[ونختم الكلام بخاتمة] في بيان الفرقان بين الحق والباطل يظهر بها طريق الهدى من الضلال، وذلك أن الله ﷾كما تقدم التنبيه عليه- أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاءوا (*) به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه، وأمرنا أيضًا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به شيئًا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا، وفرق بين حقه الذي يختص به والذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي، وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عمومًا ولمحمد خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصًا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، فاصطفى من الملائكة حبريل لرسالته، واصطفى من البشر محمدًا ﷺ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغًا له عن الله قال تعالى: ﴿من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ [سورة البقرة: (٩٧)]، وقال: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ [سورة الشعراء: (١٩٢ - ١٩٥)]، كما قال في الآية الأخرى ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذي آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ [سورة النحل: (١٠١ - ١٠٣)] وقوله ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ إلى قوله: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ يبين أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه، وبعض الكفار لما زعم أنه يتعلم من بشر قال الله تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه﴾ أي
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (تبرؤا)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٤٨١ ]
يضيفون إليه التعليم ﴿أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ فدل على أن هذا اللسان العربي المبين تعلمه من الملك، لم يتعلمه من بشر ولا من تلقاء نفسه، بل جاءه به روح القدس، وروح القدس هو جبريل، وهو الروح الأمين، فإنه أخبر أن جبريل نزله على قلبه وأخبر أن الروح الأمين نزل به عليه، فعلم أن جبريل هو الروح الأمين. وقال ها / هنا إنه ﴿نزله روح القدس من ربك﴾ فعلم أنه روح القدس. وقال في سورة التكوير [(١٩ - ٢٣)] ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾، ثم قال ﴿وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين﴾ كما ذكر ذلك في سورة النجم. وقال في سورة الحاقة [(٣٨ - ٤٧)] ﴿فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون -إلى قوله- حاجزين﴾ فهذا محمد كما يدل عليه الكلام كله، وهذا قول عامة العلماء.
وقد غلط بعض من شذ فزعم أن جبريل غلط، كما غلط منهو أعظم غلطًا منه فزعم أن التي في التكوير في محمد ﵇، وهو سبحانه إنما أضافه إلى هذا تارة وإلى هذا تارة بلفظ الرسول ﷺ ليبين أنه قول رسول بلغه عن مرسله، لم يحدث منه شيئًا من تلقاء نفسه. ولا منافاة بين أن يكون ذلك الرسول بلغه إلى هذا، وهذا بلغه إلى الإنس والجن، فهو قول هذا وقول هذا.
وقد غلط بعض الناس فظن أنه أضافه إلى الرسول لأنه أحدث القرآن العربي وعبر به عن المعنى الذي فهمه. وهذا باطل من وجوه: إذ لو كان هذا حقًّا تناقض
[ ٤٨٢ ]
الخبران، فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآخر أحدثه، فإنه إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه، بخلاف ما إذا بلغه فإنه يبلغه هذا إلى هذا وهذا إلى الناس والناس يبلغونه بعضهم إلى بعض، كما قال تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [سورة الأنعام: (١٩)]. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصًا، وبالملك الذي جاءه بالقرآن، فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم مجملًا، وأما محمد ﷺ فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به، وأن نصدقه في كل ما أخبر به، وغيره من الأنبياء ﵈ علينا أن نؤمن / بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق، وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم، ومحمد ﷺ أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين العام: مثل عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بالملائكة والنبيين وجمل الشرائع، بعد ما ذكره في سورة الأنعام، وسبحان، بل وعامة السور المكية، فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل.
[ ٤٨٣ ]
ولكن بعض الأمور التي يقع في مثلها النسخ -مثل يوم السبت، وحل بعض الأطعمة وحرمتها، واتخاذ منسك هم ناسكوه- وهو مما تنوعت فيه الشرائع، وخص الله محمدًا ﷺ بأفضل الشرائع والمناهج، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما أوتوا، كما قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى﴾ الآية [سورة البقرة: (١٣٦)] وقال تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [سورة البقرة: (١٧٧)]، وقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [سورة البقرة: (٢٨٥)]، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل -إلى قوله- وكان الله غفورًا رحيمًا) [سورة النساء: (١٣٦ - ١٥٢)]، فالأنبياء وسائط بين الله ﷿ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان وسيكون.
وأما محمد ﷺ فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق، وقد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم، وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة لا يسعها هذا الموضع. وهو سبحانه مع هذا قد نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم، فقال تعالى: ﴿ما كان
[ ٤٨٤ ]
لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله -إلى قوله- / مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)]، فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر مع وجوب الإيمان بهم، ما لم يحصل بعبادة الأوثان فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه، وكما كان نبينا ﷺ يكسر الأصنام ويهدم بيوتها وقد قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [سورة الأنبياء: (٩٨)] فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.
والملائكة والأنبياء -بل الصالحون- يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء مع أنه يحرم الغلو والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركًا، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر، والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا. والله تعالى يميز حقه من حق غيره.
ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل [﵁] أن النبي ﷺ قال له (يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد [وما حق العباد على الله]؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري يا معاذ ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم). وقد قال
[ ٤٨٥ ]
تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل أمة شهيدًا﴾ الآية [سورة القصص: (٧٤ - ٧٥)]. فالرسل كلهم -نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم- يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم. قال نوح ﵇ ﴿يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾. [وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [سورة هود: (٥٠ و٦١ و٨٤)] وقال تعالى ﴿كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون﴾] [سورة الشعراء: (١٠٥ - ١٠٨)]، وكذلك [قال سائر الرسل -هود وصالح ولوط وشعيب- كل يقول: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾] [سورة الشعراء: (١٢٦ و١٤٤ و١٦٣ و١٧٩)] [وكذلك في] رسالة محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [سورة النور: (٥٢)]، فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده / ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد -إلى قوله- أفغير الله تتقون﴾ [سورة النحل: (٥١ - ٥٢)]، فأنكر سبحانه أن يتقى غيره، كما أمر ألا نرهب إلا إياه. وقال تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ الآية [سورة البقرة: (١٥٠)]. وقال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ الآية [سورة التوبة: (١٨)]. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى
[ ٤٨٦ ]
ويخاف، ولا يخشى ويخاف غيره. وقال: ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله [سيؤتينا الله من فضله]﴾ الآية [سورة التوبة: (٥٩)] ففي الإيتاء قال: ما آتاهم الله ورسوله كما قال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر: (٧)]، لأن الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، فما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول والعمل، كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه، وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما أباحه له فهو المباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه، فلهذا قال تعالى ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله﴾ [سورة التوبة: (٥٩)]، ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده أي كافيه، لا يحتاج الرب في كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجيء هذه الكلمة إلا لله وحده، كقوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ الآية [سورة آل عمران: (١٧٣)]، وقال تعالى: ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم﴾ [سورة التوبة: (١٢٩)]، وقال تعالى: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره -إلى قوله- يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [سورة الأنفال: (٦٢ - ٦٤)] أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما قاله جمهور أهل العلم، ومن قال إن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط ولم يجعل الله وحده حسبه بل جعله وبعض المخلوقين حسبه وهذا مخالف لسائر آيات القرآن. وقال: ﴿أليس الله بكاف
[ ٤٨٧ ]
عبده﴾ [سورة الزمر: (٣٦)]، فهو وحده كاف عبده. وقال تعالى: / ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [سورة الطلاق: (٣)]، فلهذا قال تعالى: ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ ولم يقل ورسوله، ثم قال: ﴿إنا إلى الله راغبون﴾ [سورة التوبة: (٥٩)]، ولم يقل ورسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال: ﴿فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب﴾ [سورة الشرح: (٧ - ٨)] فالرغبة تتضمن التوكل وقد أمر أن لا يتوكل إلا عليه، كقوله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا﴾ [سورة المائدة: (٢٣)]، وقوله ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [سورة النحل: (٩٩)] فالتوكل على الله وحده والرغبة إليه وحده والرهبة منه وحده، ليس لمخلوق لا للملائكة ولا الأنبياء [في هذا حق]، كما ليس لهم حق في العبادة. ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده، ولا نخشى ولا نتقي إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياتهم زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [سورة الأنفال: (٢)]، فإذا قال القائل: لا يجوز التوكل إلا على الله وحده ولا العبادة إلا لله وحده، ولا يتقى ويخشى إلا الله وحده -لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم- كان هذا تحقيقًا للتوحيد، ولم يكن هذا سبًّا لهم ولا تنقصًا بهم ولا عيبًا لهم، وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق. ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق، والملائكة والأنبياء كلهم عباد لله يعبدونه، كما قال تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون﴾ [سورة النساء: (١٧٢)]، وقال تعالى:
[ ٤٨٨ ]
﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ إلى قوله ﴿كذلك نجزي الظالمين﴾ [سورة الأنبياء: (٢٦ - ٢٩)]، فإذا نفى عن مخلوق -ملك أو نبي أو غيرهما- ما كان من خصائص الربوبية، وبين أنه عبد لله، كان هذا حقًّا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق، فإن رفعه عن ذلك كان عاصيًا بل مشركًا، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين [عن ابن عباس عن عمر] قال: قال رسول الله / ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله) والله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله وحين تحدى وحين أسرى به، فقال تعالى: ﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ [سورة الجن: (١٩)]، وقال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [سورة البقرة: (٢٣)]، وقال تعالى في سورة الإسراء [(١)]: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾، وأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك، كما ذكر طائفة من المفسرين أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا وتقول إنه عبد الله، فقال النبي ﷺ: (ليس بعيب لعيسى أن يكون عبدًا لله) فنزل الله ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون﴾ [سورة النساء: (١٧٢)]،
[ ٤٨٩ ]
أي لم يأنف المسيح من ذلك ولم يتعظم من جعله عبدًا لله. فعند النصارى الغلاة أنه سبه وعابه. ولهذا لما سأل النجاشي جعفر بن أبي طالب: ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، رفع النجاشي عودًا وقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود. فنخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم. فهم يجعلون قول الحق في المخلوق سبًّا له، وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني [ابن آدم] وما ينبغي له ذلك. فأما شتمه إياي فقوله أني اتخذت ولدًا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي فقوله إنه لن يعيدني / كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته)، رواه البخاري من حديث ابن عباس. فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبونه، وقد كان معاذ
[ ٤٩٠ ]
بن جبل يقول عن النصارى: "لا ترحموهم فقد سبوا الله سبة ما سبه إياها أحد من البشر". وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوًا أهذا الذي بعث الله رسولًا﴾ [سورة الفرقان: (٤١)]، وقال تعالى: ﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوًا أهذا الذي يذكر آلهتكم -أي يعيبها- وهم بذكر الرحمن هم كافرون﴾ [سورة الأنبياء: (٣٦)]، فكانوا ينكرون على محمد ﵇ أن يذكر آلهتهم بما تستحقه، وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك، كما قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ [سورة الأنعام: (١٠٨)]، وهكذا من فيه شبه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم، فإذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك، وهو وأصحابه يستخفون بعبادة الله وحده وبحقه وبحرماته وشعائره ولا ينكر ذلك.
ويحلف أحدهم بالله ويكذب، ويحلف بمن يعظمه ويصدق ولا يستجيز الكذب إذا حلف به.
وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين. وكذلك قد يعيبون من نهى عن شركهم كالحج إلى القبور التي يحجون إليها عادة، وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه، وقد ينهون عن الحج اعتياضًا إلى القبور ويقولون: هذا الحج الأكبر. وهؤلاء من جنس المشركين وعباد الأوثان.
وكذلك هذا المعترض وأمثاله يرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالًا بحقهم ومعاداة لهم ونحو ذلك. وهم لا يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ
[ ٤٩١ ]
عباده من دونه / أولياء إخلالًا بحقه ومعاداة له.
ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله ﷿ قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة -إلى قوله- حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [سورة الممتحنة: (١ - ٤)] فأمر بالتأسي بإبراهيم ومن معه لما تبرءوا (*) من المشركين وما يعبده المشركون، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء [حتى يؤمنوا بالله وحده]، فالمشرك والآمر بالشرك والراضي به معاد لله، ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه وأولياءه. وأما من أمر بما جاءت به الرسل فلم يعادهم ولم يعاندهم. قال الله تعالى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ إلى آخر السورة.
وهنا موضع يشكل، وذلك أنه قال ﵇ في [الحديث الصحيح]: (أصدق كلمة قد قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل).
وذلك مثل قوله: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [سورة الحج: (٦٢)]، فالمراد بالباطل ما لا ينفع، وكل ما سوى الله لا تنفع عبادته، كما في الأثر (أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (تبرؤا)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٤٩٢ ]
باطل إلا وجهك الكريم) فإن هذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء، وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسنى فكيف يدخلون في الباطل؟ وكذلك قوله ﴿فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [سورة يونس: (٣٢)]. فيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل. وقد يقال عن الشيء أنه لا شيء [وليس بشيء لانتفاء المقصود منه]، وكما قال ﵇ عن الكهان لما سئل عنهم فقال (ليسوا بشيء) فقال إنهم يحدثون بالشيء فيكون حقًّا، فذكر أن ذلك من الجن تخطف الكلمة من الحق ويزيدون فيها من الكذب مائة كذبة، فهم ليسوا بشيء أي لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة، لأنهم يكذبون كثيرًا فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم / كذب، وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون، فقوله: (ليس بشيء) مثل قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، وقوله: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [سورة الحج: (٦٢)]، فهو من جهة كونه معبودًا باطل لا ينتفع به ولا يحصل لعابده مقصود العبادة، وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره، وهو يسجد لله ويسبحه. وكذلك الملائكة
[ ٤٩٣ ]
والأنبياء إذا نفى عنهم كونهم آلهة معبودين تبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به ولم ينف ذلك ما يستحقونه من الإكرام والإجلال وعلو قدرهم عند الله تعالى، والتبري من عبادتهم وكونهم معبودين لا من موالاتهم والإيمان بهم وقولهم ﴿إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ [سورة الممتحنة: (٤)] أي ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين، كما قال الخليل ﵇ ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون﴾ [سورة الأنعام: (٧٨)]. فهو بريء من كل شريك بالله من جهة كونه جعل شريكًا وندًّا لله، ولم يبرأ منه من جهات أخرى. فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة لمنافع العباد، وكونها تسجد لله وتسبحه، وكونها من آياته العظيمة، بل من جهة كونها شركاء لله وقوله: ﴿إني بريء مما تشركون﴾ وإن كان يقال: [ما مصدرية، أي من شرككم] فقد صرح في قوله ﴿إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ [سورة الممتحنة: (٤)]، أي بريء من المعبودين من دون الله، وكذلك قوله ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [سورة الشعراء: (٧٥ - ٧٧)] أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقًا، والشمس والقمر
[ ٤٩٤ ]
والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها [آلهة معبودة]، فتبغض من هذه الجهات وتعادى، مع وجوب الإيمان بالملائكة. /
وإذا قيل للنصارى نحن برآء من شرككم ومما تعبدون من دون الله وقد قال تعالى: ﴿قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا والله هو السميع العليم﴾ [سورة المائدة: (٧٩)] هذا بعد قوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ [سورة المائدة: (٧٥)]، فقد عبد المسيح وغيره، فالبراءة من كل معبود سوى الله كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كون ما سوى الله معبودًا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولًا كريمًا وجيهًا عند الله، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق، والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرءون (*) ممن عبدوهم ويعادونهم ولا يوالونهم، قال الله تعالى: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون -إلى قوله تعالى- أكثرهم بهم مؤمنون) [سورة سبأ: (٤٠ - ٤١)] وقال: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله﴾ الآية [سورة الفرقان: (١٧)] وقال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ الآية [سورة القصص: (٦٢)]، وقال تعالى: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء﴾ [سورة الكهف: (١٠٢)]، وقال تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع: (يتبرؤن)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٤٩٥ ]
أولياء فالله هو الولي﴾ [سورة الشورى: (٩)]، وقال تعالى: ﴿قل أغير الله اتخذ وليًّا﴾ الآية [سورة الأنعام: (١٤)].
وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم دونه، فمن أحبهم ووالاهم لله فهو مؤمن موحد ومن جعلهم أندادًا وأحبهم كما يحب الله فهو مشرك، فالحب لله توحيد وإيمان، والحب كما يحب الله شرك وكفر. وكذلك الشفاعة قال تعالى: ﴿ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع﴾ [سورة السجدة: (٤)]، وقال: ﴿ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع﴾ [سورة الأنعام: (٧٠)]، وقال: ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [سورة يونس: (٣)] وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [سورة البقرة: (٢٥٥)]، وقال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٣)]، فتبين أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له حتى إذا قضى الأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، / وصعقوا فلا يعلمون ما قال: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سورة سبأ: (٢٣)]، فحينئذ يعلمون ما قضى به، فكيف يشفعون بدون إذنه؟ قال الله تعالى: ﴿بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ [سورة الأنبياء: (٢٦ - ٢٧)]، وقال ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئًا﴾ الآية [سورة الزمر: (٤٣)]، وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد ﷺ. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة -أحاديث الشفاعة-
[ ٤٩٦ ]
أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح ونوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى المسيح والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين، فيقول: اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال ﷺ: (فيأتوني، فأذهب إلى ربي، فإذا رأيت ربي خررت ساجدًا وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، وحينئذ فيقول: أي محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال: فأقول: أي رب أمتي. فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة) وكذلك ذكر في الثانية والثالثة.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة (قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ: يا أبا هريرة، ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) فقد بين أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود والحمد لله، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فإذا أذن له
[ ٤٩٧ ]
فحينئذ يشفع، فإذا شفع حد له حدًّا فيدخلهم الجنة. وبين أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصًا وتوحيدًا، لا من كان سائلًا وطالبًا منه أو من غيره، فالأمر كله لله وحده لا شريك له، هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار، فربك / يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون.
فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم، ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك، فالأنبياء يتبرءون (*) منهم، ومحمد ﷺ بريء من عمل من يخالف أمره وسنته، قال الله تعالى: ﴿فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون﴾ [سورة الشعراء: (٢١٦)]، ولا ينفع من عصى أمر الرسول أن يقول قصدي تعظيمهم فإنه إنما أمر بطاعتهم ولم يؤمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس. قال الله تعالى ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله -إلى قوله- شهيد﴾ [سورة المائدة: (١١٦ - ١١٧)] فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به أن يعبدوا الله وحده، وكذلك سائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [سورة الأنبياء: (٢٥)] وهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين، لا يعبد بما
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع: (يتبرؤن)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٤٩٨ ]
شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك، قال الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [سورة الشورى: (٢١)]، وقال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا -إلى قوله- ما تدعوهم إليه﴾ [سورة الشورى: (١٣)].
والدين الذي شرعه إما واجب وإما مستحب، فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع. [والحج إلى القبور] ليس من شرعه لا واجبًا ولا مستحبًّا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثًا صحيحًا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه ولا علماء أمته، وإنما ينقل في ذلك أحاديث مكذوبة فهي من الإفك والشرك، وإنما السفر إلى المساجد الثلاثة لأنه سفر إلى بيوت الله التي بنتها الأنبياء لعبادته وأحدها يجب الحج إليه، والآخران يستحب السفر إليهما، والحج الواجب كما يختص بذلك المكان فهو يختص بأعمال لا تشرع في غيره كالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة والوقوف / بعرفة ومزدلفة ومنى ورمي الجمار وسَوْق الهدي إلى هناك وغير ذلك.
وأما المسجدان الآخران فلا يشرع فيهما إلا من جنس ما يشرع لسائر المساجد كالصلاة والذكر والدعاء والاعتكاف، لكن للعبادة فيهما فضيلة على العبادة في سائر المساجد أوجبت تلك الفضيلة أن يشرع السفر إليهما.
وقبر النبي ﷺ مجاور مسجده، فإذا أتى مسجده فعل فيه ما يشرع له من حق الرسول من الصلاة والسلام وغير ذلك، وكل ما يفعله من ذلك في مسجده فهو
[ ٤٩٩ ]
مشروع في سائر المساجد والأمكنة، لكن مسجده أفضل، فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وهذا الفعل المشروع في حقه -كالصلاة والسلام- هل يسمى زيارة لقبره ويطلق ذلك عليه؟ على قولين معروفين، فإنه لا يوصل إلى قبره ويزار الزيارة المعروفة في حق غيره بل قد منع الناس من ذلك، فما بقي المشروع هناك كالمشروع من الزيارة لسائر القبور إذ كان الله قد خص نبيه بالأمر بالصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان، وخص بالدفن في حجرته فلا يصل أحد إليه لئلا يتخذ قبره مسجدًا ووثنًا وعيدًا. فكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب وإخلاص الدين له وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم، فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنًا وظاهرًا. ﷺ تسليمًا. والحمد لله وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه وسلم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وجد في آخر الأصل ما نصه:
آخر كتاب (الرد على الإخنائي) قاضي المالكية، واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية لا البدعية، لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية.
أنهاه بقلمه راجي عفو ربه وكرمه الفقير إلى رحمة ربه الولي، حسين بن حسن بن حسين بن علي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين. جعله الله نافعًا
[ ٥٠٠ ]
من قرأه ومن نظر فيه ومن سأل لوالدي المغفرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غرة جمادى الآخرة سنة ١٣٠٣هـ.
* * *
[ ٥٠١ ]