ثم قال المالكي ص٤:
ولا يتساوى من يؤمن بالنبي - ﷺ - نبيًا ورسولًا ومن يكذبه ويظنه ساحرًا أو كاهنًا، ولا يتساوى من يتوسل بالنبي - ﷺ - ويتبرك بالصالحين - وإن أخطأ - مع من يرجم النبي - ﷺ - ويقتل الصالحين.
لا يتساوى من يؤمن باليوم الأخر والجنة والنار مع من يقول ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ..﴾.
لا يتساوى من قال: (لا إله إلا الله) مع من قال: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدًا﴾ لا، لا يتساوى من آمن ومن كفر من صدق الرسل ومن كذبهم، من آمن بالبعث ومن كفر به .. لا يتساوى من طلب شفاعة الحي ممن يطلب شفاعة الجماد، لا يتساوى من يطلب شفاعة الأنبياء وهو يعرف أنهم عبيد الله ممن يطلب شفاعة الأصنام ويجعلهم مشاركين لله في الألوهية.
لا يا شيخنا - سامحك الله - هناك فرق كبير بين هؤلاء وهؤلاء. إنتهى ص٤.
الجواب: كل هذا الكلام نقضٌ لمعتقد أهل السنة في حكم تكفير المرتدين وقتالهم، وهذا الضال يُسَوّغ الكفر، وقد تقدم أن
[ ٢٨ ]
أركان الإسلام الأربعة لا تقبل إلا بالتوحيد وهو الأصل.
والذي يقول: (لا إله إلا الله) ويجعل بينه وبين الله وسائط هو مثل من لا يقولها لأنه يقولها ويأتي بالشرك الذي يبطلها، كما نقول: الذي يصلي بلا طهارة مثل من لا يصلي.
فقول المالكي: لا يتساوى كذا وكذا هو من تلبيسه، وهذه شبهة إخوانه من قبله الذين ضادوا دعوة الشيخ. وكانت أعظم شبهة عندهم قولهم: تُكَفّرون المسلمين الذين يصلون ويصومون ويحجون ويقولون: لا إله إلا الله.
فيقال: إن من يقول: (لا إله إلا الله) ويصلي ويصوم ويحج ويزكي كافر إذا جعل بينه وبين الله وسائط لأنه لم يَنْف ما نَفَتْه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) حيث إنها تنفي الشرك ولا تثبت مطلق العبادة لله وإنما تثبت إفراده سبحانه بها، فالذين يجعلون بينهم وبين الله وسائط قد نقضوا أصل الدين وأساسه وهو كلمة الإسلام وكلمة التوحيد وكلمة الإخلاص وهي (لا إله إلا الله حيث شرّكوا مخلوقات الله بحقه الخالص وهو عبادته سبحانه).
وليعلم هذا الجاهل أن قريشًا ما اسْتنكفت عن عبادة الله بل كانوا كما ذكر الشيخ لهم عبادات هي من بقية دين الخليل ﵇ وإنما استنكفوا وقامت قيامتهم على النبي - ﷺ - لما علموا أن أصل دعوته هي ليست عبادة الله لأن هذا مقبول عند جميع أهل
[ ٢٩ ]
الإشراك وإنما أصل دعوته إفراد الله ﷿ بالعبادة، وهذا لا يحصل إلا بالكفر بما يشرك معه في حقه الخالص وهو العبادة، ومن هنا كان الاختلاف وقامت الخصومة.
أما شبهة أن معاصري الشيخ ومن بعدهم يقولون: (لا إله إلا الله) فكبيرة عند من حصيلته من علم التوحيد صغيرة ومازال الجدل في هذه الشبهة حتى اليوم.
حيث يظن هؤلاء الجهلة أن العلّة الجامعة لكفار العصور المتأخرة للأمة مع كفار قريش تزول بمجرد قول لا إله إلا الله مع بقية الأركان لأن قريشًا ممتنعة كل الامتناع من قولها وتحارب على ذلك، والشيخ محمد ﵀ يبيِّن أن قريشًا أهل علم بهذه الكلمة بخلاف المتأخرين إذْ إنهم يعلمون أن معناها ألا يُعبد إلا الله، ليس معناها فقط أن يُعبد الله أو أنه المعبود لأن هذا المعنى الأخير لا يمنع الشريك بالعبادة ولا ينفيه، أما الأول فمانعٌ نافٍ للتشريك ولذلك امْتنعوا من قول: (لا إله إلا الله).
ومعلوم أن اتخاذ الوسائط لا يحصل إلا بانجذاب القلب لهذا الذي يُعتقد أنه واسطة بالحب والخوف والرجاء، هذا لابد منه، وهذا الانجذاب الموجب لعبودية القلب بهذه الثلاث هو حق الله الخالص فصار هذا الواسطة شريكًا لله من حيث اعتقاد العبد ولو لم يتكلم بذلك، وهذا هو الشرك، ثم إنه لابد أن يعمل بموجبه من دعاء أو ذبح أو نذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا
[ ٣٠ ]
لله، وهذا كله وأعظم منه يحصل من مشركي العصور المتأخرة مع ترديدهم بالليل والنهار كلمة (لا إله إلا الله) وقدّس الله روح الشيخ محمد حيث قال في مسائل باب قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ في كتاب (التوحيد) قال في المسائل الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي - ﷺ - إذا قال للرجل: (قل لا إله إلا الله) فقبّح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
وانظر قول المالكي: لا يتساوى من طلب شفاعة الحي ممن يطلب شفاعة الجماد، وقوله: لا يتساوى من يطلب شفاعة الأنبياء وهو يعرف أنهم عبيد الله ممن يطلب شفاعة الأصنام ويجعلهم مشاركين لله في الألوهية.
إن معنى كلامه هذا إباحة الشرك بالشفاعة وإنما غاية حجته التفريق بين الأحياء والأموات والأنبياء والأصنام.
وقوله: ويجعلهم مشاركين لله في الألوهية دليل ظاهر أنه جاهل بتوحيد الإلهية لأن من طلب شفاعة الحي والنبي فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك في الإلهية شاء أم أبى.
أما قول المالكي: يا شيخنا سامحك الله هناك فرق كبير بين هؤلاء وهؤلاء.
فيقال لهذا الفرخ: كذبت الشيخ محمد ليس هو شيخك فاعتراضك عليه في أصل دعوته يبيّن خَبْأكَ وطَوّيتك.
[ ٣١ ]
أما قولك: (فرق كبير بين هؤلاء وهؤلاء) فلأن فرْقك شيطاني ليس رحماني حيث فرّقت بين متساوِيَيْن، فالرب كفّر كفار قريش ورسوله كفّرهم وقاتلهم بأمر ربه له، كذلك هؤلاء تنطبق عليهم هذه القاعدة.
إذا عُلم هذا تبيّن أن هذا التفريق الجاهلي بدعوى النطق بالشهادتين وأداء بقية الفرائض يُلغيه الاشتراك في معنى قوله تعالى عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.
وحتى يتبين الأمر أكثر فإن المشركين المتأخرين يكون أحدهم عند القبر يذكر الله وقد يقول: (لا إله إلا الله) مرارًا وهو يدعو المقبور أو يذبح له.
[ ٣٢ ]