أما بعد: فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين.
وخالفوا روايات الصحابة ﵃ عن نبي الله ﷺ في رؤية الله ﷿ بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار.
[ ١٤ ]
وأنكروا شفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين.
وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين.
ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين؛ الذين قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (٢٥) .
وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين:
أحدهما الخير، والآخر يخلق الشر.
وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير، والشيطان يخلق الشر.
وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء، خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردا لقول الله تعالى
[ ١٥ ]
: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) من الآية (٣٠)
فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه.
ولقوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (٢٥٣)، ولقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (١٣)، ولقوله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (١٠٧)، ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب ﷺ أنه قال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما) من الآية (٨٩) .
ولهذا سماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم.
وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس.
وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز
[ ١٦ ]
وجل، ردا لقول الله تعالى لنبيه ﷺ: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (١٨٨)، وإعراضا عن القرآن، وعما أجمع عليه أهل الإسلام.
وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله ﷿، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله ﷿ بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوا لله ﷿، فكانوا مجوس هذه الأمة؛ إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم.
وقنطوا الناس من رحمة الله، وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافا لقول الله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) من الآية (٤٨) .
وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها، خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ: (إن الله ﷿ يخرج قوما من النار بعد أن امْتَحَشُوا فيها
[ ١٧ ]
وصاروا حمما) .
ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله ﷿: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧)
وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥) .
وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (١٤)، وقوله: (ولتصنع على عيني) (٣٩) .
وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦) .
وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه: (ذو القوة المتين) من الآية (٥٨) .
ونفوا ما روي عن رسول الله ﷺ (أن الله
[ ١٨ ]
﷿ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا) وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ.
وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية، أهل الزيغ فيما ابتدعوا وخالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية وأنا ذاكر ذلك بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة.
[ ١٩ ]