ثم قال المالكي في نقضه ص٦:
لا يجوز أن نقوم بكل هذا حتى نبرر به قتالنا للمسلمين الركع السجود بزعمنا أنهم كالكفار تمامًا الذين (يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله ..)؟!.
وعلى هذا يمكن على هذا المنهج العجيب أن نقول: كيف نقاتل الإسرائليين وهم يصدقون في القول ويحترمون العدالة ويوزعون الأموال بالسوية ويؤمنون بالله ويحترمون المقدسات و.. الخ ونترك قتال المسلمين الذين يظلمون ويتعاملون بالربا ويكذبون ويخلفون المواعيد ويخونون في الأمانات الخ.
وهكذا فإن ذكرت محاسن موجودة عند بعض أو كل الإسرائليين وتناسيت مساوئهم وعكست القضية ملتبسة وأصبح قتال المسلمين أولى من قتال اليهود.
أما إن أخذت جميع صفات هؤلاء وهؤلاء فستعرف أين تضع سيفك وكذلك في كفار قريش أو كفار العرب عموما الذي بُعث فيهم النبي - ﷺ - إذا اقتصرت على بعض مكارم الأخلاق وبعض الانقطاعات التي انقطعوا واعترفوا بها خرجت بالصورة الزاهية
[ ٤١ ]
عنهم التي أخرجها محمد بن عبدالوهاب.
أما إن استعرضت جميع الآيات التي تتحدث عن الكفار فستعرف أنهم يختلفون عن فساق المسلمين فضلًا عن صالحيهم وعلمائهم.
الجواب: المالكي الضال يُحاسب الشيخ محمد وأهل دعوته ليُبرروا قتالهم المسلمين، فهو مُتّهم للشيخ بل ويرميه بما لازمه أقبح الكفر وهو قتال المسلمين.
أما قوله: (يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله) فكم وكم رَدّد هذه إخوانه ممن شَرِقوا بدعوة الشيخ لعدم معرفتهم بالتوحيد ولبغيهم وعدوانهم.
فيقال لهذا الخبيث: أنت مطالب أن تثبت أن الشيخ وأتباعه في دعوته التي لم يأت بها من عنده وإنما دَلّ أتباعه بها على الرسول - ﷺ - وهداهم إليه ليتبعوه فهو ما دعا لنفسه ولا إلى أمر ابتدعه، فأنت مُطالب أن تثبت أنهم يُقاتلون المسلمين.
لكن سرائر نفسك الخبيثة أوْردتك الموارد المهلكة وافتضحت بجهلك بالتوحيد ومعارضتك لمن يقوم به، ولو كنت تعرف التوحيد الذي جاءت به الرسل ﵈ وكان من ورثتهم الشيخ محمد وأهل دعوته، لو كنت تعرف ذلك ما قلت (يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله) لأن من جعل بينه وبين الله وسائط فهو هادم للأساس
[ ٤٢ ]
الذي يقوم عليه بنيان الصلاة والحج والزكاة والصيام وغير ذلك من مباني الإسلام.
فالشيخ محمد ﵀ وأهل دعوته يُكَفِّرون ويقاتلون من جعل بينه وبين الله وسائط لأنهم مشركون بعد دعوتهم وإقامة الحجة عليهم، وهذا هو موضوع كلام الشيخ في كتابه العظيم (كشف الشبهات) وهذه هي سيرة رسول الله - ﷺ - مع أهل الإشراك.
لكن الذي غرّك وأضرابك ممن عارضوا هذه الدعوة الصلاة والحج والصوم والزكاة والذكر، وهذا كله يعرفه، أهل هذه الدعوة المباركة قبل أن تولد، لكن يقولون للجهلة الحمقى أمثالك.
الرسل لم تدع إلى هذا أولًا، ويخبرون أن ربهم الذي أرسلهم لا يقبله ممن لم يأت بالتوحيد العملي الذي هو توحيد أفعال العبد بألاّ يُتخذ وسائط يُتقرب إليها بالعبادة التي هي محض حق الله الذي لا يقبل الشركة فيها، فاتخاذ الوسائط مبطل للصلاة وغيرها لأن مُتخذ الوسائط لم يأت بالإسلام فهو أخبث ممن يصلي بلا طهارة لأن نجاسة الشرك لا يقبل معها عمل، وطهارتها ليست بالماء وإنما بالإستسلام للمعبود الحق الذي لا يحصل إلا بالكفر بالوسائط والبراءة من دينها وأهله، وهذا هو الكفر بالطاغوت المقدم في كلمة التوحيد قال تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾
[ ٤٣ ]
وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) مطابقة حيث بدأ بالنفي أولًا ثم الإثبات ثانيًا.
وعلى هذا الفهم الخبيث من المالكي وأضرابه لابد من الاعتراض على الصديق ﵁ وإخوانه من الصحابة ﵃ لما قاتلوا مانعي الزكاة وجعلوهم مرتدين عن الإسلام، فهؤلاء أعظم شبهة من مشركي زماننا بكثير حيث لم يذكر الصديق ولا غيره من الصحابة أن هؤلاء رجعوا إلى الأصنام وإنما امتنعوا عنم أداء الزكاة فقط حتى إن هذه المسألة عظمت على بعض الصحابة مثل عمر ﵁ حتى بيّن لهم أبو بكر ﵁ فانشرحت صدورهم للحق، فإذا كان جاحدُ فريضة الزكاة كافرًا يُقاتل كيف بجاحد الإسلام؟.
فالشيخ محمد قدّس الله روحه في ذلك الكلام يفسّر التوحيد ويبين معناه وأن من لم يأت به من أهل زمانه لا تنفعه عباداته مهما كانت لأنه يجتمع مع كفار قريش في معنى قولهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ فإذا قالوا: نحن ننفرد عن قريش بالنطق بالشهادتين والصلاة والصوم والحج والزكاة وذكر الله قيل لهم: أنتم مثل من يصلي وهو يبول، فإذا قيل له: صلاتك باطلة قال: أنا أركع وأسجد وأقرأ وأذكر الله كيف تجعلونني مثل من لا يصلي؟.
[ ٤٤ ]
وهذا تمثيل وإلا فالمشرك أقبح وأخبث من هذا، لأن المشركين نجَس وهذا نجِس، فهذا يطهره الماء والمشرك لا يطهره إلا التوحيد.
وإنه لمن آيات الله وبليغ حكمته أن جعل الشيطان يُهَوّن على المشركين أمر الشرك بل ويفتنهم فيه حتى يُعادُون ويقاتلون عليه وهو العظيم عنده سبحانه فلا ذنب أعظم منه.
أما كلام المالكي بعد ذلك عن الإسرائليين وتمثيله بهم فعلى حسب فهمه الساقط التافه أن الشيخ محمد ﵀ قد رسم صورة زاهية للمشركين، وقد تبيّن مراد الشيخ وتبين أيضًا أن حال المشركين بصلاتهم وصومهم وعبادتهم ليست زاهية إلا عند هذا المتعالم بل هي قبيحة بنجاسة شركهم أعظم من قبح من يصلي وهو يبول.
أما قوله: أما إن اسْتعرضت جميع الآيات التي تتحدث عن الكفار فستعرف أنهم يختلفون عن فساق المسلمين فضلًا عن صالحيهم وعلمائهم.
يقال له: أهل التوحيد ليسوا مثلك لا يعقلون، فنظرهم إلى الأصل والأساس وهو التوحيد ولا يقيمون وزنًا لأعمال الكفار لأن الله محبطها بالشرك.
[ ٤٥ ]