قال المالكي في نقضه ص١٠:
٥ - ثم يقول ص١٣: (والحاذق منهم - يعني ممن يدعي الإسلام - يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله)!! ثم يتبع هذا بقاصمة وهي (فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله)؟!.
أقول: هذا ظلم أعظم من ظلم خصوم الشيخ له.
الجواب: قد تقدم بيان معنى هذا الكلام مرارًا.
أما قول الشيخ: فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله) فصدق ﵀ لأن أولئك امتنعوا من قولها لعلمهم بمعناها وهذا يهذي بها كمن يقول: لا تصح الصلاة إلا بالطهارة، يُرَدِّد هذه العبارة ويصلي وهو يبول.
إن قريشًا يعلمون معنى كلمة (لا إله إلا الله) ولذلك من قالها منهم غيّرت أحواله كلها وبدّلت حياته وسلوكه إذْ إنهم يعلمون أن شطرها الأول كفر والثاني إيمان، ولا يتم أحدهما إلا بالآخر ولا يُقبل إلا بالآخر.
[ ٧٩ ]
فالرجل من قريش يعلم أن شطر هذه الكلمة الأول يُحتّم عليه مفارقة ما كان يألفه وعيْب ما كان يمدحه وسب ما كان يثني عليه وبغض ما كان يحبه ومعاداة من كان يُوَالِيه. يقوم بما يوجبه شطرها الثاني من إخلاص العبادة لله.
إنها بالنسبة إليهم ولمن يعرف معناها نُقْلة من حال إلى حال تظهر آثارها في سلوك العبد كله، لأن هذا النفي إذا كان باللسان والقلب أوجب هذا التغير ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾.
فهنا خروج من ظلمات إلى نور حصل بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله واستمساك بالعروة الوثقى.
إنها مفارقة ومباينة باطنة وظاهرة توجبها هذه الكلمة، حيث يسْتشعر العبد بهَوْل ما وقع فيه من الْتفات قلبه إلى غير ربه في الرغبة والرهبة، وأن هذا لأظلم الظلم على الإطلاق لمنافاته للحكمة التي لها خُلِق الخلق وأنزلت الكتب وأرسلت من أجلها الرسل، فتتقلب حياته وموازينه للأشياء وحكمه عليها.
والسِّرّ أن الرب سبحانه أعطاه نورًا في قلبه يرى فيه الأمور على
[ ٨٠ ]
حقيقتها فحيي بعد موته، وعَلِمَ بعد جهله، وأفاق بعد غفلته، وأنس بعد وحشته، ولقد كان هكذا عمل هذه الكلمة في الصحابة ﵃ فجاءت منهم العجائب.
[ ٨١ ]