يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) من الآية (٧ /٢)، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله
[ ١٩٨ ]
يجعل صدره ضيقا حرجا) من الآية (١٢٥ /٦)، فخبرونا عن الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، أتزعمون أنه هداهم وشرح للإسلام صدورهم وأضلهم.
فإن قالوا: نعم، تناقض قولهم.
وقيل لهم: كيف تكون الصدور مشروحة للإيمان، وهي ضيقة حرجة مختوم عليها، وكيف يجتمع الفعل الذي قال الله ﷿: (أم على قلوب أقفالها) من الآية (٢٤ /٤٧) مع الشرح، والضيق مع السعة، والهدى مع الضلال، إن كان هذا جاز أن يجتمع التوحيد والإلحاد الذي هو ضد التوحيد، والكفر والإيمان معا في قلب واحد، وإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه.
فإن قالوا: الختم والضيق والضلال لا يجوز أن يجتمع مع شرح الله الصدر.
قيل لهم: وكذلك الهدى لا يجتمع مع الضلال، وإذا كان هذا هكذا
[ ١٩٩ ]
فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان، بل ختم الله على قلوبهم وأقفلها عن الحق، وشد عليها، كما دعا نبي الله موسى ﷺ على قومه فقال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى تروا العذاب الأليم) من الآية (٨٨ /١٠) قال الله تعالى: (قد أجبت دعوتكما) من آية (٨٩ /١٠)، وقال تعالى يخبر عن الكافرين إنهم قالوا: (قلوبنا في أكنَّة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) من الآية (٥ /٤١)، فإذا خلق الله الأكنة في قلوبهم، والقفل والزيغ؛ لأن الله تعالى قال: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) من الآية (٥ /١٦)
[ ٢٠٠ ]
والختم وضيق الصدر تم أمرهم بالإيمان الذي علم أنه لا يكون، فقد أمرهم بما لا يقدرون عليه، وإذا خلق الله في قلوبهم ما ذكرنا من الضيق عن الإيمان، فهل الضيق عن الإيمان إلا الكفر الذي في قلوبهم؟ وهذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم.