ويقال لهم: قد علَّم الله تعالى نبيه ﷺ الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز
[ ١٤٩ ]
أن يعلم الله نبيه ﷺ مالا علم الله به. تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا.
مسألة:
ويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين، فلعنه لهم معنى، ولعن النبي ﷺ لهم معنى؟
فمن قولهم نعم.
فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه ﷺ شيئا فكان للنبي ﷺ علم، ولله تعالى علم، وإذا كنا متى أثبتناه غضبانا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حيا سميعا بصيرا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر.
[ ١٥٠ ]
مسألة:
ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله ﷿ من أن تكون مشتقة إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقا من صفة.
فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا، كقولنا زيد وعمر، وعلى هذا إجماع المسلمين.
[ ١٥١ ]
وإذا لم يكن كذلك تلقيبا، كان مشتقا من علم، فقد وجب إثبات العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى، فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي موجود مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته؛ لأنه ﷾ موجود.
مسألة:
ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علما
[ ١٥٢ ]
بالأشياء سابقا فيها، وبوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزله؟
فإن قالوا: نعم، أثبتوا العلم ووافقوا.
وإن قالوا: لا، قيل لهم: جحد منكم؛ لقوله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦ /٤)، ولقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من آية (١١ /٣٥)، ولقوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من الآية (١٤ /١١) .
وإذا كان قول الله تعالى: (بكل شيء عليم) من الآية (١٢ /٤٢)، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) من الآية (٥٩ /٦)
[ ١٥٣ ]
يوجب أنه عليم بعلم الأشياء، فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده.
مسألة:
ويقال لهم: هل لله ﷿ علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ وهل هو مريد لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟
فإن قالوا: نعم، وافقوا.
وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة.
قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه، فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق ﷿ علم
[ ١٥٤ ]
بذلك؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قيل لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
مسألة:
ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان - جل عن قولكم وعلا - ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان،
[ ١٥٥ ]
ومن قال ذلك في الله ﷿ وصف الله تعالى بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا يُنفى ذلك عن الله تعالى؛ لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان.
مسألة:
ويقال لهم: هل يجوز أن تنسق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم؟
فإن قالوا: ذلك محال، ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي.
قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة.
فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي.
[ ١٥٦ ]
وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر.
مسألة:
وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى: (سميع بصير) من الآية (٢٨ /٣١) إن معناه عليم.
قيل لهم: فإذا قال الله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (٤٦ /٢٠)،
وقال: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) من الآية (١٠ /٥٨) فمعنى ذلك عندكم علم.
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (٤٦ /٢٠) أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم.
[ ١٥٧ ]