فصل
قال المعترض:
ـ[أما بعد فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عنه من نسخة فتياه، ظهر لي -من صريح ذلك القول وفحواه- مقصده / السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها.]ـ
فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. [وذلك أن] الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قولي العلماء في ذلك.
والمجيب قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد،
[ ١١٢ ]
ويذكر زيارة قبر النبي ﷺ إذا دخل مسجده والأدب في ذلك وما قاله العلماء، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك، ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية ولا حكاه عن أحد، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعًا وهو نزاع مرجوح، والصحيح أنها مستحبة، وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول إنه معصية، وقول من يقول إنه ليس بمحرم بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بالإجماع. فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته؟ على قولين. وعامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر / إلى
[ ١١٣ ]
القبور. فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سماه الوادي المقدس وسماه البقعة المباركة ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبي ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهي عنه، وأن قوله (لا تشد الرحال) نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى). فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه ﷺ صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد، سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى، أو كان بطريق شمول اللفظ، فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بينوا عمومه لغير المساجد كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة: من أين
[ ١١٤ ]
أقبلت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيليا) أو قال (بيت المقدس).
وقال أبو زيد عمر بن شبة النميري، في كتاب أخبار المدينة النبوية: حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا عبد الحميد بن بهرام حدثنا شهر بن
[ ١١٥ ]
حوشب سمعت أبا سعيد الخدري وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ (لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا). فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد، بين أن النهي متناول للطور وإن لم يكن مسجدًا بطريق الأولى، فإن الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد بل ولم يكن هناك / قرية يتخذ المسلمون فيها مسجدًا، وبناء المسجد حيث لا يصلى فيه بدعة، وإنما يقصدونه لشرف البقعة، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب البقاع إلى الله المساجد). فإذا كان قد حرم السفر إلى أحب البقاع إلى الله غير الثلاثة، فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه، كما قال الصحابة، ومنهم أيضًا ابن عمر.
[ ١١٦ ]
قال أبو زيد: حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: (أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى. فدع عنك الطور فلا تأته).
لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهيًا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة، ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة، وهؤلاء يقولون: إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك.
[ ١١٧ ]
وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحب. وهذا لأنه ظاهري لا يقول بفحوى الخطاب، وهي إحدى الروايتين عن داود الظاهري فلا يقول إن قوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء: (٢٣)]، يدل على النهي عن الضرب والشتم، ولا إن قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أودلاكم خشية إملاق﴾ [سورة الإسراء: (٣١)]، يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار، وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين ويقطعون بخطأ من قال مثل ذلك فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء لا في القبور.
وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدًا من علماء المسلمين قال إنه مستحب، وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟ وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم يستحب زيارة قبر النبي ﷺ، ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون يستحب / للحاج أن يزور قبر النبي ﷺ. ومعلوم أن هذا
[ ١١٨ ]
إنما يمكن مع السفر، لم يريدوا بذلك زيارة القريب بل أرادوا زيارة البعيد، فعلم أنهم قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبره لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده، إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده لا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته -. ولكن قد يقال هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره ولهذا كره من كره من العلماء أن يقال زرت قبره، ومنهم من لم يكرهه. والطائفتان متفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور، بل إنما يدخل إلى مسجده.
وأيضًا فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة: فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع، وإن كان لم يقصد إلا القبر لم يقصد المسجد فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرمونه لا يجوزون قصر الصلاة فيه. والآخرون يجعلونه سفرًا جائزًا وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر. وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معًا فهذا قد قصد مستحبًّا مشروعًا بالإجماع، ولهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا، والجواب في السؤال كان عمن سافر لا يقصد إلا زيارة القبور لا يقصد سفرًا شرعيًّا كالسفر إلى مكة وإلى مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى، ولم يكن السؤال ولا الجواب عمن سافر إلى مسجد النبي ﷺ، وإن قصد مع ذلك السفر إلى قبره فإن هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب، بل أصحاب أحمد لهم في المسافر إلى القبور -هل يقصر الصلاة- أربعة أوجه:
قيل: يقصر مطلقًا.
[ ١١٩ ]
وقيل: لا يقصر مطلقًا.
وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا ﷺ.
وقيل: إلى قبور الأنبياء مطلقًا.
فهذان الوجهان من لم يعرفهما تخبط في هذه المسائل، فيعرف العمل الممكن المشروع والقصد في ذلك ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل والقصد، فإن السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده.
وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده والصلاة / فيه.
وعلى هذا فقد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لا يتناول شدها إلى قبره فإن ذلك غير ممكن، لم يبق إلا شدها إلى مسجده وذلك مشروع، بخلاف غيره فإنه يمكن زيارته فيمكن شد الرحال إليه. لكن يبقى قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته هل قصده مجرد القبر أو المسجد أو كلاهما، كما قال مالك لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد).
فهذا السائل من عُرْفه أن لفظ زيارة قبر النبي ﷺ تتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر، ومن أتاه وقصده المسجد، وهذا عُرف عامة الناس المتأخرين
[ ١٢٠ ]
يسمون هذا كله زيارة لقبره، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به، وهو ﷺ لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشد الرحل، بخلاف غيره فلا يقال إن زيارته بلا شد رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها، كما يقال في سائر المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين، إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون، بل جميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا، بل قد قيل إن الأمر بالعكس، وإنه يستحب للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد، وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شد الرحل ومن لم يشده، تبقى النية كما ذكر مالك، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدًا وفعلًا فيكره لهم كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر. وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغه عن أحد من السلف، ونهى عنها وقال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها).
فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث / والإجماع، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب، وأن الصلاة فيه بألف صلاة. واتفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، وقال بعضهم إنه أفضل من المسجد الحرام، ومسجده يستحب السفر إليه، والصلاة فيه مفضلة لخصوص كونه مسجد الرسول ﷺ الذي بناه هو وأصحابه، وكان يصلي فيه هو وأصحابه. فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة
[ ١٢١ ]
الرسول ﷺ قبل أن يدفن في حجرة عائشة، وكذلك هي ثابتة بعد موته، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر، كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبر، وكذلك المسجد الأقصى مفضل لا لأجل قبر، فكيف لا يكون مسجد الرسول ﷺ مفضلًا لا لأجل قبر، فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين ﷺ، وهذا تنقص بالرسول وبقوله ودينه مكذب له فيما قال، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه، كما أن النصارى يكذبون كثيرًا مما أخبر به المسيح عن ربه ﷿ ودينه، [ويظنون ذلك تعظيمًا له ولدينه]، وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله وطاعتهم فيما أمروا به ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم لا التكذيب بما أرسلوا به والإشراك بهم والغلو فيهم، بل هذا كفر بهم وطعن فيهم ومعاداة لهم.
والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه، كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر واعتقد أن السفر إليه تبعًا للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلى في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول ﷺ قبره كالسفر إلى قبور هؤلاء والمساجد التي عندهم فقد خالف إجماع المسلمين وخرج عن شريعة سيد المرسلين، وما سنه لأمته الغر الميامين، بخلاف الذي قصد المسجد، وإلا فمن جهة
[ ١٢٢ ]
العمل لا يمكن أحدًا أن يفعل عند قبره لا سنة ولا بدعة، إنما يفعل ذلك / في المسجد، فمن فعل فيه سنة [حُمد عليها وأجر عليها]، ومن فعل فيه بدعة ذم ونهي عنها.
ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا).
والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله وقبر غيره، فإنهم دفنوه في الحجرة لم يبرزوا قبره كما كانوا يبرزون قبورهم خوفًا أن يتخذ مسجدًا، ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى قبره لزيارته، ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطًا آخر فلم يبق أحد متمكنًا من زيارته كما تزار القبور.
[ ١٢٣ ]
ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه فقال: تستحب زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك، ولا علق [بمسمى هذا الإسم] حكمًا شرعيًا.
وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له، وإنما تكلم به من تكلم من المتأخرين، ومع هذا فلم يريدوا به ما هو المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده، ليس هناك زيارة تفعل في غير مسجده، ولو قدر أنه وقف في الطريق من جهة المشرق وفعل ما فعل لم يكن هناك سنة عند أحد من العلماء، وإذا كان لا بد للزائر من المسجد فالمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن، [وكل ما يشرع فيه من العبادات فإنه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم يكن] سواء تعلق بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال الله له الوسيلة والثناء عليه والمحبة والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه ﷺ أو لم يتعلق بالرسول كالصلاة والاعتكاف، مع أنه لا بد في ذلك من ذكر الرسول بالشهادة له والسلام عليه وكذلك الصلاة عليه، وهذه العبادات وغيرها وحقوقه وغير حقوقه هي مشروعة في جميع المساجد وإن لم يكن هناك قبره بل في جميع البقاع إلا ما استثناه الشرع.
[ ١٢٤ ]
وإذا كان السفر الذي / يسمى زيارة لقبره إنما هو سفر إلى مسجده لا إلى غيره وكان ما شرع فيه مشروعًا في ذلك المسجد وفي غيره وإن لم يكن القبر هناك لم يكن شيء من ذلك مشروعًا لأجل القبر ولا مختصًّا به.
وأما ما يفعله بعض الناس من البدع المختصة بالقبر فذلك ليس بمشروع، بل هو منهي عنه.
فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى زيارة لقبره، وأن هذا الاسم لا مسمى له، والذين أطلقوا هذا الإسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح لكن عبروا عنه بلفظ لا يدل عليه، ولهذا كره من كره أن يقال لمن سلم عليه هناك: زرت قبر النبي ﷺ وإن أرادوا ما لا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم، ومع هذا فليس هو زيارة، فلو قدر أن بعض الناس أشرك في مسجده به واتخذه إلهًا وسجد للقبر وطاف به سبعًا واستلمه وقبله لم يكن شيء من ذلك زيارة لقبره وإن كان محرمًا، فهذا لفظ لا حقيقة له. بل يقال لمن أطلقه: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [سورة النجم: (٢٣)]، وهذا بخلاف قبر غيره فإنه ليس على الناس من حقوقه في سائر البقاع ما عليهم من حق النبي ﷺ، ولا أمروا أن يصلوا عليهم ويسلموا عليهم حيث كانوا كما أمروا بذلك في حق الرسول ﷺ مع أنهم حيث صلوا وسلموا عليه بلغه صلاتهم وسلامهم، لا يختص بيته بذلك كما جاءت [بذلك] الأحاديث. وغيره يستحب أن يزار فيوصل إلى قبره فيدعى له.
[ ١٢٥ ]
والصلاة على القبر مشروعة لمن لم يصل على الميت عند أكثر العلماء كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهم متنازعون: إلى كم يصلى على القبر؟ وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلى عليه أبدًا. واتفقوا على أن قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه كما لم يصل عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن. فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن غيره. فإنه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر، والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره / وثنًا وعيدًا.
والرسول ﷺ ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه له وصلاته وسلامه عليه وسائر حقوقه موجودًا معه في جميع البقاع لا يختص القبر بشيء من حقوقه، فمن خص القبر بشيء من حقوقه قصر فيه عند غير القبر فهو مقصر في حق الرسول ﷺ مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره عيدًا، وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع، وكذلك ما يفعل عند قبر غيره من الزيارة هو عند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلو قدره واختصاصه بما ميزه الله على غيره ﷺ كما خص بأن دفن في الحجرة ولم يبرزوا قبره.
فتبين أن ما في الجواب من قول المجيب: السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء، هل هو محرم أو مباح؟ ونحو ذلك لا يتناول قبر النبي ﷺ إلا بالنية فقط كما قال مالك، وإلا فذلك أمر ليس بمقدور. وما ليس بمقدور فهو بالضرورة ليس بمشروع ولا مأمور به.
[ ١٢٦ ]
وأما السفر المشروع إلى هناك فهذا لا يدخل في هذا اللفظ قطعًا، فإنه ليس سفرًا لمجرد زيارة قبره لا من جهة الفعل ولا من جهة القصد. ومما يبين هذا أن جميع من يسافر لزيارة قبره إنما يصل إلى مسجده ويصلي فيه، لكن من الذين يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول هو إلى المسجد، وأن القبر محجوب.
ومنهم من قد عرف ذلك لكن قد يظن أن المسجد بني لأجل القبر كما يبنى على بعض القبور مساجد لأجلها، فيأتي الزائر فيصلي فيها أولًا تحية المسجد أو غيرها والمقصود هو القبر.
وهؤلاء منهم من لا يعرف أن مسجده محترم معظم يقصد لنفسه لا لأجل القبر.
ومنهم من لا يعرف أن الصلاة فيه بألف صلاة، ولا أن السفر مشروع إليه كما يشرع إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، بل يظن كثير منهم أن السفر إنما هو لأجل القبر، ولا يعلم أن السفر إلى مسجده مشروع مستحب مرغب فيه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقًا، وأن الصلاة فيه بألف صلاة سواء كان عنده القبر أو لم يكن، كما كانت هذه الفضيلة / ثابتة له في حياة الرسول ﷺ، بل كان الذين يصلون فيه إذ ذاك أفضل من غيرهم، وكانت الهجرة واجبة له في حياة الرسول قبل فتح مكة، على المسلمين أن يهاجروا إلى المدينة دار الهجرة ودار السنة ودار النصرة.
ومن كان بها كان عليه أن يصلي في المسجد النبوي ولو لم يكن إلا الجمعة فإن الجمعة فرض على الأعيان باتفاق الأمة، ولم يكن على عهده بالمدينة مسجد
[ ١٢٧ ]
يصلى فيه الجمعة إلا مسجده، وهو أول مسجد أسس على التقوى، وأول مسجد أذن فيه وأقيمت فيه الصلاة.
فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه وفضيلة السفر إليه وهو يريد السفر إلى القبر ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده فهذا لا بد -إن كان مؤمنًا بما جاء به الرسول ﷺ- أن يقصد السفر إلى مسجده وإن قصد مع ذلك القبر.
لا يتصور من المؤمن به العالم بشريعته العالم أن المسافر إلى هناك يصل إلى مسجده لا يتصور -مع هذا العلم والمعرفة والإيمان- أن لا يقصد السفر إلى مسجده، بل لا يقصد إلا مجرد القبر. بل الذي يسافر ولا يقصد إلا مجرد القبر إما أن يكون جاهلًا بشريعته [وفضيلة مسجده] وفضيلة السفر إليه. أو جاهلًا بالحال لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده، أو لا يعلم أن مسجده مؤسس على التقوى مقصود معظم قبل حصول القبر، وأنه لم يبن لأجل القبر، ولا حرمته وفضيلته وعظمته لأجله، فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر إلا من يكون جاهلًا بهذا أو بهذا أو بهذا. وإن كان عالمًا بذلك كله، ومع هذا ليس قصده إلا السفر إلى القبر كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم، والسفر إلى المسجد ليس له عنده حرمة ولا يعتقد فضيلته ولا يقصد السفر إليه مع علمه أن الرسول ﷺ رغب في ذلك وبين فضل مسجده، فهذا لا يكون إلا كافرًا بالرسول. ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظمة أولى من قصد المساجد، والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة، ودعاء الخلق أفضل من دعاء الخالق، والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر.
[ ١٢٨ ]
ومنهم من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة / والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول ومن الشرك برب العالمين، لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه. بل إنما يفعل هذا من كان جاهلًا بسنة الرسول أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول ونحو ذلك.
وهؤلاء كلهم كفار، وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم.
ومنهم من يجعل قبر شيخه أعظم من قبر الرسول.
ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم ولكن يعظم أصحاب القبور من جهة أنه يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفى، لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول الله الذي أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته وسلوك سبيله واتباع ما جاء به، وكما هذا نعت المؤمن به، والمؤمنون به لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده مع علمهم أنهم يصلون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته. فإذا عرفوها دعاهم الإيمان به إلى متابعته ﷺ تسليمًا.
والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر لمجرد زيارة القبور، فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وهو المراد بالسفر لزيارة قبره، فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو أنه يستحب السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده أو بدون دخوله، هل قال هذا أحد؟ أو أنه يستحب السفر إلى القبر دون قصد المسجد؟
[ ١٢٩ ]
مع أنه إنما يصل إلى المسجد، والسفر إليه مستحب بالنص والإجماع، والصلاة فيه مفضلة، فهل قال مسلم إن هذا المستحب بالنص والإجماع مع فعل الإنسان له إذا لم يقصده البتة، وإنما قصد مجرد القبر يكون هذا السفر مستحبًّا بنص أو إجماع أو هل قال ذلك إمام من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين، وإن لم يكن هنا نص ولا إجماع؟ وهل يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه -مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده- إلا من هو جاهل بدينه أو كافر بما جاء به؟ / فإن هذا ليس عليه في النية كلفة أصلًا، فإنه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن الصلاة فيه لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر.
فإذا لم يقصده فإنه يكون جاهلًا بأن ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهال يظنون أن المشروع إنما هو السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر، فإذا عرف الجاهل بسنته المعلومة عند جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين فإن الله يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا.
فإذا لم يعرف أن إمامًا من أهل الاجتهاد قال إنه يستحب السفر إلى مجرد القبر دون المسجد وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد وأن سفره مشروع ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعًا مستحبًّا، هذا مما يقطع بأنه لا يقوله عالم.
فإذا لم يثبت ذلك سلم الإجماع المذكور.
وإن قدر أن هذا قول ثالث كان ذلك قولًا خفيًّا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب، والمجيب ذكر إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة، وهذا مبسوط في مكان آخر.
[ ١٣٠ ]
والمقصود هنا [أن ما] حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة القبور كذب بين على المجيب ليس في الجواب، وإنما فيه السفر خاصة، وكلام المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل، وأنه يستحب زيارة قبور المؤمنين عمومًا فضلًا عن الصالحين والأنبياء، بل نفس السفر الذي ذكر فيه القولين لم يذكر أنه يختار أحد القولين، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء، فكيف يجوز أن يحكى عنه أنه حرم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور، وإنه ادعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها؟ ثم من المعلوم لكل من قرأ شيئًا من العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك، وذكر النزاع في زيارتها للنساء. هذا موجود في الكتب الصغار والكبار، وقد قرأه المجيب وقرئ عليه مرات لا يحصيها إلا الله، وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده.
فكيف يحكى إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية محرمة؟ و/ لو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكى له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال: هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول إن زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور مطلقًا؟ فإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى. فكان الواجب عليه أن يكذب ناقل ذلك فضلًا عن أن يكون هو الناقل عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ذلك، وإنما فيه ذكر الخلاف في السفر إليها، والسفر إليها مسألة، وزيارتها [بلا سفر مسألة].
[ ١٣١ ]
وأما قبر النبي ﷺ فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، والسفر إلى مسجده مستحب بالإجماع ليس من مسائل النزاع.
وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده، وعلم أنه مسجده الذي كان يصلي فيه هو وأصحابه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقًا، وأنه ﷺ جعل الصلاة فيه بألف صلاة، وأنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ونحو ذلك وهو مؤمن بالرسول ﷺ، فلا بد أن يقصد -إذا سافر إلى هناك- السفر إلى مسجده لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول ﷺ أن لا يقصد السفر إلى مسجده، فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو كافر، لكن كثير من الناس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ويقصدون السفر إلى القبر أيضًا، ثم منهم من يستوي عنده القصدان، ومنهم من يكون قصد المسجد أقوى عنده، ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده.
وهؤلاء يظنون أن قصد السفر إلى قبره من المحبة له والتعظيم، وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى مسجده، وهم غالطون في ذلك، فإن السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم والتأسي بإبراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم بالكتاب والسنة والإجماع، بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده، والسفر إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه. وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو أفضل من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم، وكذلك السفر إلى مسجد / نبينا ﷺ والتأسي به فيما كان يفعله فيه من العبادات وفعل ما رغب في
[ ١٣٢ ]
فعله في المسجد هو الذي يصدر عن الإيمان بالرسول ﷺ ومحبته وتعظيمه دون السفر إلى مجرد قبره.
ولو قدر أن شخصًا سافر إلى قبر إبراهيم ولم يسافر إلى مسجده -المسجد الحرام- وهو الحج واعتقد أنهما سواء، أو أن السفر إلى قبره أفضل كان كافرًا. وكذلك بيت المقدس، من اعتقد أن السفر إلى قبر سليمان أفضل من السفر إليه أو هما سواء كان كافرًا.
كذلك السفر إلى النبي ﷺ، من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول ﷺ وإما كافر به. وهؤلاء نظير الذي يعتقد أن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين مثل الحج أو أفضل من الحج. وهذا لا يعتقده إلا جاهل مفرط في الجهل بدين الإسلام، أو كافر مشاق للرسول ﷺ من بعد ما تبين له الهدى متبع غير سبيل المؤمنين.
فمن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجد الرسول ﷺ وزيارة قبره السفر الشرعي والزيارة الشرعية المجمع على استحبابها وبين السفر إلى قبر غيره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول ﷺ، وإما كافر بالرسول ﷺ.
فإن قيل: كيف يزور قبره مع كونه كافرًا به؟ قيل: كثير من الناس يعظمون الرسول ﷺ ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون أنهم لا يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى الله تغنيهم عنه، وقد يقولون إن طريقهم أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثًا إلى الأميين لا إليهم فهم يعظمونه ظاهرًا وباطنًا. لكن يقولون: لا يجب علينا اتباعه، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
[ ١٣٣ ]
وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرًا وباطنًا، بل ويقولون: هو رسول إلى العامة، أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية. كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام. وهؤلاء من أشد الناس تعظيمًا للقبور / والسفر إليها ودعاء أصحابها، ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع. وهؤلاء وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من هو دونه أفضل من الحج إلى البيت الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده.
والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول الله ﷺ وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر غيره وإن كان عنده مسجد، فإن ذلك مجمع على عدم استحبابه، بل سووا بين المستحب بالنص والإجماع وبين ما ليس بمستحب بالنص والإجماع، وظنوا أن المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب، فوقعوا في أنواع من الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع.
[ ١٣٤ ]
ولو قال قائل: إنّ إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرًا حلال الدم، ولو قال قائل: لا يسافر إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول ﷺ وقاله علماء المسلمين. فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان من أجهل الناس.
وكذلك لو قال: لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وزيارته المشروعة [في المسجد] كالصلاة والسلام عليه كان مخالفًا للإجماع. لكن من العلماء من لا يسمي هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية. وهذا القول أشبه بالمعقول والمنقول.
ولو قال يستحب السفر إلى جميع القبور والصلاة في المساجد المبنية عليها لكان مخالفًا للنص والإجماع.
وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره وجوابه، كيف يحل له أن يكذب على غيره ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكى إجماع المسلمين على تحريم الزيارة مطلقًا بسفر وغير سفر.
ونحن نحكي لفظ الجواب الذي اعترض عليه لينظر ما نقله عنه وأبطله منه: هل هو صدق وعدل، أم لا؟
ولفظ السؤال:
[ ١٣٥ ]