ويقال لهم: إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يختص العرش
[ ١٠٩ ]
دون غيره، كما قال ذلك أهل العلم، ونقله الأخبار، وحملة الآثار، وكان الله ﷿ في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه، والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت، والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا هو المحال المتناقض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
دليل آخر:
ومما يؤكد أن الله ﷿ مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله ﷺ.
روى عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا
[ ١١٠ ]
عمرو بن دينار، عن نافع، عن جبير، عن أبيه ﵃ أجمعين، أن النبي ﷺ قال: (ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) .
روى عبيد الله بن بكر قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن كثير، عن أبي جعفر، أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا بقى ثلث الليل ينزل الله ﵎ فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟ حتى ينفجر الفجر) .
[ ١١١ ]
وروى عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: فكنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كفا بالكديد - أو قال بقديد - حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إذا مضى ثلث الليل - أو قال ثلثا الليل - نزل الله ﷿ إلى السماء، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الفجر) نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
دليل آخر:
قال الله تعالى
[ ١١٢ ]
: (يخافون ربهم من فوقهم) من الآية (٥٠ /١٦)، وقال تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) من الآية (٤ /٧٠)، وقال تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) من الآية (١١ /٤١)، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا) من الآية (٥٩ /٢٥)، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش مالكم من ولي ولا شفيع) (٤ /٣٢)، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد.
[ ١١٣ ]
دليل آخر:
قال الله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (٢٢ /٨٩)، وقال تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) من الآية (٢١٠ /٢)، وقال: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) (٨ - ١٣ /٥٣) إلى قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) (١٨ /٥٣)، وقال تعالى لعيسى ابن مريم ﵇: (إني متوفيك ورافعك إليّ)، وقال تعالى: (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه) من الآية (١٥٨ /٤)،
[ ١١٤ ]
وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى ﷺ إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب بسبع سماوات.
دليل آخر:
قال الله ﷿: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (٥١ /٤٢)، وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا
[ ١١٥ ]
، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولا، وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم.
دليل آخر:
قال الله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) من الآية (٦٢ /٦)، وقال: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) من الآية (٣٠ /٦)، وقال: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم) (١٢ /٣٢)، وقال ﷿: (وعرضوا على ربك صفا) من الآية (٤٨ /١٨)، كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو
[ ١١٦ ]
على عرشه سبحانه، بلا كيف ولا استقرار، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك التنزيه، ونفي التشبيه على زعمهم، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل.
دليل آخر:
قال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) من الآية (٣٥ /٢٤) فسمى نفسه نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين
[ ١١٧ ]
:
إما أن يكون نورا يسمع، أو نورا يرى.
فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه ﷺ.
وروت العلماء عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ﷿، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله ﷿ فوق ذلك) .
دليل آخر:
وروت العلماء ﵏ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله ﷿ حتى يسأله عن عمله) .
وروت العلماء أن رجلا أتى النبي ﷺ بأمة
[ ١١٨ ]
سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟
فقال لها النبي ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ: أعتقها فإنها مؤمنة.
وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش.
[ ١١٩ ]