ﷿ نظرٌ، حيث لم اقف على حديث صحيح يدلُ على إثباته لله ﷿، واسماء الله كما هو معلوم من منهج أهل السنة والجماعة توقيفية فلا يثبت الاسم لله إلا بنص؛ لأنها من الأمور الغيبية التي لامجال فيها لا للعقل ولا للاجتهاد، قال الخطابي: إن الأسماء والصفات لايتجاوز فيها التوقيف، انظر شأن الدعاء (ص ١١). وقال ابن قدامة: بأن مذهب السلف الإيمان بأسماء الله التي وصف فيها نفسه في آياته أو على لسان رسوله، من غير زيادة عليها ولا نقص منها، انظر ذم التأويل (ص ١١)، واختراع أسماء لله ماسمى بها نفسه قول على الله بغير علم، =
[ ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فكل اسم لم يرد به الكتاب أو السنة الصحيحة، فإنه لا يكون من اسماء الله الحسنى، حتى لو صح معناه في اللغة أو العقل أو الشرع، قال شيخ الإسلام ﵀: ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها، وبين مايخبر به عنه للحاجة، فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى كما قال: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [سورة الأعراف (آية ١٨٠)]. وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات، بل هو سبحانه قديم موجود، وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل ليس بشيء، فقيل بل هو شيء فهذا سائغ، وإن كان لايدعى بمثل هذه الأسماء. انظر مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠١). وقال أيضًا: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه: فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء، وإن لم بحكم بحسنه. مثل اسم شيء، وذات، انظر مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢) والدرء (١/ ٢٩٧). وقال ابن القيم ﵀: إن ما يطلق في باب الأسماء والصفات توقيفي، ومايطلق - عليه تعالى - من الأخبار لا يكون توقيفيًا كالقديم. انظر بدائع الفوائد (١/ ١٦٢). ومن هنا يتبين أن باب الخبر أوسع من الاسم، والماجد إن كان من باب الخبر فالأمر فيه يسير، وأما إن كان من باب التسمية والدعاء كما هو المشهور والمعروف عند الناس فلم يرد فيه دليل صحيح، يعتمد عليه، وأما ما ورد من أحاديث في اسم الماجد فلا تقوم بها حجة، وهي: (أ) ما أخرجه الترمذي ك: الدعوات (٣٥٠٧)، وابن حبان ك: الرقائق؛ ب: ذكر =
[ ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تفصيل الأسامي التي يدخل محصيها الجنة (٨٠٨)، والحاكم (١/ ٦٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٢٧) والأسماء والصفات (١/ ٢٢ - ٢٣) حديث رقم (٦) جميعًا من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم … الواجد الماجد» إلى نهاية الحديث. قال الترمذي (٣٥٠٧): «هذا حديث غريب»، ثم قال: «وليس له إسناد صحيح» وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: حفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، وفيه حديث ثان أضعف من هذا رواه ابن ماجه. انظر مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢) وقال مبينًا ضعف الحديث: وقد روي الحديث باختلاف في الأسماء، وفي ترتيبها: يتبين أنه ليس من كلام النبي ﷺ، انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٩٦) وصحح الحديث الحاكم كما في المستدرك والإمام القرطبي كما في الجامع لأحكام القرآن تفسير الأعراف آية (١٨٠) (٩/ ٣٩١) كما حسنه النووي كما في الأذكار ص ١٥١ ويظهر من كلام الشوكاني تصحيح الحديث حيث قال: فالقول بأن بعض أهل العلم جمعها من القرآن غير سديد، ومجرد بلوغ واحد أنه رفع ذلك لا ينتهض لمعارضة الرواية، ولا تدفع الأحاديث بمثله، انظر تحفة الذاكرين ص ٧٢. (ب) وما أخرجه ابن ماجه في ك: الدعاء، ب: أسماء الله ﷿ (٣٨٦١) من طريق موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٣٣) حديث رقم (١٠) من طريق عبد العزيز بن =
[ ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحصين بن الترجمان عن أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا. وقال البوصيري -في كلامه على طريق ابن ماجه-: «لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من حديث أبي هريرة، ولا من غيره، غير ابن ماجه والترمذي، لكن طريق الترمذي بغير هذا السياق وبزيادة ونقص وتقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في هذا الباب». ثم قال: «وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف؛ لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني». «مصباح الزجاجة» (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: رواه ابن ماجة وإسناده ضعيف، يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي ﷺ، انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٩٧). وقال الحافظ ابن كثير: «والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه». «تفسير القرآن العظيم» عند تفسيره لسورة «الأعراف»، آية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية رقم (١٨٠). وقال الحافظ ابن حجر: «واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم؛ لأن كثيرًا من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه= = ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء وبين - ﵀ - بأن علة عدم إخراج البخاري ومسلم للروايات التي فيها سرد الأسماء ليس مقصودًا على تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف، والاضطراب، والتدليس، واحتمال الإدراج» «الفتح» (١١/ ٢١٥). وقال البيهقي عند كلامه على رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة: «تفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، وهو ضعيف =
[ ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحديث عند أهل النقل، ضعفه يحيى بن معين ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح» «الأسماء والصفات» ص (١/ ٣٣) كما نص على ضعف الرواية الألباني، انظر ضعيف سنن ابن ماجة ص ٣١٤ حديث رقم (٧٧٦). (جـ) ومن هذه الأحاديث أيضا: ما أخرجه أحمد (٣٥/ ٢٩٦، ٢٩٧) حديث رقم (٢١٣٦٩) موقوف على أبي ذر، وأخرجه الترمذي، ك: صفة القيامة والرقائق (٢٤٩٥)، وابن ماجه ك: الزهد، ب: ذكر الموت (٤٢٥٧)، وهناد في «الزهد» (٩٠٥)، وتمام في «فوائده» ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٩٢٧) من حديث أبي ذر مرفوعًا في حديث قدسي: «… ذلك بأني جوَّادٌ واجدٌ ماجدٌ، عطائي ..» الحديث وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٢٤٩٥) وانظر الخبر في «السلسلة الضعيفة» (٥٣٧٥) كما ضعفه شعيب الأرنوؤط انظر الموسوعة (٣٥/ ٢٩٧). وإسناده يدور على شهر بن حوشب وفيه ضعف مشهور؛ انظر: «الضعفاء والمتروكين» للنسائي (ص ٥٦)، و«الضعفاء» للعقيلي (٢/ ١٩١). وفي أحد طرقه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف - أيضًا -، انظر: «الكاشف» (٢/ ١٥١) والصحيح أن جميع هذه الأحاديث ضعيفة كما سبق أن مر معنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وقال ابن حزم - ﵀ - وجاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، مضطربة، لا يصح منها شيء أصلًا انظر المحلى (٦/ ٢٨٢)، وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك تفسيره ﷺ ويحتمل أن يكون ذلك من غيره وهو الظاهر عندي، انظر عارضة الأحوذي (٧/ ٣٣)، وقال الداودي كما نقل عنه ابن حجر لم يثبت أن النبي ﷺ عين الأسماء المذكورة انظر الفتح (١١/ ٢١٧)، وقال ابن القيم: والصحيح أنه ليس من كلام النبي ﷺ، انظر مدارج السالكين (٣/ ٤٣٣)، والخلاصة أن اسم انظر الماجد لم يقم عليه دليل صحيح واضح، والذي عوَّل عليه الأئمة أن أسماء الله توقيفية، لا تثبت إلا بدليل من القرآن الكريم أو السنَّة الصحيحة، وقد بحث الدكتور عبدالله الغصن في رسالته الماجستير عن أسماء الله الحسنى اسم الماجد وتوصل إلى عدم صحة التسمية به. انظر أسماء الله الحسنى ص ١٩٩، هذا وأصل الحديث في «الصحيحين» بدون سرد الأسماء، فقد رواه البخاري، ك: الشروط، ب: ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار (٢٧٣٦)، ك: الدعوات، ب: لله مائة اسم غير واحد (٦٤١٠). ومسلم ك: الذكر والدعاء، ب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (٢٦٧٧) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بدون سرد الأسماء.
[ ١٥٩ ]
لا تَبْلُغُه صفاتُ العبيد، وليس له مثيل (^١) ولا نديد، وهو المبدي المعيد، الفعَّالُ لما يريد. جلَّ عن اتخاذ الصواحب والأولاد وتقدس عن [ملابسة الأجناس (^٢)
_________________
(١) في د، و: مثل، وفي ب منافع.
(٢) الأجناس: الضرب من كل شيء، وهو من الناس ومن الطير ومن حدود النحو والعروض والأشياء جملة. والجنس أعم من النوع، منه المجانسة والتجنيس. ويقال: هذا يجانس هذا أي يشاكله، وفلان يجانس البهائم ولا يجانس الناس إذا لم يكن له تمييز ولا عقل. انظر لسان العرب ٦/ ٤٣ مادة (جنس).
[ ١٦٠ ]
والأرجاس (^١) (^٢)، فليست له صورة تقال (^٣)
_________________
(١) والأرجاس جمع رجس معناها: القَذَرُ، وقيل القَذِر، ورجس: نجس، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب، واللعنة والكفر. انظر لسان العرب ٦/ ٩٤ - ٩٥ مادة (رجس) فالأرجاس إذن هي: الأمور المستقذرة حسًا ومعنىً، وأثبت كثير من الفقهاء أن الرجس على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، أومن جهة العقل، أو من جهة الشرع، أو منها جميعًا. فالميتة مثلًا تعاف طبعًا وعقلًا، والخمر والميسر رجس من جهة الشرع والعقل. انظر تفسير المنار ٧/ ٥٧ و١/ ٤٣.
(٢) زيادة من ب، د. وفي باقي النسخ [عن ملامسة النساء].
(٣) ومسألة الصورة من القضايا العقدية المهمة. ومعنى الصُورة لغةً: بالضم: الشكل، والهيئة، والحقيقة، والصفة. انظر تاج العروس ٣/ ٢٤٢. وقال ابن الأثير: الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته. انظر النهاية في غريب الحديث ٣/ ٥٩. وقال الراغب: الصورة ما ينتقش به الأعيان، ويتميز بها عن غيرها. انظر المفردات ص ٢٨٩. وقال ابن تيمية: الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج، ولفظ (ص) (و) (ر) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج، وما يكون من الوقائع يشتمل على أمور كثيرة لها صورة موجودة، وكذلك المسؤول عنه من الحوادث وغيرها له صورة موجودة ترتسم في النفس وقد تسمى صورة ذهنية. انظر بيان تلبيس الجهمية ٦/ ٤٦٠ - ٤٦١. قلت: =
[ ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقول المؤلف بأن الله - جل وعلا - ليست له صورة تقال مسالة تحتاج إلى تفصيل: (أ. إن كان قصده إثبات الصورة لله ونفي الكيفية فهذا أمر حسن متفقُ مع منهج السلف الذين يثبتون الصفة ويتوقفون في الكيفية ولعل هذا هو مقصده إن شاء الله ويدل على هذا أنه نسب القول بأن الله ليس له صورة إلى المعتزلة حيث قال: أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ثم قال: وليس بحسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة .. ثم قال: فهذه جملة قولهم في التوحيد، وقد شاركهم في هذه الجملة الخوارج، وطوائف من المرجئة، وطوائف من الشيعة. انظر: المقالات تحت باب: وهذا شرح قول المعتزلة في التوحيد وغيره ص ١٣٠، وقد نفى الصورة لله ﷿ أحد أعلام المعتزلة، وهو عبدالرحيم الخياط، حيث قال: بأن الرافضة وصفت ربها بصفة الأجساد المحدثة، فزعمت أنه صورة. انظر كتاب الانتصار والرد على ابن الروندي الملحد ص ١٤٠، ومنهجه في المقالات أنه يورد أقوالًا للمخالفين فيها حق وباطل، وعندما يورد أقوال أهل السنة يذكر فيه من أقوال المخالفين ما هو حق، وأما ما يراه باطلًا فلا يورده في أقوال أهل السنة، ومن هنا يتبين أن أي مسألة يوردها للمبتدعة ولا يوردها في جملة أقوال أهل السنة فهو مخالف لها، كمسألة نفي صفة الصورة نسبها للمعتزلة، ولم يوردها في جملة أقوال أهل السن، ومما يؤكد ذلك قوله ليست له صورة توحي بأنه أثبت الصورة ونفى أن تقال فيها كيفية والله أعلم. (ب. إن كان قصده نفي كون الصورة من صفات الرحمن فهذا مخالف لمنهج السلف الصالح وجمهور أهل الحديث الذين يثبتون لله صفة الصورة، =
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويتوقفون في الكيفية، مستندين على عديد من الأدلة منها ما رواه البخاري في صحيحه: (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه.) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ حديث رقم (٨٠٦ - ٦٥٧٣)، ومسلم في ك: الإيمان، ب: معرفة طريق الرواية حديث (١٨٢). (ولحديث حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها …) أخرجه البخاري في ك: التفسير، ب: إن الله لا يظلم مثقال ذرة حديث رقم (٤٥٨١ - ٤٩١٩ - ٧٤٣٩ - ٦٥٧٤ - ٧٤٣٨)، ومسلم في ك: الإيمان ب: معرفة طريقة الرواية حديث رقم (١٨٣). ولحديث "خلق الله آدم على صورته" أخرجه البخاري في ك: الاستئذان، ب: بدء السلام حديث رقم (٣٣٢٦ - ٦٢٢٧)، ومسلم في ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير حديث (٢٨٤١) وقوله ﷺ: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ص ٢١٢ حديث رقم ٥١٧، وابن خزيمة في التوحيد ١/ ٨٥ برقم (٤١)، واللالكائي في أصل الاعتقاد ٣/ ٤٧٠ برقم (٧١٦)، والآجري في الشريعة ٣/ ١١٥٣ برقم (٧٢٥)، عبدالله بن أحمد في السنة ١/ ٢٦٨ برقم (٤٩٨) وقد صحح الحديث جمع من أهل العلم منهم إسحاق بن راهويه حيث أورد ابن حجر في الفتح عنه أنه قال: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. كما نقل الحافظ أيضًا في الفتح أن الإمام أحمد صحح الحديث فقال عنه: حديث صحيح. انظر فتح الباري ٥/ ١٨٣ كما نقل=
[ ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تصحيحهما شيخ الإسلام. انظر بيان التلبيس ٦/ ٤٤٣، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا حيث قال: وأدنى أحوال هذا اللفظ أن يكون بهذه المنزلة - حسن-. انظر بيان التلبيس ٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨. كذلك صححه الحافظ ابن حجر حيث قال عن إسناده: رجاله ثقات. انظر الفتح ٥/ ١٨٣. كذلك صححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك ٢/ ٣٤٩، وانظر تصحيح الذهبي له في السير ٥/ ٥٤٠، وهناك من ضعفه من أهل العلم كالإمام ابن خزيمة وذكر له عللًا، انظر كتاب التوحيد ١/ ٨٧ كذلك الإمام الألباني وقال عنه: إسناده ضعيف ص ٢١٢ برقم ٥١٧، وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٣١٧، وقد رد شيخ الإسلام على علل التضعيف وقال بعدها: قد صححه إسحاق وأحمد بن حنبل، وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس. انظر بيان التلبيس ٦/ ٤٤٣ - ٤٥٤. ومن الأحاديث أيضًا ما رواه مسلم: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" رواه مسلم في ك: البر والصلة، ب: النهي عن ضرب الوجه حديث رقم (٢٦١٢) وعامة أهل العلم يرون أن الضمير يعود إلى الرحمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك. انظر بيان تلبيس الجهمية ٦/ ٣٧٣. وسئل الإمام أحمد فقيل له: يا أبا عبدالله: الحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ: (أن الله خلق آدم على صورته) على صورة آدم؟ فقال: فأين الذي يروي عن النبي ﷺ: (أن الله تعالى خلق آدم على =
[ ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صورة الرحمن ﷿)؟ وأي صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلق؟ انظر إبطال التأويلات ١/ ٨٨ - ٩٠. وبيان التلبيس ٦/ ٤١٦، وأورد القاضي أبو يعلى أن الإمام أحمد قال: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ إبطال التأويلات ١/ ٧٥ وانظر فتح الباري ٥/ ١٨٣. وقال الإمام الآجري بعد أن أورد الحديث بطرقه ورواياته: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق، وترك النظر، كما، قال من تقدم من أئمة المسلمين. انظر الشريعة للآجري ٣/ ١١٥٣، كذلك ابن قتيبة حيث قال: والذي عندي والله تعالى أعلم: أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد. انظر تأويل مختلف الحديث ص ٤١٥. وكذلك قوام السنة الأصبهاني حيث قال: وليس روايتهم حديث النبي ﷺ: "خلق الله آدم على صورته" بموجبه نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ فهو حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول ورسوله ﷺ أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم وحسبا لله ونعم الوكيل. انظر الحجة في بيان المحجة ١/ ٣١٠ - ٣١١. وقال ابن تيمية: ثبوت الوجه والصورة لله قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة المتواترة، واتفق على ذلك سلف الأمة. انظر بيان التلبيس ٦/ ٥٢٦. قلت: وأمَّا صفة الصورة فلم ترد في الكتاب وإنما وردت في السنة الصحيحة =
[ ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المتواترة، وقال أيضًا: لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات، التي قد يسمى المخلوق بها، على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم، والقدير، والرحيم، والسميع، والبصير، ومثل خلقه بيديه، واستوائه على العرش، ونحو ذلك. انظر نقض التأسيس ٢/ ٣٩٦. وقال أيضًا: فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة، حتى يقال: إذا قيل خلق الله آدم على صورته وجب أن يكون على قدره وطوله، بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما، وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها. مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر. وكذلك المصور الذي يصور السموات، والكواكب، والشمس، والقمر، والجبال، والبحار، يصور ذلك مع أن الذي يصوره وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته، وعن قدره. انظر بيان تلبيس الجهمية ٦/ ٥٣٠ - ٥٣١ وقد انتصر لهذا القول جمع من أهل العلم كشيخ الإسلام أبوسماعيل الهروي كما في الأربعين في دلائل التوحيد ص ٦٣، والشيخ عبدالعزيز بن باز كما في فتاوى ومقالات ٦/ ٣٥٣، والشيخ حمود التويجري وألف رسالة في ذلك بعنوان "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن" والشيخ عبدالله الغنيمان: حيث قال بعد بحث مستفيض: وبهذا يتبين أن الصورة كالصفات الأخرى فأي صفة ثبتت لله بالوحي وجب إثباتها والإيمان بها. انظر شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ٥١١ و٥٠٣ - ٥٦٨، وقد أول بعض أهل العلم حديث الصورة بناءًا على فهمهم لبعض رواياته كابن خزيمة وبعض أهل التأويل كابن حبان والبيهقي والقاضي عياض. انظر إكمال المعلم ٨/ ٩٠ وصحيح ابن حبان ١٢/ ٤٢٠ - ٤٢١ والمفهم ٦/ ٥٩٧، والتوحيد لابن خزيمة ١/ ٨٤، وقد رد عليهم العلماء الأثبات ناهيك على أن النصوص لا تسعفهم ومن أجل من رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان التلبيس قرابة ثلاثمائة صفحة ٦/ ٣٥٥ - ٦١٥.
[ ١٦٦ ]
ولا حَدٌّ (^١)
_________________
(١) حد: ومسألة الحد من المسائل العقدية المهمة فالحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر، فهو إذا فصل ما بين كل شيئين. ومنتهى كل شيء حده. انظر تهذيب اللغة ٣/ ٤١٩ مادة حد، وقد عرفه شيخ الإسلام - ﵀ -: بأن الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره كما هو المعروف من لفظ الحد في الموجودات، فيقال حد الإنسان، وحد كذا، وهي الصفات المميزة له، ويقال حد الدار والبستان، وهي جهاته وجوانبه المميزة له. انظر بيان التلبيس ٣/ ٤٢، ولأهل السنة والجماعة في هذه المسألة تفصيل: (أولًا- استعماله في حال النفي فكانوا لا يقولون بالحد، وذلك عند نفيهم الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا قال ابن تيمية وقوله - أي الإمام أحمد-: بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد. نفى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه. وقال أيضًا: والله ﵎ يرى =
[ ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا بما وصف به نفسه. انظرالدرء ٢/ ٣٠ - ٣٣. وقال ابن القيم ونفى أحمد الحد حدًا يدركه العباد ويحدونه. انظر مختصر الصواعق ٢/ ٢١٣. وقد وردت آثار عن السلف في مسألة نفي الحد منها: (أ - ما نقل عن أبونصر السجزي حيث قال: وليس في قولنا: إن الله سبحانه فوق العرش تحديد وإنما التحديد يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه فوق ذلك بحيث لا مكان ولاحد. - وقال أيضًا -: وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانة بكل مكان، وقد علم أن الأمكنة محدودة، فإذا كان فيها بزعمهم كان محدودًا، وعندنا أنه مباين للأمكنة، ومن حلها ومن فوق كل محدث. فلا تحديد في قولنا، وهو ظاهر لا خفاء به انظر رسالة السجزي ص ١٣١ - ١٣٢. (ب- وفي روايه عن أحمد: أنه سئل عن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قال: علمه عِلْمٌ بالغيب والشهادة علمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة وسع كرسيه السموات والأرض بعلمه. انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٤٠٢، وابن قدامة في إثبات العلو ص ١١٦ حديث (٥)، وأورده الذهبي في العلو ٢/ ١١١٦ حديث رقم (٤٤١). (جـ - وفي رسالة الأصطخري قال الإمام أحمد: "والله ﷿ على عرشه ليس له حد، والله أعلم بحده". انظر طبقات الحنابلة ١/ ٢٩.
[ ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (د- وأورد شيخ الإسلام أن الإمام أحمد قال: ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد. انظر بيان التلبيس ٦/ ٥١١. ثانيًا: أما في مسألة الإثبات فإن منهج السلف استعمال لفظ الحد في مسألة إثبات علو الله على خلقه وتميزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم، ولجأ أهل السنة إلى ذلك بسبب زعم الجهمية أن الخالق في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه ولا متميزٌ عنهم؛ قال شيخ الإسلام: ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميز عن الخلق، فيجحدون صفاته التي تميز = = بها ويجحدون قدره، حتى يقول المعتزلة: إذا عرفوا أنه حي عالم قدير قد عرفنا حقيقته وما هيته، ويقولون: إنه لا يباين غيره، بل إما يصفوه بصفة المعدوم فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا، أو يجعلوه حالًا في المخلوقات، أو وجود المخلوقات، فبين ابن المبارك أن الرب ﷾ على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد. انظر بيان تلبيس الجهمية ٣/ ٤٣ وانظر كتاب العرش للذهبي ١/ ٢٢٥. وعلى هذا يحمل ما ورد من آثار عن السلف في ذلك ومن تلك الآثار: (أ- ما رواه الخلال بسنده عن محمد بن إبراهيم القيسي: قال: "قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك، وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحد. فقال أحمد: هكذا هو عندنا" انظر إبطال =
[ ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) التأويلات ص ٤٩، في طبقات الحنابلة ١/ ٢٦٧، وأورده ابن تيمية في بيان التلبيس على الجهمية ٢/ ٦١٥.، وسئل أحمد - ﵀ -: مامعنى قول ابن المبارك: بحد؟ قال: لا أعرفه، ولكن لهذا شواهد من القرآن ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ فاطر (١٠) وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الملك (١٦) و﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ المعارج (٤). انظر بيان التلبيس ٢/ ٦١٤. (ب- وقال القاضي أبو يعلى: جاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل، فقال: لله تعالى حد؟ فقال: نعم، لا يعلمه إلا هو، قال الله ﵎: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الزمر (٧٥) يقول محدقين. انظر: إبطال التأويلات ص ٢٩٨ وبيان التلبيس ٢/ ٦٢٠. (جـ- سئل ابن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش، بائن من خلقه. قيل بحد؟ قال: بحد، أخرجه الدارمي في النقض على المريسي ١/ ٢٢٤. (د - وعن ابن المبارك - أنه قال أيضًا-: فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن وادعى أنه لاشيء؛ لأن الله تعالى وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه آية ٥) ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (الملك آية ١٦) ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل آية ٥٠) فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد. أخرجه الدارمي في النقض على المريسي ١/ ٢٢٥ انظر بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧. (هـ - قال أبو سعيد الدارمي: باب الحد والعرش، وادعى المعارض أيضًا أنه =
[ ١٧٠ ]
= ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية. وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحد من العالمين فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك بها أيها الأعجمي، وتعني أن الله لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفه، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة. فالشيء أبدًا موصوف لا محاله ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية. وقولك: لا حد له يعني أنه لا شيء. قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يَعْلَمُهُ أحدٌ غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن يؤمن بالحد ويكل علم ذلك إلى الله. ولمكانه أيضًا حد وهو على عرشه فوق سماواته فهذان حدان اثنان … ثم قال: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغون الحنث قد عرفوه بذلك. انظر النقض على المريسي ١/ ٢٢٣ - ٢٢٨.
والخلاصة: أن الحد من الألفاظ التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة نفيًا ولا إثباتًا، بل هي كلفظ الجهة، والجسم، والحيز ألفاظ حادثة رسائل من أطلقها عن مراده فإن قصد بالحد بأن الله منفصل عن الخلق بائن منهم فهذا حق، وإن أراد بنفي الحد: أن العباد لا يعلمون لله حد، ولا يعرفون كيفية صفاته فهذا حق وقال ابن خزيمة: «جل ان يوصف بالذرعا، والاشبار». انظر التوحيد ١/ ٩٤ قال ابن تيميه «التقدير في حق الله باطل على قول من يثبت له حدًا ومقدارًا، من أهل الإثبات، وعلى قول نفاة ذلك». بيان التلبيس ٦/ ٥٢٧، ولعلى هذا ما قصده الأشعري - ﵀ - بنفي الحد، حيث سلك مسلك السلف بذلك ولمعرفة المزيد في مسألة الحد انظر نقض الإمام الدارمي على المريسي ١/ ٢٢٣، وبيان تلبيس الجهمية ٢/ ٥٢٧ - ٦٢٩، ٣/ ٣ - ٨٤، ٦/ ٥١١ - ٥١٣، والدرء ٢/ ٢٢٥ - ٢٣٥، ومجموع الفتاوى ٣/ ٤١ - ٤٣، ٥/ ٢٩٨ - ٣٠٩، ٦/ ٣٨ - ٤٠، والرد على السجزي ١٣١ - ١٣٣.
[ ١٧١ ]
يضرب به (^١) المثال، لم يزل بصفاته (^٢) أولًا قديرًا، ولا يزال عالمًا خبيرًا. استوى (^٣) في الأشياء عِلْمُهُ، وتفذت فينا إرادتهُ (^٤)، ولم (^٥) تعزب عنه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف صروف الدهور (^٦)، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال (^٧)
_________________
(١) في ب. د. وله
(٢) في ب. وصفاته
(٣) في ب. د. و. استوفى وما أثبته أصح.
(٤) في ب. د. و. ونفذت فيها.
(٥) في ب. د. هـ. و. وذلك.
(٦) أي ما تقدم من الزمان بتغيراته انظر: لسان العرب مادة سلف ومادة صرف ٩/ ١٥٨ - ١٦١ و١٨٩ - ١٩٣.
(٧) كلال: كَلَّ، يَكِلُّ، كَلالًا: أي أعيا وكللت من المشي أكِلُّ كلالًا وكلالة أي أعييت، وكذلك البعير إذا أعيا وأكل الرجل بعيره: أي أعياه. انظر لسان العرب ١١/ ٥٩١ مادة (كلل).
[ ١٧٢ ]
ولا [تعب] (^١)، ولا مسه لغوب (^٢) ولا نصب. خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون (^٣)، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون (^٤)، وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون، وذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فِطَنُ ذوي الألباب، وقامت بحكمته (^٥) السموات السبع، واستقرت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقحُ (^٦)، وسار في جو السماء السحابُ،
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. هـ.
(٢) لغوب. أي الإعياء والنصب والسأم، يقال لغب الرجل يلغب إذا أعيى وفي هذا رد لما قالته اليهود: أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح يوم السبت. انظر تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني ٥/ ٢٤٧ وانظر المحرر الوجيز لعبدالحق الأندلسي ٥/ ١٦٨ عند تفسيرهما للأية ٣٨ من سورة ق
(٣) في ب. و. المنكرون.
(٤) في ب. د. و. المتكلمون.
(٥) في د، وبكلمته.
(٦) اللواقح: قال ابن منظور في لسان العرب واللواقح من الرياح: التي تحمل الندى، ثم تمجه في السحاب، فإذا اجتمع في السحاب صار مطرًا، ومعنى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ أي: حوامل، جعل الرياح لاقحًا؛ لأنها تحمل الماء والسحاب وتقلبُه وتصرفه، ثم تستدره فالرياح لواقح أي: حوامل على هذا المعنى. انظر لسان العرب لإبن منظور مادة "لقح" ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣. وفي معنى قوله ﷿: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال عبدالله بن مسعود: تحمل الريح الماء فتلقح السحاب، وتمر به، فيدر كما تدر اللقحة، ثم يمطر. وقال ابن عباس: تلقح الرياح الشجر، والسحاب. انظر معاني القران لإبي جعفر ٤/ ١٩.
[ ١٧٣ ]
وقامت على حدودها البحار.
- وهو [الله] (^١) الواحد القهار فنحمدُهُ كما حمِدَ نفسه، وكما هو أهله ومستحقه، وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فَوَّض أمرَه إليه، وأَقَرَّ أَنَّه لا ملجأ ولا منجى إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، معترف بخطيئته.
- ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا بوحدانيته وإخلاصًا لربوبيته، وأنه العالم بما يتظمنه (^٢) الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس، وما تُخَبِّئُ البحار، وما تواري الأسرار، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (^٣)، ولا تُوارى عنه كلمة ولا تغيب عنه غائبة ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٤) ويعلم ما يعمل
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. د. و.
(٢) في د. تظنه وباقي النسخ تبطنه.
(٣) سورة الرعد، جزء من آية: [٨].
(٤) سورة الأنعام، جزء من آية: [٥٩].
[ ١٧٤ ]
العاملون، وما ينقلب إليه المنقلبون.
- ونستهديه بالهدى، ونسأله التوفيق لمجانبة الردى. ونشهد أن محمدًا -ﷺ- عبده ورسوله ونبيه وأمينه وصفيه أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحُجَج الظاهرة، والبراهين والآيات الباهرة، والأعاجيب القاهرة. فبلغ رسالة ربه ونصح الأمة (^١)، وجاهد في الله حق جهاده. حتى تمت كلمة الله ﷿، وظَهرَ أَمْرُهُ وانقاد الناس للحق خاضعين حتى أتاه اليقين، لا وانيًا ولا مقصرًا، فصلوات الله عليه من قائد إلى الهدى مُبين، وعلى آل بيته الطيبين، وعلى أصحابه المنتخَبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. عرَّفنا الله به الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وبين لنا شريعةَ الإسلام، حتى انجلت به عنا طَخْيا (^٢) الظلام، وانحسرت به عنا (^٣) الشبهات، وانكشفت به عنا (^٤) الغايات (^٥)، وظهرت لنا به البينات. جاءنا بـ ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا
_________________
(١) في ب، د، هـ، لامته.
(٢) طخياء الظلام: والطخية؛ الظلمة. وليلة طخياء: شديدة الظلمة قد وارى السحاب قمرها، والطخياء: ظلمة الليل، وفي الصحاح الليلة المظلمة. انظر: لسان العرب مادة طخياء ١٥/ ٥.
(٣) في ب، هـ، و، عنا به.
(٤) في ب، هـ، و، عنا به.
(٥) في ب. د. و. الغيابات.
[ ١٧٥ ]
مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (^١) جمع (^٢) فيه علم الأولين والآخرين، وأكمل به الفرايض (^٣) والدين، فهو صراط الله المستقيم وحبله المتين، فمن تمسك به يُنجى (^٤)، ومن تخلف (^٥) ضل وغوى، وفي الجهل تردى. وحثنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله -ﷺ- (^٦) فقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٧) وقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٨). وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (^٩)، [وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ (^١٠) (^١١)، (وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ
_________________
(١) سورة فصلت، الآيتان: [٤٠ - ٤١].
(٢) ساقط من و.
(٣) ساقط من د.
(٤) وفي باقي النُسخ نجا.
(٥) في. و. من خالفه.
(٦) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٧) سورة الحشر، جزء من آية: [٧].
(٨) سورة النور، جزء من آية: [٦٣].
(٩) سورة النساء، جزء من آية: [٨٣].
(١٠) سورة الشورى، جزء من آية: [١٠].
(١١) زيادة من ب. و.
[ ١٧٦ ]
فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١) (^٢) يقول: إلى كتاب الله وسنة نبيه. وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^٣)، وقال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (^٤). وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (^٥). فأمرهم أن يسمعوا قوله، ويطيعوا أمره، ويحذروا مخالفته. وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (^٦). فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه، كما أمرهم بالعمل بكتابه. فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوتهم واستحوذ عليهم الشيطان سُنَنَ نبي الله ﵇ وراء ظهورهم، ومالوا إلى أسلافٍ لهم قلدوهم في دينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن نبي الله ﵇ ودفعوها، وأنكروها وجحدوها، افتراءً منهم على الله، ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (^٧)﴾. أوصيكم عباد الله بتقوى الله عز
_________________
(١) ساقط من ب. و.
(٢) جزء من الآية [٥٩] سورة النساء.
(٣) سورة النجم، الآيتان: [٣ - ٤].
(٤) سورة يونس، جزء من آية: [١٥].
(٥) سورة النور، جزء من آية: [٥١].
(٦) سورة النساء، جزء من آية: [٥٩].
(٧) سورة الأنعام، جزء من آية: [١٤٠].
[ ١٧٧ ]
وجل، وأحذركم الدنيا فإنها حُلوة خضرة (^١)، تضر أهلها، وتخدع سكانها. قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ (^٢). من كان فيها في حَبره (^٣) (^٤) أعقبته وبعدها غبرة (^٥)، ومن أعطته من شرابها بطنًا أعقبته من خرابها ظهرًا، غرارة، غرور ما [فيها] (^٦) فانية، فانٍ ما عليها، كما حكم عليها ربها بقوله إذ يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ (^٧). [فاعملوا] (^٨) رحمكم الله للحياة الدائمة، ولخلود
_________________
(١) لفظ حديث مرفوع للنبي ﷺ فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" أخرجه مسلم كتاب الذكر والدعاء باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء حديث رقم (٢٧٤٢).
(٢) سورة الكهف، آية: [٤٥].
(٣) الحبره: بالفتح النعمة وسعة العيش والحبور السرور أنظر لسان العرب مادة حَبر ٤/ ١٥٨.
(٤) في ب، د، وخيرة.
(٥) في ب، وغيره وفي ج، هـ عِبره.
(٦) زيادة من باقي النسخ.
(٧) سورة الرحمن، آية: [٢٦].
(٨) ما بين القوسين زيادة من ب. ج. د. هـ وفي باقي النسخ فاعلموا وهذا تصحيف واضح.
[ ١٧٨ ]
الأبد، فإن الدنيا تنقضي (^١) عن أهلها، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها. واعلموا أنكم ميتون، ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (^٢) فكونوا بطاعة ربكم عاملين، وعما نهاكم عنه [منتهين] (^٣).
_________________
(١) في ب. د. تقضي.
(٢) سورة النجم، آية: [٣١].
(٣) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ، وهو الصواب لأنه خبر كونوا، وفي النسخة المعتمدة «أ» منتهون.
[ ١٧٩ ]