وهذه نبذة يسيرة من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀ ذكرها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن. (١)
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن عبد الوهاب، ونذكر طرفا من أخباره وأحواله ليعلم الناظر في حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان، وأغراه وبالغ في كفره واستهواه فنقول:
قد عرف واشتهر واسْتفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره، ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى، في باب معرفة الله وإثبات صفاته وكماله ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله - ﷺ - بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت في غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان وسلف الأمة وأئمتها كسعيد بن المسيب
_________________
(١) الدرر السنية ٩/ ٤٣٩.
[ ٩٢ ]
وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد وسالم بن عبدالله وطلحة بن عبيد الله، وسليمان بن يسار وأمثالهم.
ومن الطبقة الأولى كمجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح والحسن وابن سيرين، وعامر الشعبي وجنادة بن أبي أمية وحسان بن عطية وأمثالهم، ومن الطبقة الثانية على بن الحسين وعمر بن عبدالعزيز، ومحمد بن مسلم الزهري ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب وابن الماجشون، وكحماد بن سلمة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض، وعبدالله بن المبارك وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخارى ومسلم ابن الحجاج القشيرى واخوانهم وأمثالهم، ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر.
وأما توحيد العبادة والإلهية فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لابد فيه من العلم والعمل والاقرار بإجماع المسلمين، ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه كائنا من كان وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الإنس والجن، وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم هذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين
[ ٩٣ ]
الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا إن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ وقال تعالى عن الخليل: ﴿إذ قال لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ وقال تعالى عنه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءَؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ وقال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾.
وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ وقال عن أهل الكهف: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهًا لقد قلنا إذا شططًا. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾. وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به
[ ٩٤ ]
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ في موضعين.
قال ﵀: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور، وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبده ورسوله محمد - ﷺ - فإنهم كانوا يدعونها ويلتجئون اليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. وقال تعالى: ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون﴾.
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والايجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرداني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ فهم معترفون
[ ٩٥ ]
بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة، ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأقل شيء، وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾ إلى قوله ﴿فأنى تسحرون﴾ وقال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه وفسر شركهم بعبادة غيره.
قال رحمه الله تعالى: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالأصنام وقد رد عليهم جميعهم، وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ وقال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ الآية وقال: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر﴾ الآية ونحو ذلك في القرآن كثير، وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
[ ٩٦ ]
قال رحمه الله تعالى وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه، كالحب والخضوع والإنابة والتوكل، والدعاء والاستعانة والاستغاثة، والخوف والرجاء والنسك والتقوى، والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومدده، وإحسانه وكرمه فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها؛ بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مردود على صاحبه، وإنا أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصْد غير الله بهذا وتأْليهه لذلك قال تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ وقال تعالى: ﴿أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولاهم منا يصبحون﴾ وقال تعالى: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون﴾ الآية، وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين﴾ ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنا كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم
[ ٩٧ ]
الحجة الرسالية، وماعدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا نُكَفِّر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور بمجرد ذنب ارتكبوه وعظيم جرم اجترحوه، وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف، لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
قال ﵀ ومجرد الاتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلما؛ بل هو حجة على ابن آدم خلافا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرامية، ومجرد التصديق كالجهمية، وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وسجل على كذبهم مع أنهم أتو بألفاظ، مؤكدة بأنواع من التأكيدات، قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ فأكَّدَوا بلفظ الشهادة و(إن) المؤكدة، واللام والجملة الاسمية فأكذبهم، وأكد تكذيبهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع، والعلم البشيع الفظيع، وبهذا تعلم أن مسمى الإيمان لابد فيه من الصدق والعمل.
ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له، وإن صلى
[ ٩٨ ]
وزكى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام، قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضًا: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ الآية وقال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾ الآية وقال تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنا حسابه عند ربه﴾ الآية والكفر نوعان مطلق ومقيد فالمطلق أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول - ﷺ -، والمقيد أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول - ﷺ - حتى أن بعض العلماء كفَّر من أنكر فرعا مجمعا عليه، كتوريث الجد أو الأخت وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعوا الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولبها، وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة؛ بل كفَّروا ببعض الألفاظ التي تجري على الألسن بعض الجهال وإن صلى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة كفَّروا من منع الزكاة، وقاتلوهم مع اقرارهم بالشهادتين والاتيان بالصلاة والصوم والحج.
قال ﵀: واجتمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها، وذكر أن ابن الجوزي صنف كتابًا في وجوب غزوهم وقتالهم سماه (النصر على مصر) قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من
[ ٩٩ ]
العلم والدين، فتسمية عباد القبور مسلمين لأنهم يصلون ويصومون، ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام، وتلبيس لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون. إلى آخرها.
[ ١٠٠ ]