فصل
قال:
ـ[واعلم أن الزيارة لا يتصور أن تكون منفكة عن الحركة من مكان إلى مكان، ولو حصل ذلك بطي الأرض أو الطيران. فإن حصولها بغير ذلك أمر لا تقبله الأذهان، واعتقاده ضرب من الهذيان لأن الزائر لا يطلق عليه زائر إلا بعد حركته وانتقاله، وخروجه عن محله وارتحاله. وكيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة، والقصد المطلوب طاعة معظمة؟ فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات، كنقل الخطا إلى المساجد والجماعات. فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل عليه قوله من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره.]ـ
يقال: كلام هذا المعترض كثير الألفاظ والأسجاع، قليل الفائدة التي يحصل بها الانتفاع. فأسجاع كأسجاع الكهان، ليس فيها برهان ولا بيان. لا استدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نقل لقول أئمة الدين أهل الإجماع والنزاع. بل يطول الكلام فيما يفهمه الأغنام، ويجعل عدته انتهاك أعراض أئمة الإسلام، والطعن على شريعة خير الأنام، بقلة علم، وسوء فهم، وإعراض عن التفقه والتعلم
[ ٣٩١ ]
والتفهم والإعلام. وهذه / المسألة المتنازع فيها وفيما يناسبها عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة محكمة، وفيها لأئمة الدين أقوال صريحة مفهمة. لم يذكر شيئًا من ذلك، بل عمدته اتباع ما تشابه من القول يبتغي الفتنة ويبتغي تأويله، وليس من الراسخين في العلم الذي يعرفون تأويله الذي هو تفسيره ومعناه، وإن كان له تأويل آخر استأثر به الله، وكلا القولين في الوقف والابتداء منقولان عن السلف الأتقياء، وكل من القولين قاله طائفة من السلف العلماء.
وأهل الضلال كالنصارى، وأهل البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية، يتبعون ما تشابه عليهم معناه، ويدعون المحكم المنصوص الذي بينه الله، ويقولون لمن اتبع المسيح وآمن بما قاله من أنه عبد الله ورسوله -كما صرح به في غير موضع من إنجيله- إنه قد شتم المسيح وتنقصه وعابه وعاداه، وهم قد شتموا الله وأشركوا به وكذبوا المسيح وعصوه، فكفروا بالله ورسوله. وهكذا الغلاة في علي يقولون لمن اتبع عليًّا فيما أخبر به عن نفسه واتبع الرسول فيما قاله عن علي وغيره: إنه شتم عليًّا وآذاه. وهم الذين كذبوا عليًّا وخالفوه، بل خالفوا الرسول الذي به آمن علي، وعمدتهم التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب، وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب، كالنصارى: تارة ينقلون عن المسيح وغيره من الأنبياء أقوالا باطلة، وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة لا تدل على ما ابتدعوه.
وهكذا أهل البدع الذين يدعون أهل القبور ويحجون إليها ويجعلون أصحابها أندادًا لله حتى يقول بعضهم: إن الحج إليها أفضل من الحج إلى بيت الله. وأهل البدع في القبور أنواع متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع. لكن عمدتهم إما
[ ٣٩٢ ]
أحاديث مكذوبة وإما ألفاظ مجملة متشابهة كلفظ زيارة / القبور ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور، وحصل فيها اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهور، ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه التي ليس في سندها ولا فيما يستدل به من معناها نزاع بين العلماء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم وغيره (لا تشدوا الرحال) بصيغة النهي، وهو أيضًا مروي عنه من وجوه أخر كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة عن النبي ﷺ، ولفظه أنه قال (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده، واتفقوا على وجوب العمل بمعناه، واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور. ثم تنازعوا هل مراده النهي، أو مراده نفي الاستحباب والفضيلة؟ وما اتفقوا عليه كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع.
وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلا يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة. والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح فقال (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وأبو سعيد سمعه من النبي ﷺ، هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره، بخلاف رواية أبي هريرة
[ ٣٩٣ ]
فإنها مطلقة، وأبو هريرة كان يروي الحديث، ثم يقول: حدثني فلان كما في حديث صوم الجنب، فقال: حدثنيه الفضل بن عباس، ومثل ما في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه (لعن الله / اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، وغير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا.
وفي الصحيحين أيضًا عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها [عن وجهه] فقال وهو كذلك (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ذلك، مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله، لكن إذا اتخذت القبور مساجد للعبادة صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنًا، فإذا كان قد لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح! وإذا كان هذا حال من دعا أهل القبور من غير حج إليهم، فكيف بمن حج إليهم أو جعل الحج
[ ٣٩٤ ]
إليهم أفضل من الحج إلى بيت الله، بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به ويلبي ويحرم إذا حج إلى آثارهم كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف وكما حج مرة إلى قبر الرسول ﷺ ثم رجع ولم يحج إلى مكة وقال: حصل المقصود بهذا.
وهو ﷺ في مرضه يكرر تحذير أمته فينهاهم علانية في المسجد، ثم لعن من يفعل ذلك -وهو منزول به في السياق- حرصًا على هذه الأمة وتحذير الأمة من مظان الشرك وأسبابه، إذ كان جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك. والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه، وبيان شقاوة أهله.
ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله / قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إلا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس، ولعنه في مرضه من يفعل ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، [وفي لفظ لمسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].
[ ٣٩٥ ]
وفي الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة ذكرتا من حسنها وتصارير فيها لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: ([إن هؤلاء] كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) ذمهم على هذا وهذا، ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا.
وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أمرني أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته)، فأمره بطمس التماثيل وتسوية القبور العالية المشرفة، إذ كان الضالون أهل الكتاب أشركوا بهذا وبهذا: بتماثيل الأنبياء والصالحين، وبقبورهم.
وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد).
وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ: (لا
[ ٣٩٦ ]
تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) وبسط هذا له موضع آخر، ولكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ولا دليل، بل حجته من جنس ما ذكره هنا أن الزيارة لا بد فيها من الحركة والانتقال، وهذا معلوم لكل أحد.
فقوله: والزيارة نفسها قربة والوسيلة إلى القربة قربة، هذا مضمون كلامه.
ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة ومنع من الوسيلة إليها وهو السفر، ولهذا قال:
ـ[فلو علم هذا القائل ما في كلامه من [الخطأ والزلل]، وما اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره.]ـ
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: أنت المتناقض فيما حكيته عنه، فإنك في أول كلامك قلت إنه ظهر لك من صريح كلامه وفحواه مقصده السيء ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعوى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها.
وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقًا، ولا حكى ذلك عن أحد فضلًا عن أن يحكيه إجماعًا، لكن هذا قول طائفة من السلف حرموا زيارة القبور مطلقًا كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن سيرين، لكن المجيب لم
[ ٣٩٧ ]
يذكر هذا القول فإنه قول مرجوح، ولو قدر أنه حكاه لم يحك الإجماع على التحريم، فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، إذ كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال أواستحباب ذلك.
ثم هنا جعلت المجيب يجوز الزيارة وينهى عن الوسيلة إليها وهو السفر، فجعلته متناقضًا.
وكذلك قلت بعدها:
ـ[لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، / الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم. ونقل عدم الجواز إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه.]ـ
فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء وهو جواز السفر للزيارة فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ هذا هوالتناقض. ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض فقلت:
ـ[ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام، وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام. فليت شعري حين قال هذا أكان به جنة، أم أدركته من الله محنة؟]ـ
فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن سواء المنهج، وتناقض فيما يقول وجعل غيره هو المتناقض، كما قيل في المثل السائر (رمتني بدائها وانسلت).
[ ٣٩٨ ]
ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون، قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ [سورة الذاريات: (٥٢)]، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿وقالوا مجنون وازدجر﴾ [سورة القمر: (٩)]، وقال فرعون ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [سورة الشعراء: (٢٧)]، [وقال تعالى: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾] [سورة الحجر: (٦)].
فيقال: لفظ الجواب أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين.
وقوله: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء احترازًا عن السفر المشروع، كالسفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ إذا سافر السفر المشروع، فسافر إلى مسجده وصلى فيه وصلى عليه وسلم عليه ودعا وأثنى كما يحبه / الله ورسوله، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع، فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور بل للصلاة في المسجد، فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلي فيه لقوله ﷺ (صلاة في مسجدي هذا
[ ٣٩٩ ]
خير من ألف صلاة فيما سواه) ولقوله (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة النبي ﷺ، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين، ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة قبره محرم مطلقًا، بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول ﷺ كان هذا مستحبًّا مشروعًا باتفاق المسلمين، لم يكن هذا مكروهًا عند أحد منهم، لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره، وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره ﷺ، لكنهم يعلمون ويقولون إنه إنما يصل إلى مسجده، وعلى اصطلاح هؤلاء من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار قبره ﷺ الزيارة الشرعية لم يكن هذا محرمًا عند أحد من المسلمين، بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه.
فالسؤال والجواب كان عن جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين كما يفعل أهل البدع، ويجعلون ذلك حجًّا، أو أفضل من الحج، أو قريبًا من الحج، حتى يروي بعضهم حديثًا ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من زار الخليل قال فيه: وقال وهب بن منبه / (إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين
[ ٤٠٠ ]
الحج، فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم فإن زيارته تعدل حجة)! وهذا كذب على وهب بن منبه، كما أن قوله (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) كذب على رسول الله ﷺ.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس واستنقذ من أيدي النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة، فإن النصارى نقبوا قبر الخليل وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحظرة.
وأما على عهد الصحابة والتابعين -وهب بن منبه وغيره- فلم يكن هذا ممكنًا، ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابيعن أنه سافر إلى قبر الخليل ﵇، بل ولا قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ ولا غيرهم.
ووهب بن منبه كان باليمن لم يكن بالشام، ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء والمتقدمين. مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما.
وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل، وليس فيه شيء من هذا ولكن أهل الضلال افتروا آثارًا مكذوبة على الرسول ﷺ وعلى أصحابه والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين، أو إلى قبور الأئمة
[ ٤٠١ ]
كموسى والجواد وموسى بن جعفر وغيرهم من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر، ليس له غرض في الحج إلى قبر الخليل.
وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا / دينهم وكانوا شيعًا. فلكل قوم هدي يخالف هدي الآخرين، قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها -إلى قوله-[من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم] فرحون﴾ [سورة الروم: (٣٠ - ٣٢)].
وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلًا عن الحج.
فالجواب كان عن مثل هؤلاء، ولكن ذكر قبر نبينا ﷺ لشمول الأدلة الشرعية. فإنه اذا احتج بقوله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد لا إلى مجرد القبر، كما قال مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)، وهذا كما لو نهى الناس أن يحلفوا بالمخلوقات
[ ٤٠٢ ]
وذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسم (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، وقوله ﷺ (لا تحلفوا إلا بالله) ونحو ذلك، وقي إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم. فإذا قيل: ولا بالنبي ﷺ؟ لزم طرد الدليل، فقيل: ولا يحلف بالنبي ﷺ. كما قال جمهور العلماء - وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين.
ومن الناس من يستنثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف، فجوزوا الحلف به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وخصوه بذلك.
وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات. لكن قول الجمهور أصح، لأن النهي هو عن الحلف بالمخلوقات كائنًا من كان، كما وقع النهي عن عبادة المخلوق وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه وجعله ندًّا لله. وهذا متناول لكل مخلوق: نبينا، وسائر الأنبياء، والملائكة وغيرهم، فكذلك الحلف بهم، والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم. وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه.
ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال.
قيل: يقصر الصلاة مطلقًا في كل سفر لزيارة القبور.
[ ٤٠٣ ]
وقيل: لا يقصر مطلقًا في شيء من ذلك.
وقيل: يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة.
وقيل: بل لزيارة قبره ﷺ وقبور سائر الأنبياء. فالذين استثنوا نبينا قد يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق فتقصر فيه الصلاة، بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه سفر لمجرد القبر، وقد يستثنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في الحلف. ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء.
والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده ثم إن الناس أقسام:
منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه.
ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر، ولا يقصد الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع.
ومنهم من يقصد هذا وهذا.
فهذا لم يذكر في الجواب إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين.
ومن الناس من لا يقصد إلا القبر، لكن إذا أتى المسجد صلى فيه، فهذا أيضًا يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد، والصلاة على النبي ﷺ، والسلام عليه، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه، ومحبته، وموالاته، والشهادة له
[ ٤٠٤ ]
بالرسالة والبلاغ، وسؤال الله الوسيلة له ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده -بأبي هو وأمي ﷺ -.
ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة، بل يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة / القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه وفعل مايشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر بخلاف قبر غيره، فإذا عرف معنى أول الجواب فالمجيب لما ذكر القولين وحجة كل منهما وذكر أن يحمل قوله ﷺ (لا تشد الرحال) على نفي الاستحباب وأن أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين:
أحدهما: أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات، فإذًا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدّر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من ذاك.
الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم. فهذا الإجماع المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة، وسافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، فإن الذين قالوا بالجواز قالوا إن قوله ﷺ: (لا تشد الرحال الخ) يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب وليس هو واجبًا بالاتفاق فلا يكون قربة وطاعة، فإن
[ ٤٠٥ ]
القربة والطاعة إما واجب [وإما مستحب]، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس قربة ولا طاعة بالإجماع. / فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة أو قال إنه قربة وطاعة أو فعله لأنه قربة وطاعة، فقد خالف هذا الإجماع. ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين، وامتنع من أن يفعله لذلك. وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة ويكون مخطئًا في هذا الاعتقاد، وإن كان خطؤه مغفورًا له؛ وهذا لا يعاقب على هذا الفعل لأنه لم يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما نهى عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلى في أوقات النهي ولم يعلم بالنهي، فإن الله يقول: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ [سورة الإسراء: (١٥)]، لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها، فهؤلاء لا يثابون ولا يعاقبون.
وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا ﷺ على الوجه المشروع. فإن هذا السفر مستحب بإجماع المسلمين، فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة الرسول ﷺ ولا مسجده ولا قبره فقد غلط، فإن هذا لم يقله أحد، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان
[ ٤٠٦ ]
معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة -قبور الأنبياء وغيرها- محرم حتى قبر نبينا كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزًا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، واستدلوا بإتيان مسجد قباء، وكذلك طائفة من أصحاب أحمد كأبي محمد المقدسي، / وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة، وكذلك أبو حامد الإسفرائيني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما.
قال أبو المعالي: كان شيخي -يعني والده أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وربما كان يقول: يحرم. قال: والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي.
ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة.
وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي: إنه لا يجب بالنذر، قال: يحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبًا، ويحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبًّا، فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر أو نفي الاستحباب.
وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد، وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه، والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم
[ ٤٠٧ ]
فقال: واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد، كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره قال: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره.
قلت: والقاضي عياض مع مالك، وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة / مرغب فيها، أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلى عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم.
وقد قال القاضي عياض في هذا الفصل -فصل الزيارة- قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف.
قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف بوجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده.
وقال في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي. فهذا مالك لم يستحب إلا السلام خاصة كما كان ابن عمر يفعل، قال نافع: رأيت ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول:
[ ٤٠٨ ]
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف.
قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي عياض: وعن ابن قسيط والقعنبي كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر لا من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر.
وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي مذهب أحمد نزاع، والمشهور عند أصحابه كما قال مالك.
وفي منسك المروذي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي ﷺ: ولا تستقبل الحائط، وخذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر.
وقال: فإذا أردت الخروج فأت المسجد وصل ركعتين وودع رسول الله ﷺ بمثل سلامك الأول، وسلم على أبي بكر وعمر ﵄، وحول
[ ٤٠٩ ]
وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلًا إليه بنبيه ﷺ تقض من الله ﷿. فقد نهاه عن استقبال حائط القبر. وأمره إذا سلم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد، وهذا يقتضي أن يسلم عليهم مستقبل الحجرة بحيث يكون مستقبلًا للمغرب مستدبرًا للمشرق والقبلة عن يمينه ويسلم عليه عند رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر، فإنه كان يسلم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد ولم يكن حينئذ (*) يمكن أحدًا أن يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد ولا كان منفصلًا طريقًا، بل كان متصلًا بحجرة حفصة وغيرها. فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلًا للقبلة والحجرة النبوية عن يساره، كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد.
وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلمون عند وجهه.
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (حيئذ)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٤١٠ ]
وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يدل على هذا القول، بل يدل على قول أبي حنيفة، فإنه ذكر عن بعضهم قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع (*) يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على / النبي ﷺ ثم انصرف. فقول الراوي إنه رفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة دليل على أنه كان مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها، ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي فإن أحدًا لا يصلي إلى الشمال ولا المشرق.
لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في فضل الصلاة على النبي ﷺ قال: حدثني إسحاق بن محمد الفروي حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى السجدتين في المسجد ثم أتى النبي ﷺ فيضع يده اليمنى على قبر النبي ﷺ ويستدبر القبلة ثم يسلم على النبي ﷺ ثم يسلم على أبي بكر وعمر. فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه.
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (فرع)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٤١١ ]
وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر، وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر وكذلك كان سائر علماء المدينة، وكذلك قال أحمد إن ابن عمر فعل ذلك.
قال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل: قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا، قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه -قال أبو عبد الله- شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر.
وقال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، قلت: ويروونه عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا. فرأيته استحسنه.
ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر.
وقلت له: أرأيت أهل العلم من أهل / المدينة لا يرونه ويقومون ناحية فيسلمون عليه، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل ثم قال أبو
[ ٤١٢ ]
عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وقد يقال: هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا يمكنه أن يستقبل الوجه فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى الاستقبال، ويضع يده على الحائط ليعتمد عيها ويكون أبلغ في القرب إلى القبر، لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية، إلا أن يقال: كان يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار، وبسط هذا له موضع آخر.
والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي عن عبيد الله عن عبد الله بن عمر، غلط فيها وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر، فإن أيوبًا رواه عن عبيد الله عن عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق، مع أن رواية أيوب عن نافع رواها حماد بن زيد ومعمر وغيرهما، ورواية مالك عن نافع مشهورة، وكذلك روايته عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن محمد الفروي، ولا يقال إنه ثقة انفرد بزيادة لوجهين:
أحدهما: أنه خالف من هو أوثق منه، كما رواه يحيى بن معين قال: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي ﷺ، وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد شيخ العراق في زمنه عند العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه قال: قرأت على عبيد الله
[ ٤١٣ ]
الزهري حدثك أبوك قال: حدثنا عبد الله بن جعفر عن أبي داود الطيالسي عن يحيى بن معين، فذكره.
وهذا أبو أسامة يروي / عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي ﷺ. وهذا موافق لما ذكره الأئمة -أحمد وغيره- عن ابن عمر، كما دلت عليه سائر الروايات، فلو لم يكن إلا معارضة هذه لرواية إسحاق الفروي -وكلاهما عن عبيد الله- لوجب التوقف فيها، كيف وأبو أسامة أوثق من الفروي، وقد روى ما وافقته العلماء عليه ولم يزد شيئًا انفرد به كما في رواية الفروي.
الثاني: أن الفروي وإن كان في نفسه صدوقًا وكتبه صحيحة فإنه أضر في آخر عمره فكان ربما حدث من حفظه فيغلط وربما لقن فيلقن. ولهذا كانوا ينكرون عليه روايته للحديث على خلاف ما يرويه الناس، مثل ما روى حديث الإفك على خلاف ما رواه الناس، وكذلك حديث ابن عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس. وقد روى عنه البخاري في صحيحه.
[ ٤١٤ ]
وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا وذهب بصره وربما لقن وكتبه صحيحة.
وقال مرة: مضطرب.
وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه فوهاه جدًّا.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وذكره أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات.
وقال الدارقطني: لا يترك. ومما أنكر عليه حديث الإفك فإنه رواه غير ما رواه الناس.
فهذا كلام الأئمة فيه يبين ما ذكرناه فيه من التفصيل. وبذلك يعرف ضعف ما ذكره من حديث ابن عمر، يبين ذلك اتفاق العلماء على كراهة مس قبر النبي ﷺ، فكيف يكون ابن عمر قد مسه ولا يعرفون ذلك كما عرفوا مسه لمنبره؟ وقد ثبت عن ابن عمر أنه كره مسه.
وقد روى أبو الحسن علي بن عمر القزويني أيضًا في أماليه قال: قرأت على عبيد الله الزهري قلت له: حدثك أبوك، قال: حدثني / عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال سمعت أبا زيد حماد بن دليل قال لسفيان -يعني ابن عيينة- قال:
[ ٤١٥ ]
كان أحد يتمسح بالقبر؟ قال: لا ولا يلتزم القبر، ولكن يدنو. قال أبي: يعني الإعظام لرسول الله ﷺ. وحماد بن دليل هذا الذي سمعه أحمد يسأل ابن عيينة هو معروف من أهل العلم، وروى عنه أبو داود، وكان قاضي المدائن.
وروى أيضًا أبو الحسن القزويني عن الزهري عن [أبيه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه] عن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو إسحاق، يعني إبراهيم بن سعد، قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صلى لله عليه وسلم، وكان يكره إتيانه. ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحبة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما.
قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كبير أخرج إلي كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظًا.
[ ٤١٦ ]
وقال محمد بن المثنى: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة، حج مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده. وذكره ابن حبان في الثقات.
وإما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علمًا وأوثقهم، وكان قد خرج إلى بغداد، روى عنه الناس: أحمد بن حنبل وطبقته. ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه.
وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري -الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه- وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين، في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله، وهو أدرك بناء الوليد بن عبد الملك المسجد وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل ذلك من الصحابة / والتابعين.
[ ٤١٧ ]
قال أبو حاتم الرازي: وهو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء. وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن عمر وروى عن عبد الله بن جعفر، وفي سماعه منه نظر، ومات قديمًا بعد القاسم بن محمد بقليل، فإن القاسم توفي سنة إحدى وعشرين ومائة وهذا توفي سنة ست وعشرين ومائة. وقد خرج من المدينة غير مرة: تارة إلى الحج، وتارة كان قد استعمل على الصدقات، ومرة خرج إلى العراق إلى واسط فروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون، وهو الذي روى حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فيه فهو رد) عن القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ، وقد أدرك بالمدينة جابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي وغيرهما من الصحابة، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل قد يخالف ابن عمر، فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره، بل يكره إتيانه مطلقًا كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه ﷺ عن ذلك وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان، وقال ﷺ (لا تتخذوا قبري عيدًا)، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) كما قد بين هذا في مواضع، مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن بحيث كان يختم في اليوم والليلة كثيرًا، وأبو الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من
[ ٤١٨ ]
أهل العلم والدين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود أن ما حكى القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته -التي يسميها بعضهم زيارة، وبعضه يكره أن تسمى زياره- على الوجه المشروع سنة مجمع عليها كما ذكره القاضي عياض، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، ولا من سافر لمجرد قبره فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فهذا لا يقول أحد إنه مجمع على أنه سنة، ولكن / هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس. فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين، ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه.
فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها ولكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه فيه، ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده. ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ذلك. فإن قول النبي ﷺ (لا تشد الرحال) حديث متفق على صحته، وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهيًا، وإما أن يكون نفيًا للاستحباب. وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحًا فتعين أنه نهي.
[ ٤١٩ ]
فهذان طريقان لا أعلم فيهما نزاعًا بين الأئمة الأربعة والجمهور، والأئمة الأربعة وسائر العلماء لا يوجبون الوفاء بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء -قبورهم أو غير قبورهم- وما علمت أحدًا أوجبه إلا ابن حزم فإنه أوجب الوفاء على من نذر مشيًا أو ركوبًا أو نهوضًا إلى مكة أو إلى المدينة أو بيت المقدس. قال: وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء.
قال: فإن نذر مشيًا أو نهوضًا أو ركوبًا إلى مسجد من المساجد غير الثلاثة لم يلزمه. وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال: من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد. وابن حزم فهم من قوله (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) أي لا تشد إلى مسجد، وهو لا يقول بفحوى الخطاب وشبهه، فلا يجعل هذا نهيًا [عما هو] دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى، بل يقول في قول النبي ﷺ (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه): إنه لو بال ثم صب البول فيه / لم يكن منهيًّا عن الاغتسال فيه.
وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب روياتان وهذه إحداهما.
[ ٤٢٠ ]
وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود يقولون إن قوله ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء: (٢٣)]، لا يدل على تحريم الشتم والضرب. وهذا قول ضعيف جدًّا في غاية الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهي أن يبول فيه ثم يغتسل فيه فالذي بال في إناء ثم صبه فيه أولى بالنهي. كما أنه لما نهى عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم -العظام والروث- كان ذلك تنبيهًا على النهي عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى. وكل ما نهى عن الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ذلك.
فلهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجدًا كما جاء عن بصرة بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم.
والصحابة الذين سمعوا هذا الحديث من الرسول ﷺ وغيرهم أدخلوا غير المساجد الثلاثة في النهي، ونهوا أن تشد الرحال إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى، مع أن الله لم يعظم في القرآن جبلًا أعظم منه، وسماه الوادي المقدس والبقعة المباركة، فإذا كان مثل هذا الجبل لا تشد الرحال إليه فأن لا تشد الرحال إلى ما يعظم من الغيران والجبال مثل جبل لبنان وقاسيون ونحوهما بالشام، وجبل الفتح ونحوه بصعيد مصر، بطريق الأولى. بل إذا كان الصحابة لم يكونوا يسافرون إلى الطور ونحوه، بل ولا يزورون إذا قدموا مكة لا جبل حراء الذي
[ ٤٢١ ]
نزل فيه الوحي ابتداء، ولا غار ثور المذكور في القرآن الذي كان فيه النبي ﷺ وصاحبه والله ثالثهما وفيه قال النبي ﷺ لصاحبه: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [سورة التوبة: ٤٠]، والنبي صلى لله عليه وسلم بعد نزول الوحي عليه لم يقرب ذلك الغار ولا غيره مما بمكة إلا المسجد الحرام / والمشاعر، وكذلك لما حج إنما ذهب إلى المسجد الحرام والمشاعر، وقد ثبت في الصحيح أنها أحب البقاع إلى الله تعالى فأغنى ذلك عن غيرها، ولهذا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد باتفاق الأئمة، ولو نذره في غير مسجد لم يوف بنذره، فإنه غير جائز. وقد تقدم عن الصحابة -أبي سعيد وابن عمر وبصرة بن أبي بصرة- أنهم نهوا عن السفر إلى الطور لقول النبي ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). [ولفظ أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم وغيره (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)] بصيغة النهي الصريحة، ورواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة من طريقين. والأماكن التي ينهى عن الصلاة فيها كأعطان الإبل والحمام هي مأوى الشياطين.
وكذلك ما يسافر إليه بعض الناس من المغارات ونحوها من الجبال قاصدين لتعظيم تلك البقعة بالشام ومصر والجزيرة وخراسان وغيرها، وكل موضع تعظمه الناس غير المساجد ومشاعر الحج، فإنه مأوى الشياطين، ويتصورون بصورة بني آدم أحيانًا حتى يظن كثير من الناس أنهم من الإنس وأنهم رجال الغيب
[ ٤٢٢ ]
ويقولون: الأربعون الأبدال بجبل لبنان أو غيره من الجبال، وهي مأوى الجن وهم رجال الغيب كما قال الله تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا﴾ [سورة الجن: (٦)]، سماهم الله رجالًا وسموا جنًّا لأنهم يجتنون عن الأبصار أي يستترون، كما تسمى الإنس إنسًا لأنهم يؤنسون أي يبصرون كما قال موسى ﵇ ﴿إني آنست نارًا) [سورة طه: (١٠)]، أي أبصرت نارًا.
والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة معروفة، لكن كثيرًا من الناس يعتقد أنهم من الإنس وأنهم صالحون يغيبون عن أبصار الخلائق، ولا ريب أن بعض الإنس قد يحجبه الله أحيانًا عن أبصار بعض الناس إما إكرامًا / له أو منعًا له من ظلمهم إن كان وليًّا، وأما احتجاب إنسي طول عمره عن جميع الإنس فهذا لم يقع، بل هذا نعت الجن الذين قال الله فيهم: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [سورة الأعراف: (٢٧)].
والمسافرون إلى هذه الجبال إنما يسافرون إلى مأوى الشياطين، وما يرونه من الخوارق هناك هو من إضلال الشياطين لهم كما تفعله الشياطين عند الأصنام،
[ ٤٢٣ ]
فإنهم يضلون عابديها بأنواع حتى قد يظن أن الصنم كلمه، وقد يظهرون للسدنة أحيانًا كما كانوا في الجاهلية.
وكذلك يوجد عند النصارى من هذا كثير. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الصحابة كأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وبصرة بن أبي بصرة فهموا من الحديث شموله لغير المساجد كالطور، وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ، قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).
وأما ابن عمر فروى أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة: حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور؟ فقال: (لا، إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى. فدع عنك الطور فلا تأته) رواه أحمد بن حنبل في مسنده، وهذا النهي من بصرة وابن عمر ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي ﷺ النهي، فلذلك نهوا عنه لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة.
وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راويه أيضًا وحديثه في الصحيحين، فروى أبو زيد حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا عبد الحميد بن بهرام / حدثنا شهر بن حوشب سمعت أبا سعيد -وذكر عنده الصلاة في الطور- فقال: قال رسول الله
[ ٤٢٤ ]
ﷺ (لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)، فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي.
والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم الله موسى هناك. وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجدًا -فإنه ليس هناك قرية للمسلمين- وإن كان هناك مسجد فإذا نهى الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى.
وهذا ظاهر لا يخفى على أحد. فالصحابة الذي سمعوا الحديث من النبي ﷺ فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير المساجد، وهم أعلم بما سمعوه. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيه الأئمة المشهورون أو غيرهم وما لم يتنازعوا فيه، فإن بين الطرفين اللذين لم تتنازع فيه الأئمة مسائل متعددة فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ويفعلون ذلك ويعظمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم وتجعل خلافًا على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب النظر فيه. وأيضًا
[ ٤٢٥ ]
فالذين قالوا: السفر إليها جائز ليس بمحرم ولا مكروه، قد يفهم منه أنه مستحب، لأن الذين يفعلون ذلك إنما يفعلونه لأنه قربة، فإذا قيل في ذلك إنه جائز قد يقولون نحن قلنا هو جائز مباح، لم نقل إنه مستحب ولا قلنا إن التقرب به جائز، فمن جعله / قربة فقد خالف قولنا الصريح، فقد يفهم منه أن التقرب به جائز، لكن قولهم مع ذلك إنه ليس بمستحب ولا فضيلة فيه لأجل [أن] الحديث ينفي ذلك، فلا بد لهم من اتباع الحديث فصار في قولهم تناقض. وهذا مما احتج به عليهم أهل القول بالتحريم. فهذا الجواب على ما ادعاه من التناقض في نقل الخلاف والإجماع.
[ ٤٢٦ ]