أما أن الشيخ زرع شرًا مستطيرًا فكذبت ونقول: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ وأنت مَنْ تكون حتى تُقَيِّم الشيخ ولوْ عرفت قدْرك لما تعدّيت طوْرك، والشيخ محمد نعمة من الله ورحمة لأهل هذه الجزيرة وغيرهم ممن نفعهم الله بدعوته وقد زرع خيرًا كثيرًا وأزال شرًا كثيرًا فقدّس الله روحه من إمام ورضي الله عنه وقطع الله دابر من شنأه لأنه شانؤٌ للحق، وله نصيب من قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾.
ولا عجب من جرأة المالكي هذه ووقاحته فهو وارث أسلافه وإخوانه ممن شَرقوا بهذه الدعوة من خفافيش الأبصار الذين بهرهم نورها، وقد دَمْدَمهم عن آخرهم علماؤها وحماتها الأبطال، ومن أواخرهم سليمان بن سحمان رحمه اله سوف أنقل هنا أبياتًا من قصيدة طويلة في ردّه على مسمى شرف نزيل البحرين،
وقد وصفه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ بأنه: أخذَتْه الحمية لأخدانه، واحتملته العصبيّة الوَبيّة لإخوانه، يعني مثل المالكي الضال الذي يعيب هذه الدعوة لينصرف الناس عن
[ ١٢١ ]
كتبها قال في ردّه عليه:
يُحذّر الناس كي لا يسمعوا كُتبًا تدعو إلى الله مَن قدْ نَدَّ وانصرفا
تدعو إلى الحق والتوحيد ليس إلى أوضاع جهم وتأويلات مَنْ صدفا
ولا إلى الكفر والإشراك حيث غلا في الصالحين أناسٌ فيهموا شَغَفا
فيهنّ نور الهدى كالشمس شارقة ما شابها الزور يومًا أو أتت جنفا
تحمي حمى معشر بالحق قد صدعوا عن إفك قوم طغام قدْ أتوا سرفا
كما تعيب أناسًا قدْ بَغَوْا وطَغَوْا لم يعرفوا الحق لما أن بدا وضفا
وقال فيها يردّ على هذا الوغد المشبه للمالكي:
لو كان يعلم هذا الوغد حيث غوى ما قدْ جناهُ لأبدى اللهْفَ والأسفا
وسوف يلقى غدًا إن لم يتب ندمًا وغِبّ ما قد جنى من شؤم ما اقترفا
يذم أهل التقى والدين من سَفَهٍ ومن شقاوته لما ارتضى السرفا
يذم من أظهر التوحيد وانتشرت أنواره وعلَت من بعد ما انخسفا
والناس في ظلمة من قبل دعوته لا يعرفون من الإسلام ما انكشفا
وبان بل ظهرت أعلامُه وعَلَتْ لله دَرّ إمام أظهر الشرفا
والناس في غمْرةٍ في الجهل قدْ غرقوا وفي الضلالة قد هاموا فوا لهفا
على أناس وأقوام قد انهمكوا لم يعرفوا الحق لَمّا أن بدا وضفا
والله لو كان يدري عن جهالته ما فاه بالزور يومًا أوْبِهِ هَتَفا
والله لو كان يدري عن غباوته ما اعتاض عن ساطع التوحيد ما انْكسفا
والله لو كان يدري عن حماقته لم ينتصب جهرة بين الورى هدفا
بل سوّلت نفسه أمرًا ففاه به وقام منتصرًا للكفر مُنْتصفا
[ ١٢٢ ]
كقول هذا الغوِيّ المفتري كذبًا إنا خوارج هل يدري وهل عرفا
ما قالت الفئة البُعْدى التي مَرَقَتْ لما غلت وتعدّت طورها سرفا
أم كان فَدْمًا جهولًا كاذبًا أشرًا ما نال علمًا ولا حلمًا ولا شرفا
إن الخوراج قوم كفَّروا سَفَهًا من قد أتى بذنوب هفوة وجفا
فكَفّرتْ أمة التوحيد عن عَمَهٍ عن رؤية الحق إذ لم تعرف النّصَفا
وخَلّدتْ في لظى بل أنكرت سَفهًا شفاعة المصطفى ويل لمن صدفا
والحق كالشمس لا تخفى دلائله إلا على جاهل بالعلم ما اتصفا
لكننا نحن كفّرنا الذين غَلَوْا في الدين وانتحلوا الإشراك والسرفا
وأشركوا الأنبيا والصالحين ومن يدعونه غير ربي جهرة وخفا
فيما به الله مختصّ من يدعو وليجته في ذاكَ شرك فهل كنا وهم أُلَفا
إنْ كان تكفير من يدعو وليجته مع المهيمن من يدعونه الحُنفا
رأي الخوراج كالقوم الذين غلَوْا في الدين وانتحلوا الإشراك والجنفا
فقد كفانا العنا من رَدّ شبهته إذْ كان ليس بذي عِلم ولا عرفا
ولا اعتنى بعلوم الناس حيث غدوا في دينهم شيعا قد خالفوا السلفا
وأن أمتنا حقًا قد افْترقتْ سبعين زادتْ ثلاثًا ليس فيه خفا
وأنها كلها في النار داخلة إلا من اسْتَنّ بالمعصوم والخُلفا
والآل والصحب حقًا وهي واحدة قد صَحّ هذا عن المعصوم مَنْ شرُفا
[ ١٢٣ ]
ثم قال الضال:
وبعض الأخوة يقول: كيف ننقد منهج الشيخ وبفضله - بعد فضل الله - كان هذا الوطن المسلم الكبير.
نقول: هذا لا شك مما يشكر عليه الشيخ عند الله - إن شاء الله - والناس فربما لولا دعوته وقتاله للمسلمين لما توحدوا في الخليج إلى البحر الأحمر ومن جنوب الشام إلى اليمن لكن جمال النتيجة لا يعني صحة المقدمات فالنتائج قد تكون صحيحة مع بنائها على مقدمات ناقصه - وهذا يعرفه أهل المنطق ـ.
الجواب: أما المنطق الذي حكّمته فهذا يليق بك وبأمثالك، وليس المنطق من علوم أهل الإسلام حتى يُحكّم في قضاياهم، ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
أما قولك: جمال النتيجة لا يعني صحة المقدمات فإذا اتنزلنا معك لمنطقك وهو أن النتائج قد تكون صحيحة مع بنائها على مقدمات ناقصة.
فيقال: أولًا لا نسلّم لك أن المقدمات ناقصة لأن الدعوة إلى التوحيد الذي هو أصل دين الإسلام كيف يقال عنها يا ناقص إنها ناقصة؟ والدعوة إلى التوحيد وإبطال الشرك والتنديد هو المقدمة والأصل الذي قامت عليه هذه الدعوة، وهو غاية
[ ١٢٤ ]
الكمال.
ثانيًا: لا نسلّم لك أن النتائج تكون صحيحة وهي مبنية على مقدمات ناقصة إذا كانت في أمور الشرع فقد قال عمر بن عبدالعزيز ﵀: من عبدَ الله بجهل كان ما يُفسد أكثر مما يُصلح.
ومعلوم أن أفضل العبادة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وهو ما قام به الشيخ محمد ﵀.
وكيف تكون مقدماته ناقصه أيها الناقص مَنْ أصل دعوته ومدارها على كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؟ ورحم الله سليمان بن سحمان حيث قال في رده على مثل هذا الفَدْم:
فهذا مقال الفَدْم لا دَرّ درّهُ كما هو معلوم من الشرح مُسْتَبْدِ
وكان لَعَمْري سامجًا متناقضًا فتبًا لمن يُبدي من الغيِّ ما يُرْدي
فلست على نهج من الدين واضحًا ولست بذي علم ولست بذي رُشْد
ويا للعجب من بهتان وافتراء هذا الضال المضل كيف يقول عن الشيخ محمد: (وقتاله للمسلمين)؟ لقد هان عليه البهت والكذب وقحّم نفسه المهالك ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.
ثم إن الضال ذكر كلامًا طويلًا يُشَبِّه به ويغرّ أمثاله من الطغام، وساق أمثلة منها قوله: وكذلك لو قام أحد الخوارج وكوّن دولة فإن حُسْن النتيجة لا يعني حسن المنطلقات.
وهذا مثلما لو قام أحد
[ ١٢٥ ]
الحكام بقتل السارق بدلا من قطع يده فلابد أن تقل السرقة وعندئذ يأتي المثني على هذا الحاكم يصف النتيجة الجميلة من قلّة السرقة أو انعدامها .. ولكن فعل الحاكم هنا خلاف النصوص الشرعية ولا بد يوما ما أن يكون لفعله هذا آثار سلبية لأن شريعة الله كاملة وليس فيها حكم شرعي إلا وهو وسط بين تطرفين.
وكذلك قتال المسلمين لا يجوز لمجرد وجود بدع وخرافات لأن القتال لا يجوز إلا بنص شرعي أما بلا نص فارتكابه أسوأ من تلك البدع والخرافات.
والشيخ محمد ﵀ ربما لو لم يقاتل المسلمين واكتفى بمراسلة العلماء يحثهم على الدعوة إلى الله ربما لو فعل هذا لتجنبنا مآسي التكفير المعاصر الذي يعتمد على فتاوى الشيخ وعلماء الدعوة في تكفير المسلمين!!.
وإن كان سيد قطب قد وجد في متشابه كلامه ما يوحي بالتكفير فإن الشيخ محمد وجد التكفير صريح كلامه لا متشابهة!! إنتهى.
الجواب: ذكر الضال في نقضه الخوارج في مواضع يشبّه أهل هذه الدعوة بهم، وانظر هنا تمثيله بالخوارج تعرف مراده.
فيقال له: مخالفة الشرع مقدماتها ونتائجها باطلة، والشر لا يأتي بالخير، ومنطقك ليس هو مَرجع أهل الإسلام ولله الحمد وإنما
[ ١٢٦ ]
هو مرجع اليونان وأفراخهم.
وكلامك مبني على بُهْتك وافترائك من جهة مقدمات ونتائج هذه الدعوة المباركة، وأنت تعيب المقدمات والنتائج وتُمثل بأمثلة يُمليها عليك الذي أغواك.
وأردتَ أيها الخبيث بتمثيلك بقتل السارق وقلّة السرقة أو انْعدامها أن ذلك يشابه هذه الدعوة في أصلها حيث التكفير والقتل كما تزعم.
ستدري إذا انجلى الغبارُ أفرسٌ تحتك أم حمارُ
أما ما سمّيته: مآسي التكفير المعاصر فما وقع منه صوابًا فهو حكم الله فيمن كفر، وما كان منه خطأ فما الذي جعلك تُحَمِّل الشيخ وزره أيها الظالم؟ والشيخ يُكفِّر ما كفّر الله ورسوله.
ولما أخطأت الخوارج والقدرية والجبرية والجهمية والرافضة وغيرهم من طوائف الضلال أيُحَمّل رسول الله - ﷺ - أوزارهم؟ أم أنك تخترع للبرءَاء العيب؟.
وأهل هذه الدعوة وحاشا لله أنهم يقاتلون لمجرد وجود بدع وخرافات كما زعمت ولكن يكفِّرون ويقاتلون من أشرك بعد دعوته لكن أنت ترى الشرك بدعًا هَيِّنة، وأنت بارد القلب منها لا تهمك.
[ ١٢٧ ]