فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له:
قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا ﷿، وبسنة نبينا محمد ﷺ، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي
[ ٢٠ ]
أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.
وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله ﷿ إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق.
وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن الممارسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء، إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد.
[ ٢١ ]
وأن له سبحانه وجها بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧) .
وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: (خلقت بيدي) من الآية (٧٥)، وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (٦٤) .
وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (١٤) .
وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا.
وأن لله علما كما قال: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦)، وكما قال: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (١١) .
ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفى ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.
[ ٢٢ ]
ونثبت أن لله قوة، كما قال: (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (١٥) .
ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه سبحانه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن، كما قال: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠) .
وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله ﷿، وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله ﷿.
وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة، كما قال سبحانه: (والله خلقكم وما تعملون) (٩٦)، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وهم يخلقون،
[ ٢٣ ]
كما قال: (هل من خالق غير الله) من الآية (٣)، وكما قال: (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) من الآية (٢٠ /١٦)، وكما قال سبحانه: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) (١٧ /١٦)، وكما قال: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) (٣٥ /٥٢)، وهذا في كتاب الله كثير.
وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين.
وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى
[ ٢٤ ]
يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين، كما علم وخذلهم وطبع على قلوبهم.
وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا،
وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، كما قال ﷿: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (١٨٨ /٧) .
ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه ﷾.
ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ.
ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال
[ ٢٥ ]
سبحانه: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (١٥ /٨٣)، وإن موسى ﷺ سأل الله ﷿ الرؤية في الدنيا، وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا.
وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يستحله، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون.
ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلا لها، غير معتقد لتحريمها كان كافرا.
ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا.
وندين الله ﷿ بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على
[ ٢٦ ]
أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ من غير تكييف.
وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا، إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين، أجارنا الله منها بشفاعة سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ.
ونقول: إن الله ﷿ يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله ﷺ، تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ.
ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله ﷿ يوقف العباد في الموقف، ويحاسب المؤمنين.
وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدل عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ.
[ ٢٧ ]
وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين.
ونقول: إن الإمام الفاضل بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، وأن الله ﷾ أعز به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله ﷺ للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله ﷺ، ثم عمر بن الخطاب ﵁، ثم عثمان بن عفان ﵁، وأن الذين قتلوه قتلوه ظلما وعدوانا، ثم علي بن أبي طالب ﵁.
فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﷺ، وخلافتهم خلافة النبوة
[ ٢٨ ]
ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بها، ونتولى سائر أصحاب رسول الله ﷺ، ونكف عما شجر بينهم.
وندين بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون، مهديون فضلاء، لا يوازنهم في الفضل غيرهم.
ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب ﷿ يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر)، وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل.
ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا ﷺ، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله
[ ٢٩ ]
ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله مالا نعلم.
ونقول: إن الله ﷿ يجيء يوم القيامة، كما قال سبحانه: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (٢٢ /٨٩) .
وأن الله مقرب من عباده كيف شاء بلا كيف، كما قال تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) من الآية (١٦ /٥٠)، وكما قال سبحانه: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) (٨ - ٩ / ٥٣) .
ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد، وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر، كما روى أن عبد الله بن عمر ﵃ كان يصلي خلف الحجاج.
[ ٣٠ ]
وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر، خلافا لقول من أنكر ذلك.
ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة.
وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال -أعاذنا الله من فتنته - كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ.
ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير عليهما الصلاة والسلام، ومساءلتهما المدفونين في القبور.
ونصدق بحديث المعراج، وتصحيح كثير من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك تفسيرا.
ونرى الصدقة على موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك.
ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
[ ٣١ ]
وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وتوارثهم.
ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل.
وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه، يرزقها عباده حلالا وحراما، وأن الشيطان يوسوس الإنسان، ويشككه ويخبطه، خلافا للمعتزلة والجهمية، كما قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) من الآية (٢٧٥ /٢)، وكما قال: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) (٤ - ٦ /١١٤) .
[ ٣٢ ]
ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم.
وقولنا في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا، ثم يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الرواية.
وندين الله ﷿ بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين.
ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء.
وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقى منه مما لم نذكره بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله ﷿.
[ ٣٤ ]