فصل
قال المعترض:
ـ[وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح.]ـ
والجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيارة، وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة، ولا حكى نزاع في ذلك الجواب، وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع.
الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء إنه يستحب زيارة قبره، ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده وفي مسجده يسلم عليه ويصلى عليه ويدعى له ويثنى عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويصل إليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع، لا من موارد النزاع.
[ ٢٥١ ]
الثالث: أن نقول: قول القائل إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة قول لم يذكر عليه دليلًا، فإذا قيل له لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب، وهو لم يذكر شيئًا من تلك الأحاديث كما ذكر قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد، فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئًا من الحديث الصحيح، فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع.
الوجه الرابع: أن نقول: هذا قول باطل، لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي وريت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئًا من ذلك، ولا / أرباب السنن المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك شيء من ذلك، ولا احتج إمام من أئمة المسلمين -كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم- بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف تكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء أهل الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن.
الوجه الخامس: قوله: وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح.
فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده أن الحديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. والضعيف قد يكون موضوعًا يعلم أنه كذب، وقد لا
[ ٢٥٢ ]
يكون كذلك، فما ليس بصحيح وكان حسنًا على هذا الاصطلاح احتج به. وهو لم يذكر حديثًا وبين أنه حسن يجوز الاستدلال به. فنقول له: لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة فيقابل بالمنع.
الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، بل موضوعة كما قد بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث وذكرت كلام الأئمة عليها حديثًا حديثًا، بل ولا عرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ألبتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفًا عندهم. ولهذا كره مالك التكلم به، بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقًا فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه وفي القرآن ﴿ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر﴾ [سورة التكاثر: (١ - ٢)]، لكن معناه عند الأكثرين الموت، وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر.
[ ٢٥٣ ]
أما لفظ قبر النبي ﷺ على الخصوص فلا يعرف لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وكل ما روي فيه فهو ضعيف، بل هو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث، كما قد بسط هذا في مواضع.
الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة -كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل / وأبي داود- احتجوا إما بفعل ابن عمر كما احتج به مالك وأحمد وغيرهما، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇)، فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند قبري) لكن عرفوا أن هذا هو المراد، وأنه لم يردّ على كل مسلّم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، وإن كان المراد هوالسلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة؟ فهذا مما تنازع فيه الناس.
وقد نوزعوا في دلالته، فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلّم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء
[ ٢٥٤ ]
عمومًا في حق المؤمنين: (ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇).
قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [سورة الأحزاب: (٥٦)]، وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرًا، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا.
فأما أثر (من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا) فهذا ثابت من وجوه بعضها في الصحيح كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله [عليه بها] عشرًا. ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي)، / وهذا مروي عن النبي ﷺ من غير هذا
[ ٢٥٥ ]
الوجه، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا).
وأما السلام فقد جاء أيضًا في أحاديث من أشهرها حديث عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن سليمان مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه جاء ذات يوم
[ ٢٥٦ ]
والبشرى ترى في وجهه فقال: (إنه جاءني جبرائيل فقال: أما يرضيك يا محمد أنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا؟ ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا؟). وقد روي في عدة أحاديث: أن الله يصلي على كل من صلى عليه، ويسلم على من يسلم عليه. ولم يذكر عددًا، لكن الحسنة بعشر أمثالها، فالمقيد يفسر المطلق.
قال القاضي عياض من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه ﵇ قال: (لقيت جبريل فقال لي: أبشرك، أن الله يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه)، قال: ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن
[ ٢٥٧ ]
أوس بن الحدثان وعبيد الله بن أبي طلحة، قلت: وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر.
والمقصود هنا أن ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به ﷺ من الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر اختص هو به، فإن الله أمر بذلك في حقه بعينه مخصوصًا بذلك وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعًا على وجه العموم، وقد قيل إن الصلاة تكره على غير الأنبياء، وغلا بعضهم فقال: تكره على غيره، وكذلك قال بعض المتأخرين في السلام.
ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء أنه يسلم على غيره، وأما الصلاة فقد جوزها أحمد وغيره، والنزاع فيها معروف.
وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ (إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين)، وقد قال الله في كتابه: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ [سورة النمل: (٥٩)]، وقال: (وسلام على المرسلين *
[ ٢٥٨ ]
(*) والحمد لله رب العالمين﴾ [سورة الصافات: (١٨١ - ١٨٢)].
وقال لما ذكر نوحًا وإبراهيم وموسى وهارون وإلياسين ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين﴾ [سورة الصافات: (٧٨ - ٧٩)]، ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم﴾ [سورة الصافات: (١٠٨ - ١٠٩)]، ﴿وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون﴾ [سورة الصافات: (١١٩ - ١٢٠)]، ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إلياسين﴾ [سورة الصافات: (١٢٩ - ١٣٠)].
والمقصود هنا أن هذا السلام المأمور به خصوصًا هو المشروع في الصلاة وغيرها عمومًا على كل عبد صالح، كقول المصلي (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فإن هذا ثابت في التشهدات المروية عن النبي ﷺ كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وحديث أبي موسى وابن عباس اللذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر وعائشة وجابر وغيرهم التي في المسانيد والسنن،
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع تكرر في بداية هذه الصفحة ما جاء في نهاية الصفحة السابقة، وهي العبارة التالية: (﴿الذين اصطفى﴾، وقال: ﴿وسلام على المرسلين﴾). فتم حذفها.
[ ٢٥٩ ]
وهذا السلام لا يقتضي ردًّا من المسلّم عليه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم، فيه الأجر والثواب من الله، وليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء، بخلاف سلام التحية فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم.
وعلى المسلم عليه أن يرد السلام ولو كان المسلم عليه كافرًا، فإن هذا من العدل الواجب، ولهذا كان النبي ﷺ يرد على اليهود إذا سلموا عليه بقوله (وعليكم)، وإذا سلم على معين تعين الرد، وإذا سلم على جماعة فهل ردهم فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ على قولين مشهورين لأهل العلم. والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة، وهل هي واجبة؟ على قولين معروفين، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب، ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقًا.
فالصلاة والسلام عليه ﷺ في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعًا لما كان ممكنًا بدخول من يدخل على عائشة، وأما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع.
وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: / منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضًا أن يأتي
[ ٢٦٠ ]
إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط. وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط.
فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد.
وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردًا عنه كما ذكر ابن حبيب وغيره إذا دخل مسجد الرسول ﷺ قال: بسم الله وسلام على رسول الله ﷺ السلام علينا من ربنا، وصلى الله وملائكته على محمد. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، وجنبني من الشيطان الرجيم. ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين -قبل وقوفك بالقبر- تحمد الله فيهما وتسأل تمام ما خرجت إليه، وتسأل العون عليه. وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك. وفي الروضة أفضل، وقد قال ﷺ (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. ومنبري على ترعة من ترع الجنة). ثم تقف بالقبر متواضعًا وتصلي عليه وتثني
[ ٢٦١ ]
بما يحضر، وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة، وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي.
وأما مالك فنقل عنه أنه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ، وقيل لا يتعين لذلك موضع من المسجد.
وأما الفرض فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب.
والذي ثبت في الصحيح عن سلمة بن الأكوع عن النبي ﷺ أنه (كان يتحرى / الصلاة عند الأسطوانة).
وأما قصد تخصيصه بالصلاة فيه فالصلاة أفضل، وأما مقامه فإنما كان يقوم فيه إذا كان إمامًا يصلي بهم الفرض، والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أمام القوم، فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة.
[ ٢٦٢ ]
والمقصود معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد وعند القبر.
ففي مسند أبي يعلى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا زيد بن الحباب أخبرنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت
[ ٢٦٣ ]
عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم).
وهذا الحديث مما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره.
[ ٢٦٤ ]
فهذا علي بن الحسين زين العابدين وهو من أجل التابعين علمًا ودينًا، حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميًّا مثله، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه: (لا تتخذوا بيتي عيدًا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)، وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا وهذا.
وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما / كنتم).
[ ٢٦٥ ]
وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به.
قال يحيى بن معين: هو ثقة، وحسبك بابن معين موثقًا.
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال أبو حام الرازي: ليس بالحافظ، هو لين، تعرف وتنكر.
قلت: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ.
وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع كما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد
[ ٢٦٦ ]
مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني).
وقال سعيد أيضًا: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلمّ إلى العشاء. فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي إن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
ورواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: (ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء)، لأن
[ ٢٦٧ ]
مذهبه أن القادم من سفر والمريد للسفر سلامه هناك أفضل، وأن الغرباء يسلمون إذا دخلوا وخرجوا، ولهذه مزية على من بالأندلس. والحسن بن الحسن وغيره لا يفرقون بين أهل المدينة والغرباء ولا بين المسافر وغيره، فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على النبي ﷺ، وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند بيت النبي ﷺ، / فدعاني فجئته فقال: ادن فتعش، قال: قلت: لا أريده. قال لي: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم على النبي ﷺ. قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) ولم يذكر قول الحسن.
فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي ﷺ وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد، وهذا مشروع في كل مسجد - وهذا الحسن بن الحسن هو الحسن المثنى وهو من التابعين وهو نظير علي بن الحسين: هذا ابن الحسين وهذا ابن الحسن.
وقد ذكر القاضي عياض ﵀ هذا عن الحسن بن علي نفسه ﵃ أجمعين فقال: وعن الحسن بن علي عن النبي ﷺ قال: (حيثما كنتم فصلوا
[ ٢٦٨ ]
علي فان صلاتكم تبلغني) قال: وعن الحسن بن علي قال: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ، فان رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
قلت: والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين، مثل الحديث الذي في المسند والترمذي وابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: (رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك) هذا لفظ الترمذي. وفي غيره أنه ﷺ أمر بذلك.
[ ٢٦٩ ]
وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد -أو أبي حميد- قال: قال رسول الله ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم وليصل على النبي ﷺ ثم ليقل) وذكر الحديث.
قال القاضي عياض: ومن مواطن الصلاة والسلام عليه دخول المسجد.
قال أبو إسحاق بن شعبان: / وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله ويترحم عليه ﷺ وعلى آله ويبارك عليه ﷺ وعلى آله ويسلم عليه تسليمًا ويقول: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك) قال: وقال عمرو بن دينار في قوله: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ [سورة النور: (٦١)]، فقال: إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته) قال: وقال ابن عباس: المراد بالبيوت هنا المساجد.
[ ٢٧٠ ]
وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله ﷺ وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
قال: وعن علقمة قال: إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد ﷺ.
قال: ونحوه عن كعب إذا دخل وإذا خرج، ولم يذكر الصلاة.
قال: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ كان يفعله إذا دخل المسجد.
قال: ومثله عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وذكر السلام والرحمة.
قال: وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال (إذا دخلت المسجد فصل على النبي ﷺ وقل: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك -وفي رواية أخرى- فليسلم وليصل ويقول إذا خرج: اللهم إني أسألك من فضلك -وفي رواية أخرى- الله احفظني من الشيطان).
[ ٢٧١ ]
وعن محمد بن سيرين (كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله دخلنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا) وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك.
قلت: هذا فيه حديث مرفوع في سنن أبي داود وغيره أنه يقال عند دخول المسجد: (اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا).
قال القاضي عياض: وعن أبي هريرة: (إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي).
قلت: وروى ابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن صفوان بن مرة عن مجاهد في هذه الآية ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ / [سورة النور: (٦١)]، قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل:
[ ٢٧٢ ]
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وإذا دخلت المسجد فقل السلام على رسول الله ﷺ. وإذا دخلت على أهلك فقل السلام عليكم. قلت: والآثار مبسوطة في مواضع.
والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي وميت ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلم أو ذكر لله ودعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك، ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضًا لزيارة قبره، فلم تكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره ﷺ لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضًا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره ﷺ، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه، وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك -أي يقفون على قبر الرسول ﷺ فيصلون عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر- يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين
[ ٢٧٣ ]
أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
فقد كره مالك ﵀ هذا وبين أنه لم يبلغه / هذا عن أهل العلم بالمدينة ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة، وأن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار، فإذا لم يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور، بل يستحب عند جمهور العلماء كما كان النبي ﷺ يفعل، فأهل المدينة أولى ألا يكره بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم اقتداء بالنبي ﷺ، ولكن قبر النبي ﷺ خص بالمنع شرعًا وحسًّا كما دفن في الحجرة، ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ﷺ ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه، لا لكون أن غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها.
ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون: إذا كنت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين؟ وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقًا هو من باب الإكرام والتعظيم له والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد، وظنوا أن ترك الزيارة له فيها تنقص لكرامته فغلطوا وخالفوا الكتاب
[ ٢٧٤ ]
والسنة وإجماع الإمة سلفها وخلفها، فقولهم نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور، فإن ذلك أبلغ في الدعاء له.
وإن كان مقصوده دعاءه كما يقصده أهل البدع فهو أبلغ في دعائه فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه.
وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول لا يشرع الوصول إلى قبره، لا للدعاء له ولا لدعائه ولا لغير ذلك، بل غيره يصلى على قبره عند أكثر السلف كما دلت / عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة، وهو بالإجماع لا يصلى على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقًا، ولم يعرف أن أحدًا من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره ﷺ.
زيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته، وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضًا ممكنة. فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين، وهذا من باب القياس الفاسد، ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس والمقيس به كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميتة على المذكاة ويقولون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [سورة الأنعام: (١٢١)].
[ ٢٧٥ ]
وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدوها حصب جهنم قاس ابن الزبعرى قبل أن يسلم هو وغيره من المشركين عيسى بها وقالوا فيجب أن يعذب عيسى، قال تعالى: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلًا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾ [سورة الزخرف: (٥٧ - ٥٨)]، ثم قال: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾ [سورة الزخرف: (٥٩)]، وبين تعالى الفرق بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [سورة الأنبياء: (١٠١)]، بين أن من كان صالحًا نبيًّا أو غير نبي لم يعذب لأجل من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم به.
وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصبًا للنار، وقد قيل إنها من الحجارة التي قال الله: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [سورة البقرة: (٢٤)]، وقال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ [سورة الجن: (١٥)]، وبسط هذا له موضوع آخر.
والمقصود هنا أن يعرف أن ما مضت به سنته وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل العلم والدين بالمدينة أن تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام / بحق الله وحق رسوله، فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره، وهو أيضًا في حق الله وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ. أما كونه أتم في حق الله فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل [﵁] عن النبي ﷺ.
[ ٢٧٦ ]
ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب فلا يتقى غيره ولا يخاف غيره ولا يتوكل على غيره ولا يدعى غيره ولا يصلى لغيره ولا يصام لغيره ولا يتصدق إلا له ولا يحج إلا إلى بيته، قال الله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزن﴾ [سورة النور: (٥٢)]، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، وقال تعالى: ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون﴾ [سورة التوبة: (٥٩)]، فجعل الإيتاء لله والرسول كما قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر: (٧)]، وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده، وقال تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب﴾ [سورة الشرح: (٧ - ٨)]، وقال تعالى: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون * وله ما في السموات والأرض [وله الدين واصبًا أفغير الله تتقون]﴾ [سورة النحل: (٥١ - ٥٢)]، وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [سورة المائدة: (٤٤)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦)]، وقال تعالى: ﴿قل أرأيتم
[ ٢٧٧ ]
ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات﴾ الآية [سورة الأحقاف: (٤)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض -إلى قوله- لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)].
وهذا باب واسع. وقال النبي ﷺ لابن عباس (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فهم لا يطلبون من غيرهم أن / يرقيهم، والرقية دعاء، فيكف بما هو أبلغ من ذلك؟
ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيدًا ومسجدًا ووثنًا وصار الناس يدعونه ويتضرعون إليه ويسألونه ويتوكلون عليه ويستغيثون ويستجيرون به، وربما سجدوا له وطافوا به وصاروا يحجون إليه، وهذه كلها من حقوق الله وحده لا يشركه فيها مخلوق، فكان من حكمة الله دفنه في حجرته ومنع الناس من مشاهدة قبره والعكوف عليه والزيارة له ونحو ذلك لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله، وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين فلا يجعل ذلك عندها، وإذا قدر أن ذلك فعل عندها منع من يفعل ذلك وهدم ما يتخذ عليها من المساجد. وإن
[ ٢٧٨ ]
لم تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته فعل ذلك، كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال.
وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أحد هو الدعاء لهم، كما كان هو يفعل ذلك إذا زارهم، وكما سنّه لأمّته، فلو سنّ للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانًا وبين مالك أنه بدعة لم يبلغه عن صدر هذه الأمة ولا عن أهل العلم بالمدينة وأنها مكروهة، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، لكان بعض الناس يزوره ثم لتعظيمه في القلوب وعلم الخلق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاهًا وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه يدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأغراضها وتعرض عن حقه الذي هو له من الصلاة والسلام عليه والدعاء له، فإن الناس مع ربهم كذلك -إلا من أنعم الله
[ ٢٧٩ ]
عليه بحقيقة الإيمان- إنما يعظمون الله عند ضرورتهم إليه كما قال تعالى: [﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ الآية] [سورة يونس: (١٢)]، وقال تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ الآية [سورة الإسراء: (٦٧)]، وقال تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبًا إليه ثم إذا / خوله نعمة منه﴾ الآية [سورة الزمر: (٨)]، ونظائر هذا في القرآن متعددة.
فإذا كانوا -إلا من شاء الله- إنما يعظمون ربهم ويوحدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم ولا يعرفون حقه إذا خلصهم، فلا يحبونه ويعبدونه ولا يشكرونه ولا يقومون بطاعته، فكيف يكونون مع المخلوق؟ فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم، وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين، فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وجاهه وشفاعته أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم كما هو الموجود في عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة ويقصدونها لطلب الحوائح.
فلو أذن الرسول ﷺ لهم في زيارة قبره ومكنهم من ذلك لأعرضوا عن حق الله الذي يستحقه من عبادته وحده، وعن حق الرسول الذي يستحقه من الصلاة والسلام عليه والدعاء له، بل ومن جعله واسطة بينهم بين الله في تبليغ أمره ونهيه وخبره. فكانوا يهضمون حق الله وحق الرسول كما فعلت النصارى فإنهم بغلوهم في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده، وتركوا حق المسيح فهم لا يدعون له بل هو عندهم رب يدعى، ولا يقومون بحق رسالته فينظرون ما أمر به
[ ٢٨٠ ]
وما أخبر به بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره وطلب حوائجهم ممن يستشفعون به من الملائكة والأنبياء وصالحيهم عما يجب من حقوقهم.
وأيضًا فلو جعلت الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة كما قد يكون الدعاء للميت عند قبره أفضل لكانوا يخصون تلك البقعة بزيادة الدعاء له وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له، فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول كما يجتهد فيه في المكان الفاضل، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول في كل مكان وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقص إيمانًا وقيامًا بحقه من المجاور لقبره، وقال لهم ﷺ (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني).
وقد شرع لهم أن يصلوا عليه ويسألوا له الوسيلة / إذا سمعوا المؤذن حيث كانوا، وأن يسلموا عليه في كل صلاة، ويصلوا عليه في الصلاة، ويسلموا عليه إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا منه، فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان، وهو يوجب من القيام بحقه ورفع درجته وإعلاء منزلته ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل، وإلا إذا سوى بين قبره وقبر غيره، بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه بفعل ما شرعه وسنه لأمته من واجب ومستحب، وهو أن يقوموا بحق الله ثم بحق رسوله ﷺ حيث كانوا من المحبة والموالاة والطاعة وغير ذلك من
[ ٢٨١ ]
الصلاة والسلام والدعاء وغير ذلك، ولا يقصدون تخصيص القبر، لما يفضي إليه من ترك حق الله وحق رسوله ﷺ.
فهذا وغيره مما يبين أن ما نهى عنه الناس ومنعوا منه وكان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره، وإن كانت زيارة قبره غير مستحبة، فهو أعظم لقدره وأرفع لدرجته وأعلى في منزلته وأن ذلك أقوم بحق الله وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين له، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه بل ما نهى عنه وخالفوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه هم مضاهئون للنصارى، وأنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله ورسوله والقيام بحق الله وحق رسوله / بقدر ما دخلوا فيه من البدعة التي ضاهوا بها النصارى، فهذا هذا والله أعلم.
وأيضًا فإنه إذا أطيع أمره واتبعت سنته كان له من الأجر بقدر أجر من أطاعه واتبع سنته، لقوله ﷺ (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه،
[ ٢٨٢ ]
من غير أن ينقص من أجورهم شيء) وقوله: (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).
وأما البدع التي لم يشرعها بل نهى عنها وإن كانت متضمنة للغلو فيه والشرك به والإطراء له كما فعلت النصارى فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها، فلا يكون للرسول فيها منفعة، بل صاحبها إن عذركان ضالًاّ لا أجر له فيها، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).
فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور: إن الناس منعوا من الوصول إليه تعظيمًا لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من وراء الحجرة لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم، قيل: فهذا يوجب الفرق، فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له فكون ذلك قريبًا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له داخل الحجرة أقرب، وإن كان القرب
[ ٢٨٣ ]
مستحبًّا فكلما كان أقرب كان أفضل كسائر القبور، وإن كان مقصودها ما يقوله أهل الشرك والضلال من دعائه ودعاؤه من القرب أولى فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى. ولما ثبت بالنص والإجماع أن هذا القرب من القبر ممنوع منه [بالنص والإجماع]، وهو أيضًا غير مقدور عليه، علم أن القرب من ذلك ليس بمستحب، بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره فإن القرب منه مستحب إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة، فإن أفضى إلى ذلك منع من ذلك.
ومما يوضح هذا أن الشخص الذي يقصد أتْباعُه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ومن اتخذه مسجدًا جعل عنده صورة محراب أو قريبًا منه، وإذا كان الباب مغلقًا جعل له شباكًا على الطريق ليراه الناس منه فيدعونه، وقبر النبي ﷺ بخلاف هذا كله: لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه، ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له.
[ ٢٨٤ ]
ومن أعظم ما من الله به على / رسوله وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده فلا يقدر أحد أن يصل إلا إلى المسجد. والعبادة المشروعة في المسجد معروفة بخلاف ما لو كان قبره منفردًا عن المسجد، والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد، وإذا سمي هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو إتيان إلى المسجد، ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ، ولا عند قبره قناديل معلقة، ولا ستور مسبلة، بل إنما تعلق القناديل في المسجد المؤسس على التقوى، ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران أو غيره، ولا ينذر له زيتًا ولا شمعًا ولا سترًا ولا غير ذلك مما ينذر [لقبره غيره]، وإن كان فعل شيء من ذلك في ظاهر الحجرة كان في بعض الأحوال قدر ستر بعض الناس الحجرة أو خلقها بعضهم بزعفران فهذا إنما هو للحائط الذي يلي المسجد لا من باطن الحجرة والقبر كما يفعل بقبر غيره. فعلم أن الله سبحانه استجاب دعاءه حيث قال ﷺ (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) وإن كان كثير من الناس يريدون أن يجعلوه وثنًا ويعتقدون أن ذلك تعظيمًا له -كما يريدون ذلك ويعتقدونه في قبر غيره- فهم لا يتمكنون من ذلك، بل هذا القصد والاعتقاد خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج، بخلاف القبر الذي جعله وثنًا، وإن كان الميت وليًّا لله لا إثم عليه من فعل من أشرك به كما لا إثم على المسيح من فعل من أشرك به كما قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون
[ ٢٨٥ ]
لي أن أقول ما ليس لي بحق [إن كنت قلته فقد علمته] [تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب]-إلى قوله- وأنت على كل شيء شهيد﴾ [سورة المائدة: (١١٦ - ١١٧)]، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ [سورة المائدة: (٧٢)]، وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم / وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل -إلى قوله- نذقه عذابًا كبيرًا) [سورة الفرقان: (١٧ - ١٩)].
فالمعبودون من دون الله سواء كانوا أولياء -كالملائكة والأنبياء والصالحين- أو كانوا أوثانًا قد تبرءوا (*) ممن عبدهم وبينوا أنه ليس لهم أن يوالوا من عبدهم ولا أن يواليهم من عبدهم، فالمسيح وغيره كانوا برآء من الشرك بهم ومن إثمه، لكن المقصود بيان ما فضل الله به محمدًا وأمته وأنعم به عليهم من إقامة التوحيد لله والدعوة إلى عبادته وحده وإعلاء كلمته ودينه وإظهار ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق وما صانه الله به وصان قبره من أن يتخذ مسجدًا، فإن هذا من أقوى أسباب ضلال أهل الكتاب، ولهذا لعنهم النبي ﷺ على ذلك تحذيرًا لأمته، وبين أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (تبرؤا)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
[ ٢٨٦ ]
ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه وأطوعهم له لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم لا في أمر القبور ولا غيرها؛ فلا يعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم، وكذلك البدع الظاهرة المشهورة من بدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة لم يعرف عن أحد من الصحابة شيء من ذلك.
بل النقول الثابتة عنهم تدل على موافقتهم للكتاب والسنة، وكذلك اجتماع رجال الغيب بهم أو الخضر أو غيره، وكذلك مجيء الأنبياء إليهم في اليقظة وحمل من يحمل منهم إلى عرفات ونحو ذلك مما وقع فيه كثير من العباد، وظنوا أنه كرامة من الله وكان من إضلال الشياكين لهم، لم تطمع الشياطين أن توقع الصحابة في مثل هذا، فإنهم كانوا يعلمون أن هذا كله من الشيطان ورجال الغيب هم الجن، قال تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا﴾ [سورة الجن: (٦)].
وكذلك الشرك بأهل القبور لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه، فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر يسافر إليه ولا يقصد للدعاء عنده أو لطلب / بركة شفاعته أو غير ذلك، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل ﷺ وقبره عندهم محجوب لا يقصده أحد منهم لشيء من ذلك، وكذلك كان التابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين.
[ ٢٨٧ ]
وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول عند قبره: منهم من نهى عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا، ومنهم من نهى عن هذا وهذا.
وأما دعاؤه هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين الأربعة ولا غيرهم، بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك.
أما مالك فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في المبسوط: (لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، [لكن يسلم ويمضي).
وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط قال: (وقال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو]، ولكن يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ثم يمضي).
وقال مالك ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت) أو (يا أبتاه) ثم ينصرف ولا يقف يدعو، فرأى مالك ذلك من البدع.
قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: (إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده). [فقوله في هذه
[ ٢٨٨ ]
الرواية (إذا سلم ودعا) قد يريد بالدعاء السلام فإنه قال: (يدنو وسلم ولا يمس القبر بيده]) ويؤيد ذلك أنه قال في وراية ابن وهب (يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، وقد يريد أنه يدعو له بلفظ الصلاة كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر (أنه كان يصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر)، وفي رواية [يحيى بن يحي] وقد غلط ابن عبد البر وغيره وقالوا: إنما لفظ الرواية ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما (يصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر).
قال أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو للنبي ﷺ / بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر لما في حديث ابن عمر من الخلاف.
قال القاضي عياض: (وقال في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر) فإن كان أراد بالدعاء السلام أو الصلاة فهو موافق لتلك الرواية، وإن كان أراد دعاء زائدًا فهي رواية أخرى، وبكل حال فإنما أراد الدعاء اليسير.
[ ٢٨٩ ]
وأما ابن حبيب فقال: (ثم يقف بالقبر متواضعًا موقرًا فيصلي عليه ويثني بما يحضر ويسلم على أبي بكر وعمر) فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة.
والإمام أحمد ذكر الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير الصلاة ومع دعاء الداعي لنفسه أيضًا، ولم يذكر أن يطلب منه شيئًا، ولا يقرأ عند القبر قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ [سورة النساء: (٦٤)]، كما لم يذكر ذلك أحمد والمتقدمون من أصحابه ولا جمهورهم بل قال في منسك المروذي: (ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصل فيها وادع بما شئت ثم ائت قبر النبي صلى الله عليه وسم فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك بلغت رسالة ربك ونصحت لأمتك وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، ورفع درجتك العليا وتقبل شفاعتك الكبرى وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى كما تقبل من إبراهيم. اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربًا رويًّا لا نظمأ بعهدها أبدًا).
وما من دعاء أو شهادة وثناء يذكر عند القبر إلا قد وردت السنة بذلك أو ما هو أحق منه في سائر البقاع لا يمكن أحدًا أن يأتي بذكر يشرع عند القبر دون
[ ٢٩٠ ]
غيره، وهذا تحقيق لنهيه ﷺ أن يتخذ قبره أو بيته عيدًا، فلا يقصد تخصيصه / بشيء من الدعاء للرسول فضلًا عن الدعاء لغيره، بل يدعى بذلك للرسول حيث كان الداعي، فإن ذلك يصل إليه ﷺ، وهذا بخلاف ما شرع عند قبر غيره لقوله: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين)، فإن هذا لا يشرع إلا عند القبور لا يشرع عند غيرها.
وهذا مما يظهر الفرق بينه وبين غيره وأن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور هو من فضائله وهو رحمة لأمته ومن تمام نعمة الله عليها، فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة ولا استغفارًا ولا غير ذلك، وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة، فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في قوله صلى الله عليه وسلمم: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇).
واستحبه لذلك، وبعضهم لم يستحبه إما لعدم دخوله، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة وهو الصلاة والسلام الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد، فإن هذا مما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه السلف، فإن السلام المأمور به في القرآن كالصلاة المأمور بها في القرآن، كلاهما لا يوجب
[ ٢٩١ ]
الرد، بل الله يصلي على من صلى عليه ويسلم على من سلم عليه، ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق المسلم كما قال تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [سورة النساء: (٨٦)]، ولهذا كان يرد السلام على من سلم وإن كان كافرًا، فكان اليهود إذا سلموا عليه يقول: (وعليكم [-أو- عليكم]) وأمر أمته بذلك، وإنما قال ﷺ (عليكم) لأنهم قد يقولون: السام عليك. السام الموت. فيقال: عليكم، قال ﷺ: (يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا).
ولما قالت عائشة [﵂]: وعليكم السام واللعنة، قال (مهلًا يا عائشة فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، أو لم تسمعي ما قلت لهم -يعنى رددت عليهم- فقلت: عليكم)، فإذا قالوا: / السام، قال: عليكم.
وأما إذا علم أنهم قالوا السلام فلا يخصون بالرد فيقال: عليكم فيصير المعنى السلام عليكم لا علينا، بل يقال: وعليكم، وإذا قال الرسول ﷺ وأمته لهم (وعليكم) فإنما هو جزاء دعائهم، وهو دعاء بالسلامة، والسلام أمان فقد يكون
[ ٢٩٢ ]
المستجاب هو سلامتهم منا أي من ظلمنا وعدواننا، وكذلك كل من رد السلام على غيره فإنما دعا له بسلام وهذا مجمل.
ومن الممتنع أن يكون كل من رد عليه النبي ﷺ السلام من الخلق دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، فقد كان المنافقون يسلمون عليه ويرد عليهم، ويرد على المسلمين من أصحاب الذنوب وغيرهم، ولكن السلام فيه أمان.
فلهذا لا يبتدأ الكافر الحربي بالسلام، بل لما كتب النبي ﷺ إلى قيصر قال فيه: (من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى) كما قال موسى لفرعون. والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي ﷺ وسأله عن أحواله.
وقد نهى النبي ﷺ عن ابتداء اليهود بالسلام. فمن العلماء من حمل ذلك على العموم، ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة أن يبتدئه
[ ٢٩٣ ]
بالسلام بخلاف اللقاء، والكفار كاليهودي والنصراني يسلمون عليه وعلى أمته سلام التحية الموجب للرد، وأما السلام المطلق فهو كالصلاة عليه إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته، فاليهود والنصارى لا يصلون ويسلمون عليه، وكانوا إذا رأوه يسلمون عليه. فذاك الذي يختص به المؤمنون -ابتداء وجوابًا- أفضل من هذا الذي يفعله الكفار معه ومع أمته ابتداء وجوابًا، ولا يجوز أن يقال إن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن الله يسلم عليهم عشرًا، فإنه يجيبهم على ذلك فيوفيهم كما لو كان لهم دين فقضاه.
وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشرًا، وإذا سلم عليه سلم الله عليه عشرًا، وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان / بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو مأمور به من الله ﷾ لا فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر.
وأما السلام عند القبر فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيًّا لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه، فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم عليهم إذا قدم وإذا قام كما أمر النبي ﷺ بذلك وقال ﷺ: (ليست الأولى بأحق من الآخرة).
[ ٢٩٤ ]
فهو حين كان حيًّا كان أحدهم إذا أتى يسلم وإذا قام يسلم، ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة مستحبًّا لكان مستحبًّا لكل أحد.
ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ولم يشرع ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولًا عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك.
روى سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة
[ ٢٩٥ ]
الفجر ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [يعنى سورة الفيل] و﴿لإيلاف قريش﴾ في الثانية [يعنى سورة قريش]. فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد / فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ، فقال: ([هكذا هلك] أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فليمض).
ومما اتفق عليه الصحابة -ابن عمر وغيره- من أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا بل يكره ذلك، فتبين ضعف حجة من احتج بقوله: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇).
فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره، فلما اتفقوا على ترك
[ ٢٩٦ ]
ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب، بل لو كان جائزًا لفعله بعضهم، فدل على أنه كان عندهم من المنهي عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث.
وعلى هذا فالجواب عن الحديث إما بتضعيفه على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول بالرد لا فضيلة المسلم بالرد عليه، إذ كان هذا من باب المكافأة والجزاء حتى إنه يشرع للبر والفاجر، وإما بأن يقال هذا إنما هو فيمن سلم عليه من قريب والقريب أن يكون في بيته فإنه إن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع كما تقدم ذكره هذا.
وأما الوجه الثاني: فتوجيهه أن الحديث ليس فيه ثناء على المسلم ولا مدح له ولا ترغيب له في ذلك ولا ذكر أجر له كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما، فإنه قد وعد أنه (من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا)، (وكذلك من سلم عليه).
وأيضًا فهما مأمور بهما، وكل مأمور به / ففاعله محمود مشكور مأجور.
وأما قوله: (ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇)، (وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام وأنه يرد
[ ٢٩٧ ]
السلام فيكافئ المسلم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل فإنه بالرد تحصل المكافأة كما قال تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [سورة النساء: (٨٦)]، ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا كان سلامه مشروعًا، وهذا كقوله (من سألنا أعطيناه، ومن لم يسألنا أحب إلينا) هو إخبار بإعطائه السائل ليس هذا أمرًا بالسؤال، وإن كان السلام ليس مثل السؤال لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد، وأما المسلم فيقف الأمر فيه على الدليل.
وإذا كان المشروع لأهل مدينته أن لا يقفوا عند الحجرة ويسلموا عليه علم قطعًا أن الحديث لم يرغب في ذلك.
ومما يبين ذلك أن مسجده كسائر المساجد لم يختص بجنس من العبادات لا يشرع في غيره، وكذلك المسجد الأقصى، ولكن خصا بأن العبادة فيهما أفضل، بخلاف المسجد الحرام فإنه مخصوص بالطواف واستلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك.
[ ٢٩٨ ]
وأما المسجدان الآخران فما يشرع فيهما من صلاة وذكر واعتكاف وتعلم وتعليم وثناء على الرسول وصلاة عليه وتسليم عليه وغير ذلك من العبادات فهو مشروع في سائر المساجد، والعمل الذي يسمى زيارة لقبره لا يكون إلا في مسجده لا خارجًا عن المسجد. فعلم أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات، ولكن العبادة في مسجده أفضل منها في غيره لأجل المسجد لا لأجل القبر.
ومما يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره لا ترغيبًا / في ذلك ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم، ولهذا كره من كره من العلماء إطلاق هذا الاسم، والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه إما قريبًا من الحجرة وإما بعيدًا عنها، إما مستقبلًا للقبلة وإما مستقبلًا للحجرة، وليس في أئمة المسلمين -لا الأربعة ولا غيرهم- من احتج على ذلك بلفظ روي في زيارة قبره، بل إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلًا وهو أنه كان يسلم، أو بما روي عنه من قوله ﷺ: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇)، وذلك احتجاج بلفظ السلام لا بلفظ الزيارة، وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره.
أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء من ذلك بل يذكرون المدينة وفضائلها وأنها حرم، ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه
[ ٢٩٩ ]
والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ونذر ذلك ونحو ذلك من المسائل، ولا يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره.
فليس في الصحيحين وأمثالهما شيء من ذلك، ولا في عامة السنن [مثل النسائي] والترمذي وغيرهما، ولا في مسند الشافعي وأحمد وأسحاق وأمثالهم من الأئمة.
وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره، كما روى مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، كما قال أبو داود في سننه: باب ما جاء في زيارة القبر وذكر قوله: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇)، ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما يذكرونه من أحكام / المدينة، وإنما يذكر ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسرونه بإتيان المسجد كما تقدم، ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهورًا عند علماء الإسلام في كل زمان، كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه، وكما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه، فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في الحديث والفقه إلا وفيه ذكر الصلاة والسلام عليه، وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده.
ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول ﷺ وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه لم يقدر أحد منهم على أن يستدل في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف بل موضوع مكذوب. وليس معهم بذلك نقل
[ ٣٠٠ ]
عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين فلا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر إلى مجرد زيارة القبور، ولا السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا السفر لمجرد زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده.
بل كثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد والصلاة فيه وهي الأمهات كما في الصحيحين ومساند الأئمة وغيرهما، وفيها ما فيه ذكر السلام عند الحجرة كما جاء عن ابن عمر وكما فهموه من قوله، ومنها ما يذكر فيه لفظ زيارة قبره والصلاة في مسجده، وفيها ما يطلق فيه زيارة قبره ويفسر ذلك بإتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه.
وأما التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرح به، وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى المساجد / الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد.
ولكن قد يقال: إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة.
فيقال: هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور، فمن قال إنه يستحب زيارة قبره كما يستحب زيارة سائر القبور وأطلق هذا كان ذلك متضمنًا لاستحباب السفر لمجرد القبر، فإن الحجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه، لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور به فامتنع أن يكون أحد من
[ ٣٠١ ]
العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك، لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه.
ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده، سواء كان القبر هناك أو لم يكن.
ثم كثير من المتأخرين لما رويت أحاديث في زيارة قبره ظن أنها أو بعضها صحيح فتركب من إجمال اللفظ ورواية هذه الأحاديث الموضوعة غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر، وإلا فليس هذا قولًا منقولًا عن إمام من أئمة المسلمين.
وإن قدر أنه قاله بعض العلماء كان هذا قولًا ثالثًا في هذه المسألة.
فإن الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم قولان: النهي، والإباحة، فإذا كان قولًا من عالم مجتهد ممن يعتد به في الإجماع أن ذلك مستحب صارت الأقوال ثلاثة، ثم ترجع إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر] ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [سورة النساء: (٥٩)].
والمقصود أن هذا كله يبين ضعف حجة الفرق بين الصادر من المدينة والوارد عليها، والوارد على مسجده / من الغرباء والصادر عنه، وذلك أنه يمتنع أن
[ ٣٠٢ ]
يقال إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين بها، فإن أولئك هم أفضل أمته وخواصها وهم الذين خاطبهم بهذا فيمتنع أن يكون المعنى: من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمن بها. فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص ولا روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك.
يبين هذا أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلموا.
إن قيل إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطيل للحديث.
وإن قيل كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلموا من خارج فقد ظهر الفرق.
وإن قيل بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به.
وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلم من خارج لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول المفرقين.
ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أو لا يسافر إلا للحج، والقادم قد يقيم بالمدينة العشر والشهر، فهذا يرد عليه في اليوم والليلة عشر مرات وأكثر كلما دخل وكلما خرج، وذاك المدني المقيم لا يرد عليه قط أو لا يرد عليه في عمره إلا مرة.
[ ٣٠٣ ]
وأيضًا فاستحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة وهو الذي يسمى طواف القدوم وطواف التحية وطواف الورود، وعند الصدور وهو الذي يسمى طواف الوداع.
وهذا تشبيه لبيت المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع بل ولا الصلاة إليها، لما ثبت عنه في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).
وأيضًا فالطواف بالبيت يشرع لأهل مكة وغيرهم كلما دخلوا المسجد، والوقوف / عند القبر كلما دخل المدني لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة ولا نظير في الشريعة ولا هو مما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة، ولا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته، وإذا فعله من الصحابة الواحد والإثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعًا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذك فهذا لا يجوز. ونظير هذا مسحه للقبر.
[ ٣٠٤ ]
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قبر النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر، قال فيروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة.
قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد يعني الأنصاري شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسن ذلك. ثم قال: لعله عند الضرورة والشي (*).
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في الأصل المطبوع. وذكر المحقق أنه قد ورد في نسخ أخرى بلفظ (والمشي)، ورجح أنه هو الصواب. لكن قد ورد هذا النقل في موضع آخر من هذا الكتاب وفي "اقتضاء الصراط المستقيم" بلفظ (والشيء)، فالله أعلم.
[ ٣٠٥ ]
قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر.
وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ.
وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضًا في منسك المروذي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله إنما يدل على التسويغ وأن هذا مما فعله بعض الصحابة. فلا يقال انعقد إجماعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيئًا عنده.
وإما / أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي، لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف.
ولا يجوز أن يقال: إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، أو نهى عن ذلك وكرهه ونحو ذلك، إلا بدليل يدل على ذلك، لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير. ونظائر هذا متعددة والله أعلم.
[ ٣٠٦ ]
والمؤمن قد يتحرى الصلاة أو الدعاء في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك.
فمثل هذا إذا لم يكن منهيًّا عنه لا بأس به، ويكون ذلك مستحبًّا في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون.
وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه، وهو أحب إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه أو لم يتيسر له، فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص، وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع، كما ثبت أن الصلاة أفضل ثم القراءة ثم الذكر بالأدلة الشرعية، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه، كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وكفضيلة الدعاء في آخر الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائره متعددة، وبسط هذا له موضع آخر.
ولكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل إنه مستحب للأمة قد ندبهم إليه الرسول ورغبهم فيه فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف / إلى الرسول إلا ما صدر عنه، والرسول هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته
[ ٣٠٧ ]
واتباعه وايجاب ما أوجبه وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه، وبه فرق الله بين الهدى والضلال والرشاد والغي والحق والباطل والمعروف والمنكر.
وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم [وأنه على صراط مستقيم]، وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [سورة النساء: (٨٠)]، وقوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ [سورة النساء: (٦٤)]، وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ [سورة الأعراف: (٦)]، وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه، وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار؛ فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار، قال تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله﴾ الآية [سورة النساء: (١٣ - ١٤)].
والوعد سعادة الدنيا والآخرة والوعيد شقاء الدنيا والآخرة معلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم، وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى،
[ ٣٠٨ ]
وأصحابها هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، والمخالفون له هم أعداء الله حزب إبليس اللعين، قال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا -إلى قوله- خذولًا﴾ [سورة الفرقان: (٢٧ - ٢٩)]، وقال تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا -إلى قوله- لعنًا كبيرًا) [سورة الأحزاب: (٦٦ - ٦٨)]، وقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [سورة آل عمران: (٣٢)]، وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [سورة النساء: (٦٥)]، وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [سورة النور: (٦٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [سورة النساء: (٦٩)].
وجميع الرسل أخبروا أن الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ [سورة النساء: (٦٤)]، يأمرون بعبادة الله [وحده، وتقواه وحده، وخشيته وحده]، ويأمرون بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزن﴾ [سورة النور: (٥٢)]، وقال نوح: ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ وقال في السورة: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ [سورة الشعراء: (١٠٨ و١٢٦ و١٤٤ و١٦٣ و١٧٩)]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط.
[ ٣٠٩ ]
والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان وزمان، ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا وعلانية وسرًّا، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك، فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى﴾ [سورة الليل: (١٤ - ١٦)]، أي كذب به وتولى عن طاعته كما قال في موضع آخر: ﴿فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى﴾ [سورة القيامة: (٣١ - ٣٢)]، قال تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذًا وبيلًا﴾ [سورة المزمل: (١٥ - ١٦)]، وقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [سورة النساء: (٤١)]، وقال: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾ [سورة النساء: (٤٢)].
والله تعالى قد سماه سراجًا منيرًا وسمى الشمس سراجًا وهاجًا، والناس إلى هذا السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم محتاجون إليه سرًّا وعلانية ليلًا ونهارًا بخلاف الوهاج، وهو أنفع لهم فإنه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى.
[ ٣١٠ ]
ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول والإيمان به وطاعته / ومحبته وموالاته وتعظيمه [وتوقيره وتعزيره] عامة في كل مكان وزمان كان ما يؤمر به من حقوقه عامًّا لا يختص بغيره، فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلًا بقدر الرسول ﷺ وقدر ما أمر الله به من حقوقه. وكل من اشتغل بما أمر الله به من طاعته شغله ذلك عما نهى عنه من البدع المتعلقة بقبره وقبر غيره، ومن اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به الرسول من حقه، فطاعته هي مناط السعادة والنجاة.
والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول وأشركوا بالرب ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد والإيمان بالرسول، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذه الأصلين (ماذا كنتم تعبدون، وبما أجبتم المرسلين؟) كما بسط هذا في موضعه.
والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين يدخلون المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس ويصلون على النبي ﷺ ويسلمون عليه عند دخول المسجد، ولم يكونوا يذهبون يقفون إلى جانب الحجرة ويسلمون هناك. وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار.
[ ٣١١ ]
ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك قبل خلافة الوليد فإنه توفي سنة بضع وسبعين والوليد تولى سنة بضع وثمانين وتوفي سنة بضع وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك.
وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة، مدينة الرسول ﷺ، عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز / لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة، وقصه وعمله بالفسيفساء وبالمرمر، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد
[ ٣١٢ ]
(*) وأدخل القبر فيه ونقل لبن المسجد ولبن الحجرات فبنى به داره بالحرة، فهو فيها اليوم بياض على اللبن.
وقال: حدثنا محمد بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن هارون بن كثير قال: بنى عمر من حجارة مسجد النبي ﷺ مدماكين في أعلى مسجد بني حرام الذي في الشعب، والمدماك الساف.
وقال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران عن جعفر بن وردان عن أبيه قال: لما استعمل الوليد عمر بن عبد العزيز أمره بالزيادة
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع تكرر في بداية هذه الصفحة ما جاء في نهاية الصفحة السابقة، وهي العبارة التالية: (وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد). فتم حذفها.
[ ٣١٣ ]
في المسجد وبنيانه، فاشترى ما حواليه من الشرق والغرب والشام، فلما خلص إلى القبلة قال له [عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب]: لسنا نبيعه، هو من حق حفصة، وقد كان النبي ﷺ يسكنها، فقال عمر بن عبد العزيز: ما أنا بتارككم أو أدخلها في المسجد. فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر: أجعل لكم في المسجد بابًا تدخلون منه وأعطيكم دار الرقيق مكان هذه الطريق وما بقي من الدار فهو لكم، فقبلوا، فأخرج بابهم من المسجد، وهي الخوخة التي في المسجد تخرج من دار حفصة بنت عمر، وأعطاهم دار الرقيق، وقدم الجدار في موضعه اليوم وزاد من الشرق ما بين الأسطوانة المربعة إلى جدار المسجد اليوم، وهو عشرة أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام، ومده من الغرب أسطوانتين، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي ﷺ، وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي يقال لهن القرائن، قال: فلما قدم الوليد حاجًّا جعل يطوف في المسجد وينظر إليه ويقول: هاهنا، ومعه أبان بن عثمان فلما استنفد / الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان بن عثمان فقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ فقال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس.
قال: ومكث عمر في بنائه ثلاث سنين.
[ ٣١٤ ]
قال أبو زيد قال أبو غسان وسمعنا ما يحدث أن الوليد قال لعمر: ما منعك أن تجعل جدار المسجد على بناء جدار القبلة وأن تجعل سقفه على عمد السقيفة التي على المنبر؟ فقال: وهل تدري كم أنفقت على جدار القبلة وهاتين السقيفتين؟ قال: كم أنفقت؟ قال: خمسة وأربعين ألف درهم -وقال بعضهم: أربعة ألاف دينار- فقال: والله لكأنك أنفقتها من مالك.
قال أبو غسان: وقد جاءنا أن القبلة على بناء عثمان، لم يزد فيها أحد. وجاء هذا الحديث، فالله أعلم أي ذلك الحق، غير أن الأقوى عندنا أنها على بناء عثمان.
قال: وقد سمعنا أن الذي كلم به عمر بن عبد العزيز آل عمر منزل حفصة من الحجرات وإنما أعطاهم عمر الخوخة لما أعطوه من ذلك المنزل. وسمعنا من يقول: إنما أعطوه مربدًا لحفصة فأدخله في المسجد، وأن ذلك المربد كان وراء منزلها من الحجرات في الزاوية التي عند القبر من ناحية المنارة، فأعطوه ذلك المربد وفتح لهم الخوخة.
قلت: قول من قال إن القبلة على بناء عثمان لم يزد فيها أحد صحيح، وما ذكره من فعل عمر بن عبد العزيز صحيح أيضًا، فإن عمر إنما بنى جدار القبلة على موضع جدار عثمان، لكنه زاد من [المشرق الزيادة التي قدام حجرة عائشة
[ ٣١٥ ]
وهو منزل حفصة، فكانت زيادته لما زاد من] الشرق زاد أيضًا في الجدار القبلي بقدر تلك الزيادة، والجدار القبلي بالغ في تزويقه أكثر من الجدر الثلاثة. فقال له الوليد: ألا جعلت الجدر كلها مثله، وجعلت سقفه مثل السقيفة التي على القبر؟ فذكر عمر أن ذلك كان يذهب فيه مال كثير.
قال أبو زيد / حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن عمار عن جده قال: لما صار عمر إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال: تعالوا احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا عمر غير قبلتنا، فجعل لا ينزع حجرًا إلا وضع مكانه حجرًا، فكانت زيادة الوليد من المشرق إلى المغرب ست أساطين، وزاد إلى الشام من الأسطوانة المربعة التي في القبر [أربع عشرة] أسطوانة: منها عشر في الرحبة، وأربع في السقائف الأول التي كانت قبل، وزاد من الأسطوانة التي دون المربعة إلى الشرق أربع أساطين، فدخل بيت النبي ﷺ في المسجد.
[ ٣١٦ ]
فهذا قد بين أن الجدار الذي بناه [عمر هو موضع الجدار الذي بناه] عثمان وهو الجدار اليوم، وأن الزيادة من الشرق أربع أساطين، فدخلت حجرة عائشة وما قدامها وهو حجرة حفصة، وهناك زاد الجدار القبلي أيضًا.
قال أبو زيد قال أبو غسان: وحدثني عدة من مشايخ البلد أن عمر لما جاءه كتاب الوليد بهدم المسجد أرسل إلى عدة من آل عمر فقال: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي أن أبتاع بيت حفصة -وكان عن يمين الخوخة قريبًا من منزل عائشة الذي فيه القبر، وكانتا تتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما- فلما دعاهم إلى ذلك قالوا: ما نبيعه شيئًا، قال: إذن أدخله في المسجد، قالوا: أنت وذاك، فأما طريقها فلا تقطعها. فهدم البيت وأعطاهم الطريق ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوانة، وكانت ذلك ضيقة بقدر ما يمر الرجل منحرفًا.
قال أبو غسان: ثم سام عمر بني عبد الرحمن بن عوف بدارهم فأبوا، فهدمها عليهم وأدخلها في المسجد.
وقال عبد الرحمن بن حميد: فذهب لنا متاع كثير من هدمهم.
قال: وأدخل حجرات النبي ﷺ / مما يلي الشرق ومن الشام.
وقال أبو غسان: أخبرني عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن شيخ من مواليهم أدرك عثمان بن حنيف قال: لما انصرف النبي
[ ٣١٧ ]
ﷺ من خيبر وزاد في مسجده البنية الثانية، ضرب الحجرات ما بين القبلة إلى الشام ولم يضربها غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من الغرب، وكانت لها أبواب في المسجد.
قال أبو زيد: حدثنا القعنبي وأبو غسان عن مالك قال: كان الناس يدخلون حجر أزواج النبي ﷺ يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة النبي ﷺ، وكان المسجد يضيق بأهله، ولم تكن في المسجد، وكانت أبوابها في المسجد.
قال أبو غسان: أخبرني مخبر من آل عمر أن حجرة حفصة كانت ما بين الخوخة التي قال لها اليوم خوخة آل عمر إلى بيت عائشة وهو القبر، وأن موضع سرير النبي ﷺ الذي كان يضطجع عليه في بيت حفصة ما بين الأسطوانة الثانية من الأسطوانات التي تلي الخوخة الشرقية إلى الأسطوانة التي تليها، وأن سائر الحجرات كانت تواليه بعد بيت عائشة، فأتموا بها إلى القبلة وآخرها قباله، وكانت من جريد عليها شعر، وكانت البوت من مدر.
[ ٣١٨ ]
قال أبو غسان: وأخبرني ابن أبي فديك سألت محمد بن هلال عن باب بيت عائشة أين كان؟ قال: مما يلي الشام، قلت: أكان مصراعين أم فردًا؟ قال: كان فردًا، قلت: مم كان؟ قال: كان من عرعر أو ساج.
قلت: سائر الروايات فيها أن أبوابها مستورة بالمسوح.
قال أبو زيد: حدثني هارون بن معروف حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: وددت لو تركوا لنا مسجد نبينا على حاله وبيوت أزواجه [﵅] ومنبره ليقدم القادم فيعتبر.
[ ٣١٩ ]
قال ابن عطاء / عن أبيه: وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ يقوم الرجل فيمس سقف البيت، والحجرات سقف عليها المسوح.
قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد الله بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت باللبن ولها حجر من جريد مطرود بالطين، عددت تسعة أبيات بحجراتها، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ إلى منزل أسماء بنت الحسن اليوم. ورأيت بيت أم سلمة زوج النبي ﷺ وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة دومة الجندل بنت حجرتها بلبن، فلما نظر إلى اللبن فدخل عليها أول نسائه فقال (ما هذا البناء)؟ فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال (يا أم سلمة، إن شر ما ذهبت فيه أموال الناس البنيان).
قال الواقدي: فحدثت بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو بين القبر
[ ٣٢٠ ]
والمنبر: أدركت حجرات أزواج النبي ﷺ من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد يقرأ، فأمر بإدخالها في المسجد، فما رأيت يومًا كان أكثر من ذلك اليوم باكيًا. فسمعت سعيد بن المسيب يقول: (والله لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناس من المدينة ويقدم قادم من الأفق، فيرى ما اكتن به النبي ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر).
قال: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: / كان فيها أربعة أبيات بلبن له حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع وعظم الذراع. فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني وأنا في المسجد فيه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسم وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو أمامة ابن
[ ٣٢١ ]
سهل بن حنيف وخارجة بن زيد وإنهم يبكون حتى أخضل الدمع لحاهم، وقال يومئذ أبو أمامة: (ليتها تركت حتى يقصر الناس عن البناء، ويرى الناس ما رضي الله لنبيه وخزائن الدنيا بيده).
قلت: قوله في هذه الرواية: إن فيهم نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ إن كان هذا محفوظًا فمراده من كان صغيرًا في عهد النبي ﷺ مثل أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ومثل محمود بن الربيع، ومثل السائب بن يزيد، وعبد الله بن أبي طلحة، فأما من كان مميزًا على عهد النبي ﷺ فلم يكن بقي منهم أحد، لكن في سهل بن سعد خلاف: قيل توفي سنة ثمان وثمانين فيكون قد مات قبل ذلك أو
[ ٣٢٢ ]
سنة إحدى وتسعين، ولفظ الحجرة في هذه الآثار لا يراد به جملة البيت كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ [سورة الحجرات: (٤)]، بل يراد ما يتخذ حجرة للبيت عند بابه مثل الحريم للبيت، وكانت هذه من جريد النخل، بخلاف الحجر التي هي المساكن فإنها كانت من اللبن، وأم سلمة جعلت حجرتها من لبن كما يروى أن بعضها كانت له حجرة وبعضهن لم يكن له حجرة، والأبواب مستورة بستور الشعر، وكان بيت علي الذي يسكن فيه هو وفاطمة خلف حجرة عائشة، لم يزل حتى أدخله الوليد في المسجد. /
ومما يوضح مسمى الحجرة التي قدام البيت ما في سنن أبي داود وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) فبين أنه كلما
[ ٣٢٣ ]
كان المكان أستر لها فصلاتها فيه أفضل، فالمخدع أستر من البيت الذي يقعد فيه، والبيت أستر من الحجرة التي هي أقرب إلى الباب والطريق.
قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن أبي عائشة عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: زاد عثمان بن عفان في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين فزاد فيه من ناحية القبلة فوضع جداره على جدار المقصورة اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطوانة بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعًا، لم يزد فيه من الشرق شيئًا.
قال أبو غسان: وأخبرني غير واحد من ثقات أهل البلد أن عثمان زاد في القبلة إلى موضع القبلة اليوم ثم لم يغير ذلك إلى اليوم.
قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن عثمان أدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب مما يلي القبلة والشام والغرب،
[ ٣٢٤ ]
وأدخل بعض بيوت حفصة بنت عمر مما يلي القبلة، فأقام المسجد على تلك الحال حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك.
وحدثنا محمد بن يحيى عن رجل عن ابن أبي الزناد عن خارجة بن زيد قال: قدم عثمان المسجد وزاد في قبليه، ولم يزد في شرقيه، زاد في غربيه قدر أسطوانة، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وبيضه بالقصة، وقدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل، وجعل فيه طيقانًا مما يلي الشرق والغرب، وذلك قبل أن يقتل عثمان بأربع سنين، فزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعًا.
قلت: حجر أزواج النبي / ﷺ لم يبنهن كلهن مع بناء المسجد أولًا، فإنه لم يكن حينئذ مزوجًا بتسع، بل بنى بعائشة وكان قد تزوجها بمكة، وكذلك سودة، ثم بحفصة، فلهذا كانت حجرهن لاصقة بالمسجد، وآخر من تزوجها صفية بنت حيي لما فتح خيبر سنة سبع من الهجرة وحينئذ اتخذ لها
[ ٣٢٥ ]
بيتًا، وكان بيتها أبعد عن المسجد من غيره كما في الصحيحين عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي أم المؤمنين قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني. وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي) فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال شيئًا) ففي الحديث أن مسكنها كان في دار أسامة بن زيد، وأن النبي ﷺ قام معها ليقلبها إلى مسكنها، وأنه مر به رجلان من الأنصار، ولو كان مسكنها متصلًا بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك، فإن
[ ٣٢٦ ]
المسجد لم يكن فيه ما يخافه، ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها، والرجلان مرا به في الطريق لم يكن مرورهما في المسجد، فإن المسجد لم يكن طريقًا بالليل، ولو رأياه في المسجد لم يحتج أن يقول ما قال، بل رأياه ومعه امرأة خارجًا من المسجد فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئًا من الظن السيء فيهلكا بذلك.
وأما ما ذكروه من أن عثمان زاد في المسجد من جهة الشام -مع أنه لم يأخذ شيئًا من جهة الحجر- فعلم أن من الحجر ما لم يكن ملتصقًا بالمسجد، فإن الناس بنوا دورهم متصلة بالمسجد قبل أن يتزوج جويرية وصفية وغيرهما، / ولم يكن النبي ﷺ ليزاحم أحدًا في داره، فكان يتخذ الحجرة شامي المسجد وإن لم تكن متصلة به، ولهذا ذكروا أن عثمان زاد من جهة الشام خمسين ذراعًا ولم يأخذ شيئًا من الحجر، بل الوليد زاد على ذلك بأخذ الحجر فكانت الحجر كما ذكروا من ناحية الشرق مع الاتصال، وحجرة حفصة شرقية وقبلية، فإن حجرة عائشة هي التي كانت مسامتة لم تتقدم المسجد، وأما حجرة حفصة فكانت فاضلة عن المسجد من مقدمه، ولهذا زادوها مع الزيادة في المسجد، وكذلك الحجر التي كانت في الشام كانت شرقية وشامية لكن الشامي لم يكن ملتصقًا بالمسجد، فلهذا قال من قال: كانت الحجر من قبليه وشرقيه ولم يذكر الشام.
وذكر آخرون أن منها ما كان من الشام، ولا منافة بين القولين، فإن صاحب القول الأول أراد ما يتصل بالمسجد، وما كان شام المسجد بقليل كان
[ ٣٢٧ ]
شرقية أيضًا فكانت هذه شرقية شامية، ومن قال شامية فمعناه أنها من جهة شام الشرق وإن لم تكن متصلة بالمسجد، فكثير من الروايات من هذا الباب قد يظن بها تناقض فإن كانت متناقضة فما ناقض الصحيح فهو باطل، وإن كان المعنى متفقًا فلا تناقض.
وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. /
قال أبو زيد: حدثني محمد بن يحيى حدثني من أثق به أن عمر زاد في المسجد من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم، قال: فأما الذي لا يشك فيه أهل بلدنا أن عثمان هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم، ثم لم تغير بعد ذلك.
قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن عثمان عن مصعب بن ثابت عن خباب أن النبي ﷺ قال يومًا وهو في مصلاه: (لو زدنا في
[ ٣٢٨ ]
مسجدنا) وأشار بيده نحو القبلة، فلما ولي عمر قال: إن النبي ﷺ قال: (لو زدنا [في مسجدنا]) وأشار بيده نحو القبلة، فأدخلوا رجلًا مصلى النبي ﷺ وأجلسوه، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى إذا رأوا ذلك نحو ما رأوا أن النبي ﷺ رفع يده، ثم مدوا مقاطًا فوضعوا طرفه بيد الرجل، ثم مدوا فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا ذك شبيهًا بما أشار رسول الله ﷺ من الزيادة فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة.
وقال: حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر لو مد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه.
حدثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي)، فكان أبو هريرة يقول: (والله لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما غدوت أن أصلي فيه).
[ ٣٢٩ ]
حدثنا محمد حدثني عبد العزيز بن عمران عن فليح بن سليمان عن ابن أبي عمرة قال: زاد عمر في المسجد في شاميه، ثم قال (لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ وجاءه الله بعامر).
وهذا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل.
وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك / كان الأمر على عهد عمر وعثمان، فإن كليهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا.
لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء. وقد ذكروا أن النبي ﷺ زاد فيه لما قدم من خيبر.
قال أبو غسان: حدثني غير واحد ولا اثنين ممن يوثق به من أهل العلم من أهل البلد أن الرسول ﷺ ترك المسجد من القبلة في تلك البنية على حده الأول،
[ ٣٣٠ ]
فأخذت الأساطين من الشرق إلى الأسطوانة التي دون المربعة التي عند القبر التي لها نجاف طالع، وأثبت من الشام لم يزد فيه شيء، ومن الغرب إلى الأسطوانة التي دون المربعة الغربية، ومن بيان ذلك أن النبي ﷺ كان يعتكف في موضع مجلس آل عبد الرحمن بن هشام، وأن عائشة كانت ترجل رأسه وهي في بيتها وهو معتكف في المسجد.
وهذه الأمور نبهنا عليها ها هنا فإنه يحتاج إلى معرفتها، وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان، ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك، وكان من المقصود أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة ولم يبق إلا من أدرك النبي ﷺ ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة، وقال النبي ﷺ (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع).
ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان بعد بضع وثمانين. وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين، وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين، وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير
[ ٣٣١ ]
من التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة، ويقال لها سنة الفقهاء.
وجابر بن عبد الله كان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة، ولم يكن بقي من هؤلاء غيره لما مات وذلك قبل تغيير المسجد بسنتين، ولم يبق بعده ممن كان بالغًا حين موت النبي ﷺ إلا سهل بن سعد الساعدي فإنه توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل سنة إحدى وتسعين، ولهذا قيل فيه إنه آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ كما قاله أبو حاتم البستي وغيره. وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارًا، مثل السائب بن يزيد الكندي ابن أخت نمر فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل إنه مات بعده عبد الله بن أبي طلحة الذي حنكه النبي ﷺ، وكذلك محمود بن الربيع الذي عقل مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه من بئر كانت في دارهم وله خمس سنين، مات سنة تسع وتسعين، وسنه [ثلاث وتسعين]. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سماه النبي ﷺ أسعد باسم أسعد بن زرارة مات سنة مائة.
[ ٣٣٢ ]
لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته ﷺ من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة، مثل ما ينقله جابر وسهل بن سعد وغيرهما. وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك عام قتل ابن الزبير بمكة سنة ثنتين وسبعين، وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة بضع وستين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد وإدخال الحجر فيه، وأنس بن مالك كان بالبصرة لم يكن بالمدينة، وقد قيل إنه آخر من مات بها من الصحابة.
وكانت حجر أزواج النبي ﷺ / شرقي المسجد وقبليه، وقيل وشاميه، فاشتريت من ملاكها ورثة أزاجه ﷺ وزيدت في المسجد فدخلت حجرة عائشة.
وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة، فسد باب الحجرة وبنوا حائطًا آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلم عليه لما كان جدارًا واحدًا.
قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعًا في المسجد كان له حد ذراع أو ذراعين أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب فيه هذا السلام، والمكان الذي لا يستحب.
[ ٣٣٣ ]
فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه.
قيل: وكذلك من كان خارج المسجد وإلا فما الفرق، وحينئذ فيلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في كل صلاة كما ظنه بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك.
وإن قيل: يختص بقدر بين المُسلِّم وبين الحجرة، قيل: فما حد ذلك؟ وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة، كما استحب ذلك مالك وغيره، ولكن يقال فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع، فإنهم قالوا يكون حين يسلم عليه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ولا يدنو أكثر من ذلك.
وهذا والله أعلم قاله المتقدمون، لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جواب المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد ولا يستقبل به القبلة ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد.
[ ٣٣٤ ]
وبالجملة فمن قال إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به / الرد فلا بد له من أن يحد مكان ذلك، يقال إلى أين يسمع ويرد السلام؟ فإن حد في ذلك ذراعًا أو ذراعين أو عشرة أذرع أو قال إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها (إن الملائكة يبلغونه صلاة من يصلي عليه، وسلام من يسلم عليه) ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه ﷺ ذلك، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حد.
ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، ولا أحد يحد في ذلك حدًّا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق.
وأيضا فذلك يختلف بارتفاع الأصوات وانخفاضها، والسنة في السلام عليه خفض الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك، بخلاف المسلم من الحجرة فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد.
ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فإن المسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على
[ ٣٣٥ ]
صاحبه كما يصلي على من صلى عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر.
وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء، وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم.
ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب وإما ضعيف سيء الحفظ ونحو ذلك كما قد بين في غير هذا الموضع، وهذا الحديث الذي فيه (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) / قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، وقيل: هو على شرط مسلم ليس على شرط البخاري، وهو معروف من حديث حيوة بن شريح المصري الرجل الصالح الثقة عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة.
[ ٣٣٦ ]
وقد أخرج مسلم حديثًا بهذا الإسناد، وأبو صخر هذا متوسط. ولهذا اختلف فيه عن يحيى بن معين، فمرة قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي، ومرة قال: لا بأس به، ووافقه أحمد.
فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث.
ولو أريد إثبات سنة لرسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفًا فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه. ومسلم روى بهذا الإسناد قوله ﷺ (من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)، وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة من غير هذا الطريق، ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط مسلم أو البخاري كما بسط هذا في موضعه.
[ ٣٣٧ ]
الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروفًا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة -مالك وغيره- أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ فلما كرهوا هذا القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر، لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
الوجه التاسع: أن الذين كرهوا / هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره ﷺ إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم.
وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع، وبهذا يظهر أن قول الذين كرهوا أن يسمى هذا زيارة لقبره ﷺ وهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره، ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها وفي غير المساجد أيضًا، ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر كان قول من كره أن يسمى هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص والإجماع، والذين قالوا تستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا. فليس بين العلماء خلاف في المعنى بل في التسمية والإطلاق.
[ ٣٣٨ ]
والمجيب لم يحك نزاعًا في استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده، وبعضهم يسميها زيارة لقبره وبعضهم يكره أن تسمى زيارة لقبره، وإذا كان المجيب يستحب ما يستحب بالنص والإجماع وقد ذكر ما فيه النزاع، كان الحاكي عنه خلاف ذلك كاذبًا مفتريًا يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين.
[ ٣٣٩ ]