واعلموا - رحمكم الله - أن قول الجهمية: " إن كلام الله مخلوق "، يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم، لو كان لم يزل غير متكلم؛ لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه لما قالوا له: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) من الآية (٦٢ /٢١) (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) (٦٣ /٢١)، فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة، وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[ ٧١ ]
وإذا لم يجز أن يكون الله ﷾ في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق؛ فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما.
دليل آخر:
وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول: (لمن الملك اليوم) من الآية (١٦ /٤٠) وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا، فيقول: (لله الواحد القهار) من الآية (١٦ /٤٠)، فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء؛ إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر، فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق؛ لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود.
دليل آخر:
وقد قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) (١٦٤ /٤٠)، والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم.
[ ٧٢ ]
دليل آخر:
وقال الله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) سورة الإخلاص ورقمها (١١٢)، فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن؟ هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة، ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة، وكذلك علمه وقدرته. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
دليل آخر:
وقد قال الله تعالى: (تبارك اسم ربك) من الآية (٧٨ /٥٥) ولا يقال لمخلوق " تبارك " فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة، وقال: (ويبقى وجه ربك) من الآية (٢٧ /٥٥)
[ ٧٣ ]
فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا، فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة.
دليل آخر:
وقد قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) من الآية (١٨ /٣) ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة، وسمعها من نفسه؛ لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له، وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات؛ أو بعد كون المخلوقات.
فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات؛ فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق، وكيف يكون ذلك كذلك؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق، ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده، وأن يكون واحدا قبل الخلق؛ لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل.
وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا؛ لأن كلام الله شهادته.
[ ٧٤ ]
دليل آخر:
ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن أسماء الله من القرآن، وقد قال الله سبحانه: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) (١ - ٢ /٨٧) ولا يجوز أن يكون (اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) مخلوقا، كما لا يجوز أن يكون (جد ربنا) من الآية (٣ /٧٢) مخلوقا، قال الله تعالى في سورة الجن: (وإنه تعالى جد ربنا) من الآية (٣ /٧٢)، وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا.
دليل آخر:
وقد قال الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (٥١ /٤٢) فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق؛ لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى؛ لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه - بزعم الجهميّة - مخلوقا في غير الله
[ ٧٥ ]
تعالى، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين.
ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ أن يكون من سمع كلام الله ﷿ من ملك أو من نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله ﷿، وإنما سمعه من شجرة، وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي ﵊ أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى ﷺ؛ لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله، وموسى سمعه مخلوقا في شجرة، ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب؛ لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان، وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب.