ثم قال الضال في نقضه ص٢٥،٢٦.
قول الشيخ ص٦٣: (الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها كما قال تعالى في قصة موسى ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ..﴾ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون مهم أن يدعوا الله .. وهذا جائز في الدنيا والآخرة وذلك أن تأتي عند رجل صالح حتى يجالسك ويسمع كلامك تقول له: أدع الله لي كما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه ذلك في حياته وأما بعد موته فحاشا وكلا ).
أقول: فما رأيك فيمن تأول بأن الاستغاثة بالنبي - ﷺ - جائزة عند قبره لأن النبي - ﷺ - حي في قبره؟!.
لا ريب أن من يرى هذا الرأي له جانب من تأويل بل لهم في ذلك حديث عثمان بن حنيف ثم قد يأتي آخر ويقول لك: لماذا تذهب إلى رجل صالح وتطلب منه أن يدعو الله لك؟ لماذا لا تدعو الله مباشرة؟ أليس في هذا مشابهة لعمل الكفار في اتخاذ هؤلاء
[ ١٥٧ ]
واسطة بينك وبين الله؟ ألم يقل الله ﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ..﴾.
وهكذا يمكن لآخر يضيق عليك حتى يكفرك مثلما ضيقت على الآخرين حتى كفرتهم.
نعم يستطيع آخر أن يلزمك بما ألزمت به الآخرين فيقول لك: النبي - ﷺ - له خصوصية وقد أمر الله المنافقين أن يأتوا إليه ليستغفر لهم لأن إتيانهم إليه دليل ظاهري على التوبة لكن بأي دليل تدخل أنت (الرجل الصالح) وتُجَوِّز أن يأتيه الرجل ويسأله أن يدعو له؟! هل شرع هذا في كتابه أو جاء عن أحد من أصحابه؟ ولو كان هذا مشروعا لنقل لنا لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله الخ.
ثم لماذا تقيد طلب الدعاء من الرجل الصالح (أن تأتي الرجل حتى تجالسه ويسمع كلامك)؟!.
فما الفرق بين هذا وبين من يوصي إلى فلان أن يدعو الله له؟!.
والحاصل هنا أنه بمنهج الشيخ يستطيع المخالف له أن يلزمه الكفر فإن اعتذر بأعذار جاز للآخر أن يعتذر بأعذار مماثلة، ونحن في هذا كله ندعو لإخلاص العبادة لله وترك التكفير.
الجواب: النبي - ﷺ - وإن كان حيًا في قبره حياة برزخية لا تشبه حياته قبل موته فالاستغاثة بالأموات شرك، الأنبياء وغيرهم سواء في ذلك لأن الاستغاثة عبادة وهي حق الله ﷿.
وهي بالنبي - ﷺ - شرك في حياته وبعد موته وإن كان بعد موته
[ ١٥٨ ]
أكمل من حال الشهداء.
قال سليمان بن سحمان ﵀:
ومن يَسْتغثْ يومًا بغير إلههِ ويدعوه أو يرجو سوى الله من بَشَرْ
يحب كحبِّ الله من هو مشركٌ به مستعين واجلُ القلب مُقْشَعِر
فذلك بالرحمن ﷻ تعالى عن الأمثال والنّدّ قدْ كفَر
ولا شك في تكفير من ذاك شأنه وناهِيك من كفر تجهّم واعْتكر
فللهِ حق لا يكون لِعَبْدهِ بإخلاص توحيد وإفراد مُقتدر
وللمصطفى تصديقه واتّباعه وتعزيره بل نقتفي ما به مر
ونجتنب المنهيِّ سمعًا وطاعة ولا نقتفي ما قد نهى عنه أو زجر
أما حديث عثمان بن حنيف فهو توسل بدعاء النبي - ﷺ - وشفاعته في حياته، وفيه (وشفّعه فيّ) وهذا سؤال الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه حيث دعا له النبي - ﷺ - وهو حي.
فهذا ليس بوارِد هنا وإن كان أهل الشرك يحتجون به.
أما دعاء الرجل الصالح لغيره فهو جائز لأن هذا مقدور عليه من حي غايته أن يُطلب منه الدعاء فيدعو.
أما تشبيه ذلك باتخاذ الوسائط وعمل الكفار فباطل لأن الكفار يطلبون من الميت مالا يقدر عليه بخلاف الحي، كذلك فإنهم يتقربون إلى الميت بما لا يصلح إلا لله من دعائه أو غير ذلك من أنواع العبادة.
أما قوله: (لماذا لا تدعو الله مباشرة) فهذا يَرِد لو أن الشيخ
[ ١٥٩ ]
محمد أو غيره من علماء المسلمين يقول: يجب عليك أن تسأل رجلًا صالحًا أن يدعو لك، لم يقولوا ذلك، وإنما يبيّنون أن هذا جائز مع الحي بخلاف الميت، كما كان الصحابة يفعلون مع النبي في حياته.
أما من يضيّق ويُكفّر في هذا فقد كفَّر في غير مُكفِّر، وهذه الافتراضات ليست بشيء لكن الذي ينبغي لا تفطن له كوْن المالكي يجادل عن الشرك وأهله ويُشَبّه.
أما استغفار النبي - ﷺ - للمنافقين ففي وقت حياته.
والمراد أن طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي جائز، أما هل هو مشروع أم لا؟ فيقال: إنه جائز بهذه الآية ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية. لكن لا يقال: إنه واجب مأمور به، وقد كان الصحابة يسألون النبي الدعاء لهم.
أما تقييد طلب الدعاء بالرجل الصالح بالمجالسة والكلام فليس بلازم وإنما مراد الشيخ التأكيد بأن يكون حيًا، وإلا فلوْ أن إنسانًا وصّى آخرًا بأن يطلب من رجل صالح أن يدعو له فلا بأس في هذا لم يمنعه الشيخ سواء وصّى شخصًا إليه أو كتب له كتابًا ولو لم يجالسه ولم يسمع كلامه.
[ ١٦٠ ]