فصل
قال:
ـ[فعند ذلك شرح الله صدري للجواب عما نقل فيه من مقالته، وسارعت لإطفاء بدعته وضلالته، فأقول وبالله التوفيق، وأن يوصلنا إليه من أسهل طريق: لقد ضل صاحب هذه المقالة وأضل، وركب طريق الجهالة واستقل. وحاد في دعواه عن الحق وما جاد، وجاهر بعداوة الأنبياء وأظهر لهم العناد. فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور، وخالف في ذلك الخبر الصحيح المأثور. وهو ما ورد / عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (زوروا القبور)، وورد عنه أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هُجْرًا)، فرفع [رسول الله] ﷺ الحرج عن المكلف بعد ما كان حظر. والمشهور أن]ـ
[ ١٥٤ ]
ـ[الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب، وأقل درجاته أن يلحق بالمباح أو المندوب.]ـ
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن في هذا الكلام من الجرأة على الله ورسوله وعلماء المسلمين أولهم وآخرهم ما يقتضي أن يعرف من قال هذه المقالة ما فيها من مخالفة دين الإسلام وتكذيب الله ورسوله، ويستتاب منها، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وذلك أنه ادعى أنه من حرم السفر إلى غير المساجد الثلاثة، أو حرم السفر لزيارة القبور، وقال إنه جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد، فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور. ذكر ذلك بحرف الفاء، وليس في كلام المجيب إلا حكاية القولين في السفر، لمجرد زيارة القبور.
فإذا قيل: إنه جاهر بالعداوة وأظهر العناد لأجل تحريم هذا السفر، كان كل من حرمه مجاهرًا للأنبياء بالعداوة، مظهرًا لهم العناد. ومعلوم أن مجاهرة الأنبياء بالعداوة وإظهار العناد لهم غاية في الكفر، فيكون كل من نهى عن هذا السفر كافرًا.
وقد نهى عن ذلك عامة أئمة المسلمين، وإمامه مالك صرح بالنهي عن السفر لمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ، مع أن النذر يوجب فعل الطاعة عنده، فلم يجعله مع النذر مباحًا، بل جعله محرمًا منهيًّا عنه لما سئل عمن نذر أن يأتي قبر
[ ١٥٥ ]
رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته وليصل وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد).
ومذهبه المعروف في جميع كتب أصحابه الكبار والصغار كالمدونة لابن القاسم، والتفريع لابن الجلاب، أنه من نذر إتيان المدينة النبوية إن كان أراد الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفى بنذره، وإن كان أراد غير ذلك لم يوف بنذره.
فالسفر إلى المدينة ليس عنده مستحبًّا إلا للصلاة في المسجد، فأما من / سافر إليها لغير ذلك -كزيارة قبر الرسول ﷺ، أو زيارة قبور شهداء أحد، أو أهل البقيع، أو مسجد قباء- فإن هذا السفر عنده منهي عنه فلا يوف بنذره.
[ ١٥٦ ]
فهذا مذهبه في كل منذور من السفر إلى المدينة سوى الصلاة في مسجده، ومسألة إتيان القبر بخصوصه داخلة في ذلك.
وقد ذكرها بخصوصها عنه القاضي إسماعيل ابن إسحاق محتجًّا بذلك على ما ذكره، فدل على ثبوت ذلك عنده عن مالك، قال في كتابه المبسوط لما ذكر قول محمد بن مسلمة: من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه.
قال القاضي إسماعيل: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي ﷺ في نذر، ولا غيره.
وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد).
وهذا يوافق ما في المدونة وغيرها من الكتب، ففي المدونة وهي الأم في مذهب مالك: ومن قال لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول أو مسجد إيليا، وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما،
[ ١٥٧ ]
راكبًا ولا هدي عليه. وكأنه لما سماهما قال لله علي أن أصلي فيهما، ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته.
وهذه المسائل في الكتب الصغار والكبار، وقد صرح فيها أن من نذر المشي أو الإتيان إلى مدينة الرسول ﷺ أو بيت المقدس فلا يأتهما إلا أن يريد الصلاة في المسجدين. فتبين بهذا أن السفر إلى المدينة أو بيت المقدس في غير الصلاة في المسجدين ليس طاعة ولا مستحبًّا ولا قربة، بل هو منهي عنه وإن نذره، لقوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) رواه البخاري وغيره، وهو من حديث مالك في الموطأ.
فمن سافر لبيت المقدس لغير / العبادة المشروعة في المسجد، مثل زيارة ما هنالك من مقابر الأنبياء والصالحين وآثارهم، كان عاصيًا عنده. ولو نذر ذلك لم يجز له الوفاء بنذره.
وكذلك من سافر إلى قبر الخليل أو غيره. وكذلك من سافر إلى مدينة الرسول ﷺ لمجرد القبر لا للعبادة المشروعة في المسجد كان عاصيًا، وإن نذر ذلك لم يوف بنذره سواء سافر لأجل قبره أو لأجل ما هنالك من المقابر والآثار أو مسجد قباء أو غير ذلك.
وقال القاضي عبد الوهاب في الفروق: يلزم المشي إلى بيت الله الحرام، ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس. والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة فيلزمه، والمدينة والبيت المقدس الطاعة
[ ١٥٨ ]
في الصلاة في مسجديهما فقط فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه، ألا ترى أنه من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه.
فإذا كان إمامه ينهى عن السفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ دون إتيان مسجده، ونهى الناذر لذلك أن يوفي بنذه، والمالكية بل الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أن ذلك لا يوفي بنذره، بل مالك والجمهو نهوا عن الوفاء بنذره لكونه عندهم معصية، فيلزم هذا لمفتري أن يكون مالك وأصحابه مجاهرين بالعداوة للأنبياء مظهرين لهم العناد، وكذلك سائر الأئمة، والجمهور الذين حرموا السفر لغير المساجد الثلاثة وإن كان المسافر قصده الصلاة في مسجد آخر.
ومعلوم أن المساجد أحب البقاع إلى الله، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغضها إلى الله الأسواق).
والأئمة الأربعة متفقون على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم بالنذر ولا يسن وليس مستحبًّا ولا طاعة ولا برًّا ولا قربة، وجمهورهم يقولون إنه حرام مع أن قصد المساجد للصلاة فيها والدعاء أفضل بسنة رسول الله ﷺ واتفاق علماء أمته من قصد قبور الأنبياء والصالحين والدعاء عندها، بل هذا محرم نهى عنه رسول الله ﷺ ولعن أهل الكتاب على فعله تحذيرًا / لأمته.
[ ١٥٩ ]
ففي الصحيح أنه قال ﷺ قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
وفي الصحاح من غير وجه أنه قال ﷺ في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما فعلوا) قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا).
فمقابر الأنبياء والصالحين لا يجوز اتخاذها مساجد بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ واتفاق أئمة المسلمين على ذلك، من كره الصلاة في المقبرة ومن لم يكره فإن الذين لم يكرهوها قالوا: سبب الكراهة هو نجاسة التراب فإذا كان طاهرًا لم يكره.
وأما اتخاذ القبور مساجد فبسبب تعظيم صاحب القبر حتى يتخذ قبره وثنًا وهذه علة أخرى علل بها طوائف من المسلمين من فقهاء المدينة والكوفة وفقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع. بل صاحب الشرع ﷺ الذي حرم هذا السفر يلزم هذا المفتري الجاهل أن يكون مجاهرًا للأنبياء بالعداوة والعناد، بل المساجد غير الثلاثة نهى عن السفر إليها. وأما إتيانها بلا سفر للصلاة والدعاء فمن أعظم العبادات والقربات، يكون واجبًا تارة ومستحبًّا أخرى.
وأما قبور الأنبياء والصالحين فلا يستحب إتيانها -للصلاة عندها والدعاء- عند أحد من أئمة الدين، بل ذلك منهي عنه في الأحاديث الصحيحة كما ذكر
[ ١٦٠ ]
ذلك غير واحد من العلماء، ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها كما كان النبي ﷺ يزور قبور أهل البقيع.
وأما قبره خصوصًا فحجب الناس عنه ومنعوا من الدخول إليه وقال ﷺ: (لا تتخذوا قبري -وفي رواية بيتي- عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني). وكذلك قال في السلام عليه.
والله أمر بالصلاة والسلام عليه مطلقًا وذلك مأمور به في جميع البقاع لا يختص قبره باستحباب ذلك، بل هو مستحب مشروع في جميع البقاع، وتخصيص القبر بذلك منهي عنه، فالذين نهوا عن هذا السفر إنما نهوا عنه طاعة لله ورسوله فهم قاصدون بذلك طاعة الله واتباع رسوله، ولو كانوا مخطئين / لم يكن القاصد لطاعة الأنبياء معاديًا لهم لا سرًّا ولا جهرًا ولا معاندًا لهم، بل موجبًا لطاعتهم والإيمان بهم، ومواليًا لهم ومسلّمًا لحكمهم ولو كان مخطئًا فإن هذا كان قصده، فكيف يجعل معاديًا لهم لا سيما مع أنه مصيب موافق لهم باطنًا وظاهرًا؟
[ ١٦١ ]
ولو قدر أن المجيب حرم زيارة القبور مطلقًا سفرًا وغير سفر فهذا قول طائفة من السلف مثل الشعبي والنخعي وابن سيرين كما ذكر ذلك عنهم غير واحد، منهم ابن بطال في شرح البخاري، وهؤلاء من أجل علماء المسلمين في زمن التابعين باتفاق المسلمين، ويحكى قولًا في مذهب مالك. ومن قال ذلك لم يكن معاديًا للأنبياء لا سرًّا ولا جهرًا ولا معاندًا لهم لا باطنًا ولا ظاهرًا.
ومن قال عن علماء المسلمين الذين اتفق المسلمون على أمانتهم إنهم كانوا معاندين للأنبياء فإنه يستحق عقوبة مثله.
ولا خلاف بين المسلمين أن النبي ﷺ كان قد نهى عن زيارة القبور أولًا فكان ذلك محرمًا في أول الإسلام وقد اعترف هذا المعترض بذلك، فهل يقال: إن الرسول لما حرم زيارة القبور كان مجاهرًا للأنبياء بالعداوة ومظهرًا لهم العناد؟ وكذلك سائر الشرع المنسوخ ليس فيه معاداة للأنبياء ولا معاندة لهم لا سرًّا ولا
[ ١٦٢ ]
جهرًا، فإن الله سبحانه لم يشرع معاداة أنبيائه ولا معاندتهم قط، بل الإيمان بجميع الأنبياء كالتوحيد لا بد منه في كل شرعة.
ودين الأنبياء واحد كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)، وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ [سورة المؤمنون: (٥١ - ٥٢)] قال عامة المفسرين: على ملة واحدة وعلى دين واحد. وقد قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة -إلى قوله- ولتنصرنه﴾ [سورة آل عمران: (٨١)]، فأمر متقدمهم أن يؤمن بمتأخرهم كما أمر متأخرهم أن يؤمن بمتقدمهم، فكل ما شرع في وقت لا يكون مقصوده معاداة للأنبياء كما لا يكون مقصوده شركًا، فإن الله لم يشرع الشرك قط ولا شرع معاداة الأنبياء قط، لكن من تمسك بالمنسوخ مع علمه بأنه منسوخ يكون مكذبًا. ثم معاداة الأنبياء ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم.
فأين في كتاب الله وسنة رسوله / أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبورهم أو قبور غيرهم حتى يكون مخالف ذلك مخالفًا لذلك النص؟ ولو قدر أنه خالف نصًّا لم يبلغه أو رجح غيره عليه لم يكن ذلك معاداة لهم ولا معاندة، [ولكن أهل الضلال والجهال] يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق وأنها من الإيمان بهم.
[ ١٦٣ ]
أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم وتعظيم أقدارهم وجاههم عند الله، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه إما بشفاعتهم له وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله يعطي سؤله إذا دعاهم.
وأما أن يقول: يفيض على الداعي من جهتهم ما يطلب من غير علم منهم ولا قصد كشعاع الشمس الذي يظهر في الماء وبواسطة الماء يظهر في الحائط وأن كانت الشمس لا تدري بذلك، فهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل، وقد ذكره صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وغيره كما بسط الكلام على ذلك في موضع آخر.
[ ١٦٤ ]
ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد وعلى هذا الوجه ليست من شريعة الإسلام، بل من دين المشركين والمعطلين. والرسول لم يشرع مثل هذا لأمته ولا فعله أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، بل النصوص المستفيضة عن النبي ﷺ تنهى عما قد يفضي إلى هذا، فكيف إلى هذا، فإنه ﷺ لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد يحذر ما فعلوا وقال (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وخص بيته بأن قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا) وفي رواية (بيتي عيدًا)، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فإذا كان قد حرم أن
[ ١٦٥ ]
تتخذ مسجدًا يعبد الله فيها لئلا يفضي إلى دعائه، فكيف إذا كان المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر؟ وذلك هو المقصود بالسفر إلى قبره.
وقد قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر / بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٨٠)]. والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله. والمشركون بالقبور توجد فيهم الأنواع الثلاثة، قال الله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ الآية [سورة يونس: (١٨)]، وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [سورة الزمر: (٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)] وقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض -إلى قوله- وهو العلي الكبير﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)]، حتى إن الملائكة إذا قضى الأمر صعقوا
[ ١٦٦ ]
ولا يعلمون ما قضاه حتى يفزع عن قلوبهم أي يزول عنها الفزع، حينئذ يعلمون ما قضاه وما قاله، فكيف يشفعون عنده ابتداء؟ قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الآية [سورة الأنبياء: (٢٨)]، وقال: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئًا﴾ الآية [سورة النجم: (٢٦)]، وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق فهذا الظن ليس هو دين أحد من المسلمين، ولم يقل [أحد من المسلمين] إن السفر إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما فقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار؟ لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون: فأحد القولين أن ذلك جائز لا فضيلة فيه، والآخر أنه ينهى عنه. وعلى هذا القول دلت سنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة وسلف الأمة، فإنه قد ثبت عنه أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهذه صيغة خبر معناه النهي. ولكن من قال ليست نهيًا
[ ١٦٧ ]
[بل هي نفي للفضيلة] وهذا الاحتمال وإن كان باطلًا فإنما يقدح في رواية أبي هريرة. والحديث في الصحيحين من رواية [أبي هريرة ومن رواية أبي] سعيد / الخدري. ولفظ حديث أبي سعيد: عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: فأقول عليه ما لم أسمع؟ سمعته يقول (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)، وسمعته يقول: (لا تسافر المرأة يومًا من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها). ولفظ أبي سعيد هذا هو الثابت في الصحاح صريح في النهي، وهو صريح في أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. وتبين بذلك أن من قال أن السفر إلى غيرها جائز أو غير مكروه فهو مخطىء. والله أعلم.
[ ١٦٨ ]
وإذا كان ذلك ليس بواجب ولا مستحب بل هو منهي عنه لم يكن من حقوقهم التي أوجبها الله ولا دعا عباده إليها، فأي معاداة وأي معاندة لمن نهى عن شيء ليس من حقوقهم ولا مما أوجبوه ولا دعوا إليه؟ بل هو ناه عما نهوا عنه آمر بما أمروا به مطيع لهم متبع لهم قصده متابعتهم، فكيف يكون مع متابعتهم قصدًا وقولًا وعملًا معاديًا ومعاندًا؟ ولو قدر أنه متأول مخطئ فكيف إذا كان قد ذكر قولي علماء المسلمين الذين نهوا والذين أباحوا وحجة كل قول؟ والسلف على النهي، وكلام علماء المسلمين مالك وغيره موجود في كتب كثيرة، فكفى بقاض مالكي جهلًا وضلالًا [أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه، بل كفى بمن قال ذلك جهلًا وضلالًا] سواء كان مالكيًّا أو غير مالكي مع عظم قدر مالك بإجماع أهل الإسلام الخاص منهم والعام، بل لم يكن في وقته مثله.
وقد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة)، قال غير واحد: كانوا يرونه مالك بن أنس.
[ ١٦٩ ]
فلو كان ما قاله هو وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة لم يكن ذلك من مسائل التكفير ولا من معاداة الأنبياء ومعاندتهم. فكيف والذي قاله مالك [بن أنس] هو قول سائر الأئمة كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ومسائلهم، والذين خالفوه غايتهم أن قالوا إن السفر جائز. ولو قدر أن بعضهم قالوا: هو مستحب فليس / فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقص الأنبياء أو عاداهم أو عاندهم، بل قائل هذا من أجهل الناس. وهو في هذه المقالة بالنصارى أشبه منه بالمسلمين.
وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق -وهو من أجل علماء المسلمين، ومن أجل من قلد قضاء القضاة، حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بني العباس في خلافة المعتضد- ذكر في كتابه المبسوط ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء للصلاة فيه، لما ذكر محمد بن مسلمة: أن من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه، قال: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي ﷺ في نذر ولا غيره.
[ ١٧٠ ]
قال: وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث.
وذكر فيه عن مالك أنه قال فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه قال: فإني أكره له ذلك لقوله ﷺ: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
وتقدم أن في المدونة وسائر الكتب ما يوافق ذلك.
قال في المدونة: ومن قال: لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيهما أصلًا، إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول إلى مسجد الرسول أو مسجد إيليا، وإن لم ينو الصلاة فليأتهما راكبًا ولا هدي عليه، وكأنه لما سماهما قال: لله علي أن أصلي فيهما. ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته. فقد تبين أنه إن نوى الصلاة في المسجدين وفى بنذره، وكذلك إن سمى المسجدين فإن المسجد إنما يؤتى للصلاة، وأما إذا نذر إتيان نفس البلد فليس عليه أن يأتيه، وهذا متناول إتيانه لزيارة قبر النبي ﷺ وقبور الشهداء وأهل البقيع وإتيان مسجد
[ ١٧١ ]
قباء كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور / والآثار التي هناك من آثار الأنبياء، وإتيان المسجد لغير الصلاة كالتمسح بالصخرة وتقبيلها أو إتيانه للوقوف عشية عرفة والطواف بالصخرة أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما هو عبادة للقريب ولا يسافر لأجله، كزيارة قبور المسلمين للدعاء لهم والاستغفار فإن هذا مستحب لمن خرج إلى المقبرة [من البلد] ولمن اجتاز به ولا يشرع السفر لذلك، فمالك وغيره نهوا عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين، سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال أو لما هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر لأجله، وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر منهي عنه والسفر المنهي عنه عنده لا تقصر فيه الصلاة لكن بعض أصحابه وهو محمد بن مسلمة استثنى مسجد قباء، وابن عبد البر جعل السفر مباحًا إلى غير الثلاثة المساجد ولا يلزم بالنذر لأنه ليس بقربة كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.
وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله في أن السفر لغير المساجد الثلاثة محرم لا يجوز أن يفعل، ولو نذره فلا يستحب عند أحد منهم.
وقال القاضي عياض: لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة لا لناذر ولا لمتطوع.
وقال أبو الوليد الباجي قبله في السفر إلى مسجد قباء: إنه منهي عنه.
[ ١٧٢ ]
قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في الفروق: فرق بين مسألتين، يلزم نذر المشي إلى البيت الحرام، ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله.
قال: والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة تلزمه والمدينة وبيت المقدس الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه. ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه أن يأتي. فقد صرح بأن المدينة وبيت المقدس لا طاعة في المشي إليهما، إنما الطاعة الصلاة في مسجديهما فقط، وأنه لو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه ذلك بناء على أنه ليس بطاعة. فتبين أن من أتى مسجد / الرسول لغير الصلاة أنه ليس بطاعة ولا يلزم بالنذر. وتبين أن السفر إليه وإتيانه لأجل القبر ليس بطاعة كما ذكر ذلك مالك وسائر أصحابه. ولا يرد على هذا الاعتكاف فإن المعتكف عنده لا بد أن يصلي، وكذلك من دخله لتعلم العلم أو تعليمه فإنه يصلي فيه أولًا.
والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات، ذكرها أبو القاسم ابن الجلاب في التفريع قال: ومن قال علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فإن أراد الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكبًا والصلاة فيهما، وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه. ولو قال لله علي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس لزمه إتيانهما راكبًا والصلاة فيهما. وإن نذر السفر إلى مسجد سوى المسجد الحرام أو
[ ١٧٣ ]
مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فإن كان قريبًا لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه وصلى فيه، وإن كان بعيدًا لا ينال إلا براحلة صلى في مكانه ولا شيء عليه.
وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد بين القريب والبعيد ذكره قبله محمد بن المواز في الموازية وغيره قال: أما السفر إلى المدينتين مدينة الرسول ﷺ وبيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين فإنه لا يستحب عند أحد منهم، بل جمهورهم نهوا عنه وحرموه موافقة لمالك، لنهي النبي ﷺ أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد ذكر ذلك ابن بشير في تنبيهه والقيرواني في تقريبه وغيرهما من أصحاب مالك.
فهذا نص مالك الإمام وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في مسجدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر النبي ﷺ فإنه لا يأتيها ولا يوف بنذره، بل السفر لذلك منهي عنه لقوله: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)، بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي ﷺ وليس بزيارة لقبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ومسجد قباء.
[ ١٧٤ ]
وهذه الأماكن يستحب لأهل المدينة إتيانها وإن لم يقدموا من سفر اقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم، وكان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا.
وأما ما يظن أنه زيارة لقبره -مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء- فهذا لا يستحب لأهل المدينة بل ينهون عنه، لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان -الخلفاء الراشدين وغيرهم- كانوا يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر / عند جدار المسجد ولم يكونوا يذهبون إليه ولا يقفون عنده، فإذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة في غير المساجد منهيًّا عنه فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة أولى وأحرى.
وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء، ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره، لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي [﵃]، فإنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد: أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا، وعثمان إلى أن حصر، وعلي صلى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق.
[ ١٧٥ ]
وكان الناس يقدمون [عليهم] من الأمصار يصلون معهم.
ومعلوم أنه لو كان مستحبًّا لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهر، لكن مالك وغيره خصوا سن ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر.
قال القاضي عياض: قال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف للقبر. وإنما ذلك للغرباء، وقال فيه أيضًا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة / أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يُصلحُ آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
[ ١٧٦ ]
وإنما اشتهر هذا عن ابن عمر أنه إذا قدم من سفر أتى القبر فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت) وممن رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي ﷺ قال: حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: كان إذا قدم من سفر أتى المسجد ثم أتى القبر فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه).
فإن قيل مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر، وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر فإنهم خصوا الغرباء المسافرين بقصد القبر فيكون لهم في المسألة روايتان. قيل: ليس الأمر كذلك، بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلموا، كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء [وأن يزوروا] أهل البقيع وشهداء
[ ١٧٧ ]
أحد، وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد الرسول ﷺ كان ذلك منهيًّا عنه عندهم، لكن إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمنًا وتبعًا، كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة، فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك كان يأتي مسجده ويزور قبره وإن كان لم يسافر لأجل ذلك، وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة، [فأهل المدينة] يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم، والغرباء إنما يقيمون بالمدينة أيامًا. وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله ﷺ وفي المسجد الحرام، فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأما أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل.
قال مالك: التنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت. وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد وأهل البلد يصلون فيه دائمًا الفرض فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أيها الناس، أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، وقال ﷺ في النساء (لا تمنعوا [إماء الله مساجد الله]، وبيوتهن خير لهن).
[ ١٧٨ ]
وأما الغرباء فلا يمكنهم أن يصلوا الفرض فيه دائمًا، لأن الفرائض لها أوقات محدودة فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا استحبوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضلوه على الصلاة.
قال ابن القاسم: الطواف [بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة. وذلك لأن الغرباء لا يمكنهم الطواف] كل وقت بخلاف أهل البلد فإنه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات. وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا اعتمروا، ولهذا قال ابن عباس: يا أهل مكة، لا عمرة عليكم، [إنما عمرتكم الطواف بالبيت. وقد نص أحمد على مثل / [ما قال ابن عباس] مع قوله بوجوب العمرة على غيرهم في المشهور عنه. ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة، ومنهم من تأولها.
ولكن المنصوص عنه الفرق كقول ابن عباس، ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر، ليس فيه أنه كان يفعل ذلك عند إرادة السفر.
وقد يستحب للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره، فإن النبي ﷺ (كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين)، ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان
[ ١٧٩ ]
يودعه. وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم إلى مكة يستحب فيه الرمل أولًا لأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوا ذلك في عمرتهم وفي حجة الوداع، ولا يستحب ذلك لأهل مكة لأنه لا قدوم عليهم. وكذلك الاضطباع يستحب فيه عند الجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: ليس بسنة، فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر والسلام بما إذا قدم من سفر هو -والله أعلم- لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من السفر، كما أن طواف القدوم يسمى طواف التحية وفيه الرمل والاضطباع، وليس ذلك مشروعًا لأهل مكة، وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة، إذ لا وداع في حقهم. فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع، لكن أصل استحبابهم ما استحبوه من فعل ابن عمر.
وقد احتج أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي ﷺ: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) رواه أبو داود وغيره وهو على شرط مسلم، وفي [رواته أبو] صخر حميد بن زياد وهو مختلف فيه، ضعفه ابن معين ووافقه النسائي، ومرة وثقه ووافقه أحمد. فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر. وقد احتج أحمد وأبو داود وابن حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا. وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم، وأنهم لم يتناقضوا حيث منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة وأنه لا يسافر إلى المدينة إلى غير المسجد لا
[ ١٨٠ ]
للقبر ولا غيره وأن السفر إلى غير الثلاثة منهي عنه وإن كان قد نذره فإن قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة) إذا كان متناولًاًً بالإجماع السفر إلى سائر المساجد مع أنها أحب البقاع إلى الله سبحانه فالسفر إلى / المقابر أولى بالنهي أو بعدم الفضيلة.
وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أوغيرهم لم يوف بنذره.
وقال مالك والأكثرون لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية. ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع بل يستحب الوفاء. وقيل يجب على قولين للشافعي، والوجوب مذهب [مالك وأحمد، ونفي الوجوب] مذهب أبي حنيفة. فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه
[ ١٨١ ]
السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده كالسفر لأجل مسجد قباء أو لزيارة القبور التي فيها قبر الرسول ﷺ وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين. وظهر أنه إذا نهى عن السفر إلى ما يستحب لأهل المدينة إتيانه بلا سفر -كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع- فالنهي عما يكره لأهل المدينة إتيانه أولى وأحرى.
والله سبحانه خص رسوله بما خصه به تفضيلًاً له وتكريمًا لما يجب من حقه على كل مسلم في كل موضع، فإن الله أوجب الإيمان به [ومحبته وموالاته ونصره وطاعته واتباعه] على كل أحد في كل مكان، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان، ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان، ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به قدر نعمة الله به على أهل الأرض، وأن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ إليهم، وأنه هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه، إلى غير ذلك من حقوقه المبسوطة في غير هذا الموضع. وكل هذه مشروعة في جميع البقاع ليس منها شيء يختص بالقبر ولا بما هو قريب من القبر، ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق [أفضل عند القبر] من قيامهم بها في بلادهم، بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان. ومن قام بها عند القبر وفتر عن القيام بها في بلده -كما يوجد في بعض الناس: / يوجد من محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده
[ ١٨٢ ]
وطريقه- فهذه حالة منقوصة غير محمودة، وصاحبها مبخوس الحظ ناقص النصيب، وهو ناقص الدين والإيمان، إما بترك واجب يأثم بتركه وإما بترك مستحب تنقص درجته بتركه، بخلاف مَنْ منّ الله عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه للرسول ﷺ في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم، فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة، وهي حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ولا يعرف عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه ودعاؤه وثناؤه عند القبر.
ولهذا لم يكونوا يأتونه لأن قيامهم بما يجب من حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء.
وقد نهى عن تخصيص القبر بذلك وأن يتخذوه عيدًا ومسجدًا لأنه مظنة أن يتخذ وثنًا ويفضي إلى الشرك ومظنة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا تلك البقعة بمزيد القيام، كما أن المشاعر لما خصت بالعبادات فالمؤمن تجد إيمانه فيها أعظم من إيمانه في غيرها.
والرسول ﷺ حقه في جميع البقاع سواء، ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال، ولهذا إذا اعتبرت أحوال الناس كان من يعظم الميت عند قبره مقصرًا في حقوقه التي أمر بها في سائر البقاع بحسب ما زاد عند القبر. وهذا أمر مطرد معروف من جميع أحوال الناس.
ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع كانوا أبعد الناس عن تخصيص القبر بشيء، والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم بحقوقه من غيرهم لم يفعلوا ما فعله ابن عمر ونحوه، فأبوه عمر كان أقوم بحقه ﷺ منه، وكان ينهى
[ ١٨٣ ]
أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه، خلاف ما فعله ابنه عبد الله -مع فضله ودينه-[﵃ أجمعين]. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن قول القائل:
ـ[من حرم السفر إلى زيارة قبره وسائر القبور فقد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد.]ـ
يستلزم أن يكون كذلك إمامه مالك، بل وإمام غيره من المسلمين، فإنه من أجل أئمة المسلمين، وهو أحد أئمتنا الكبار، فإن جميع أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة لنا ﵃ أجمعين.
فإنه قد صرح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجاهل أكثر من تصريح غيره.
الوجه الثاني من الجواب: أن قول القائل:
ـ[إنّ النّاهي عن السفر لزيارة القبور -قبور الأنبياء وغيرهم- قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد.]ـ
إنما يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة هي من باب خضوع الزائر للمزور وذله له وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر المزرو وجاهه عند الله وقربه إليه.
فإذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا كان النهي عن ذلك تنقيصًا لهم وغضًّا من أقدارهم كالذي يزور معظمًا في الدين أو الدنيا زيارة خاصع له متواضع له متبرك به.
[ ١٨٤ ]
فإذا قيل له: هذا لا ينبغي زيارته أمكن أن يقال هذا تنقص لقدره وخفض من منزلته، والزيارة التي جاءت بها الشريعة ذكرها الأئمة من قول النبي ﷺ وفعله ليست من هذا النوع بل مقصودها الدعاء للميت كالصلاة على جنازته.
وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرًا من المزور كما كان النبي ﷺ أعظم قدرًا من كل من زار قبره كأهل البقيع وشهداء أحد وأمه.
وقد يكون الزائر دون المزور كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية).
وفي حديث عائشة في الصحيح (ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين).
وفي حديث آخر: (اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم).
فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من جنس الدعاء في صلاة الجنازة، وفي صلاة الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت كما كان النبي ﷺ أفضل / من
[ ١٨٥ ]
الذين صلوا عليهم. وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلوا عليهم من غيرهم.
وقد يكون المصلى عليه أفضل كالنبي ﷺ لما مات وصلى عليه المسلمون أفذاذًا وهو أفضل من كل من صلى عليه.
وكذلك أبو بكر وعمر صلى عليهما المسلمون وهما أفضل ممن صلى عليهما.
وأما الرسول ﷺ فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار قبور سائر المؤمنين، فإن أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر فإنه يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه والمحبة والمودة ما قد يكون أعظم مما لو كان غائبًا.
ولهذا شرعت الصلاة على قبره.
واختلف العلماء: هل تشرع على القبر مطلقًا؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد، مع اتفاقهم على أنه لا يصلى على قبر النبي ﷺ. وذلك لعظم قدره وحقه، لا لنقص ذلك. فإن الناس مأمورون أن يحبوه ويعظموه ويذكروه ويذكروا ما من الله به عليه وما من به عليهم بسببه ويصلوا عليه ويسلموا عليه في
[ ١٨٦ ]
كل مكان، وأن لا يفعلوا ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر البقاع، فإنه يفضي إلى نقص ذلك في سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند قبر غيره.
ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون أحد عند قبره في كل وقت، ولو كان مما يوصل إليه، فكيف إذا كان محجوبًا؟ / فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء يقتضي هضم ذلك ونقصه في سائر البقاع، فينقص إيمانهم به وتوسلهم بالإيمان به، ويفوتهم حظ عظيم من كرامة الله لهم بقيامهم بحقه مع أن ذلك ذريعة إلى الشرك، فكان في تخصيص قبره بما يخص به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة.
ولهذا جاءت سنته بأن لا يزار قبره كما تزار القبور لعظم قدره وحقه كما بينا. وأما من زار قبره أو قبر غيره ليشرك به ويدعوه من دون الله فهذا حرام كله، وهو مع كونه شركًا بالله فهو ترك لما يجب من حقه ﷺ، وطلب منه ما ليس إليه بل إلى الله، وأين من يطيعه ويعينه على ما أمره الله به ويقوم بما يجب عليه من حقه ممن / يقصر في حقه وطاعته وإعانته، ويقصر في عبادة الله وتوحيده ودعائه، ويكلف المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق ﷾، فيؤذيه بذلك، ويؤذي الله بالشرك به؟ وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له ندًّا وشريكًا وهو يعافيهم ويرزقهم)، وقد قال تعالى:
[ ١٨٧ ]
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [سورة الأحزاب: (٥٦)]، فهذا حقه ﷺ. قال تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ الآية [سورة الأحزاب: (٥٧)].
وأهل البدع والجهل يفعلون ما هو من جنس الأذى لله ورسوله، ويدعون ما أمر الله به من حقوقه وهم يظنون أنهم يعظمونه، كما يفعله النصارى بالمسيح، فيضلهم الشيطان كما أضل النصارى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويحجون إليها ليدعوهم ويسألوهم أو ليعبدوهم ويدعوهم من دون الله هم مشركون، وهم إذا قالوا نحن نحبهم فهم إن كانوا صادقين هم يحبونهم مع الله، لا يحبونهم لله، كمحبة أهل الشرك للأنداد. قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، والحب لله أن يكون الله هو المحبوب لذاته ويحب أنبياءه لأنه يحبهم، وعلامة محبتهم متابعتهم، كما قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [سورة آل عمران: (٣١)]، فمن اتبع الرسول فهو الذي يحبه الله، وأما من قال أنه يحبه -وإن غلا فيه وأشرك به- إذا لم يتبعه فإن الله لا يحبه، بل إذا خالفه أبغضه بحسب ذلك ﴿ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ [سورة الأحقاف: (١٩)]، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [سورة فصلت: (٤٦)]، فالزيارة للقبور التي شرعها الرسول هي من جنس الصلاة على الجنائز، سواء كان الداعي فاضلًا أو مفضولًا. فليس المقصود بها الخضوع للميت والتواضع له كما يقصد بتصديق الأنبياء وطاعتهم، ولا شرعت لكون المزرو ذا
[ ١٨٨ ]
جاه [عند الله] ومنزلة، بل هي مشروعة في حق كل مؤمن. وجائز أيضًا زيارة قبر الكافر لتذكر الموت.
ولكن شاع لفظ الزيارة في المعنى الأول / عند كثير من المتأخرين، ولم يكن هذا معروفًا في السلف. وما صاروا يفهمون من إطلاق اللفظ بزيارة قبور الأنبياء والصالحين إلا أنها زيارة لقبورهم لعظم قدرهم وجاههم وعلو منزلتهم عند الله، كما تزور النصارى قبور من يعظمونه، وكما يتوجهون إلى صورته المصورة ويتشفعون به.
ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه. ويقولون عمن يعظمونه: إنه خفير البلد الفلاني، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة مصر والقاهرة، وفلان وفلان خفراء دمشق أو غيرها، وفلان خفير حران أو غيرها، وفلان وفلان خفراء بغداد أو غيرها، ويظنون أن البلاء يندفع عن هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور الصالحين أو الأنبياء، ثم قد يكون في البلد من قبور الصحابة
[ ١٨٩ ]
والتابعين من هو أفضل من ذلك الذي جعلوه خفيرًا، كما أن فيهم من الصحابة والتابعين وغيرهم من هو أفضل من نفيسة بكثير. وبدمشق من الصحابة والتابعين من هو أفضل من بعض من يجعلونه خفيرًا أو يقصدون الدعاء عند قبره كأربعة في باب الصغير وكرسلان التركماني وغيرهم.
وقد نزل عدو كافر بالبلد فتمثل له الشيطان بصورة ذلك الخفير وأنه يضربه بعكازه أو غيره ويقول ارحل من عندي فيرحل ذلك الملك الكافر لما رآه، فيظن أولئك أن نفس الشيخ الميت أو سره أتاه فدفع عنه. وفي المدفونين بالبلد من هو أفضل من ذلك بكثير. وهذا مما لم يكن معروفًا على عهد الصحابة والتابعين، ولكن حدث بعدهم.
ومن أقدم ما روي في ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول سمعت أحمد بن
[ ١٩٠ ]
العباس يقول: خرجت من بغداد هربت منها، فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة فقال لي: من أين خرجت؟ فقلت: من بغداد، هربت منها لما رأيت فيها من الفساد، خفت أن يخسف بأهلها. فقال: ارجع ولا تخف فإن فيها قبور أربعة / من أولياء الله هم حصن لها من جميع البلايا.
قلت: من هم؟ قال: الإمام أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وبشر بن الحارث الحافي، ومنصور بن عمار الواعظ. فرجعت ولم أخرج. وهذا الشخص الذي قال هذا هو مجهول لا يعرف، وقد يكون جنيًّا وقد يكون إنسيًّا. فإن الجن كثيرًا ما يتصورون في صورة الإنس ويقول أحدهم لمن ينفرد به في البرية: أنا النبي فلان، أو الشيخ فلان، أو الخضر. ومثل هذا كثير معروف تطول حكاية آحاده فإنها لا تحصى لكثرتها.
[ ١٩١ ]
وهؤلاء قد يظنون أن وجود النبي ﷺ مقبورًا بينهم مثل وجوده في حياته، والله تعالى يقول: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [سورة الأنفال: (٣٣)] وهذا غلط عظيم.
فقد روى الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن نمير عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ (أنزل الله أمانين لأمتي: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [سورة الأنفال: (٣٣)]، فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار).
[ ١٩٢ ]
فقد بين ﷺ أن الأمان بوجوده هو في حياته، وأنه بعد موته لم يبق إلا الاستغفار، ليس في وجود القبر أمان.
وكذلك في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
ومما يوضح الأمر في ذلك أنه من المعلوم أن بيت المقدس وما حوله من قبور الأنبياء ما هو أكثر من غيره، فإنه قد قيل: إن بني إسرائيل بعث فيهم ألف نبي، ومع هذا فقد قال الله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين -إلى قوله- عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا﴾ [سورة الإسراء: (٤ - ٨)]، فقد بين الله أنهم إذا غلوا وأفسدوا عاقبهم الله بذنوبهم وسلط عليهم العدو الذي جاس خلال الديار ودخل / المسجد وقتل فيهم من لا يحصي عدده إلا الله، ولم يخفرهم أحد من قبور الأنبياء التي كانت هناك. وإنما الناس يجزون بأعمالهم، والله تعالى هو الذي يرزقهم وينصرهم، لا رازق غيره ولا ناصر إلا هو قال تعالى: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن﴾ الآيتين [سورة الملك: (٢٠ - ٢١)]، فليس للعباد من دون الله لا رازق ولا ناصر. وقد قال تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة﴾ الآية [سورة الإسراء: (٥٨)]، فأخبر أنه لا بد لكل قرية من هلاك، أو عذاب شديد بدون الهلاك، وذلك بذنوبهم بعد إرسال
[ ١٩٣ ]
الرسل لهم. قال الله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين﴾ [سورة الشعراء: (٢٠٨ - ٢٠٩)].
وكان أهل المدينة النبوية على عهد رسول الله ﷺ وعهد خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان أحسن أهل المدائن حالًاًً، ونعمة الله عليهم أعظم النعم، لكونهم كانوا مطيعين لله ورسوله، وكانت الخلفاء تسوسهم سياسة نبوية، فلما تغيروا وقتل بينهم عثمان ﵁ تغير الأمر وحصل لهم من الخوف والذل، ثم أصابهم من السيف ما أصابهم، ورسول الله ﷺ مدفون بالحجرة، وهو قد بلغهم الرسالة وأدى الأمانة، ولم يضمن لهم أنه لوجود قبره أوقبر غيره من الأنبياء والصالحين يندفع البلاء، وإنما يندفع البلاء بطاعة الرسل لا بقبورهم، فمن أطاعهم كان سعيدًا في الدنيا والآخرة، ومن عصاهم استحق ما يستحقه أمثاله وإن كان عنده ما شاء الله من قبورهم.
وكانت حفصة أم المؤمنين تتأول فيهم قوله: ﴿وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان﴾ الآية [سورة النحل: (١١٢)]، كما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث ابن وهب حدثنا ابن شريح عن عبد الكريم بن الحارث سمعه يحدث عن مشرح ابن عاهان عن سليم بن عفير
[ ١٩٤ ]
قال: صحبت حفصة زوج النبي ﷺ وهي خارجة من مكة إلى المدينة، فأخبرت أن عثمان قد قتل، فرجعت حفصة فقالت: ارجعوا بي عن المدينة، فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله: ﴿وضرب الله / مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة﴾ الآية [سورة النحل: (١١٢)]، ولم ترد حفصة [﵂] أن الآية خصت المدينة بالذكر، [بل هذا مثل] ضربه الله لمن كان كذلك.
وكان أهل مكة لما كانوا كفارًا كذلك فأصابهم ما أصابهم، فلما قتل عثمان علمت حفصة أن سيصيب أهل المدينة من البلاء ما يناسب حالهم بعد ما كانوا فيه من الأمن والطمأنينة وإتيان رزقهم من كل مكان. فذكرت ذلك على سبيل التمثيل بالمدينة، لا على سبيل الحصر فيها. وأهل بغداد أصابهم ما أصابهم من السيف العام وعندهم قبور ألوف من أولياء الله زيادة على قبور الأربعة، فمل تغن عنهم من الله شيئًا.
وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم قد اتخذوها أوثانًا من دون الله، وصاروا يظنون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم، فإنهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر. ولهذا قالوا لهود ﵇ ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ فقال هود: ﴿إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعًا -إلى قوله- إن ربي على صراط مستقيم﴾ [سورة هود: (٥٤ - ٥٦)]، وقد قال تعالى في قصة الخليل: ﴿وحاجه قومه
[ ١٩٥ ]
قال أتحاجوني في الله وقد هدان -إلى قوله- مهتدون﴾ [سورة الأنعام: (٨٠)]، وقال تعالى لخاتم الرسل ﷺ بعد أن خاطب المشركين فقال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين -إلى قوله- فلا تنظرون﴾ [سورة الأعراف: (١٩٤ - ١٩٥)]، وقال: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه -إلى قوله- قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ [سورة الزمر: (٣٦ - ٣٨)].
وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمرو بن لحي سيد خزاعة، وكانت خزاعة ولاة البيت بعد جرهم، وقيل: قريش، فجاء إلى البلقاء فرآهم يعبدون الأصنام. وزعموا أنها تنفعهم، فجلب أصنامًا إلى مكة ونصبها حول الكعبة، قال النبي ﷺ (رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبه في النار -أي أمعاءه- وهو أول من غير دين إبراهيم ﵇).
[ ١٩٦ ]
وإذا كان كذلك فمعلوم أنه لو نهى عن زيارة القبور مطلقًا كما نهى عن ذلك في أول الإسلام، وكما هو أحد قولي / العلماء لم يكن في ذلك معاداة لأهل القبور ولا معاندة، فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور؟ وهو نهي عام لا يختص به الأنبياء والصالحون، بل كما نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة.
فهل يقول عاقل إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف بها، كالذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؟ بل نهي عن السفر إليها -مع أن إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات- فليس في ذلك نقص لقدرها، وكذلك إذا نهى عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر واستحباب ذلك فإنه لا يكون تنقصًا بأهل القبور بطريق الأولى إذ كان جنس النهي عن زيارتها ليس تنقصًا بهم، بخلاف النهي عن عمارة المساجد وإتيانها للصلاة والذكر والدعاء كان من أظلم الناس وكان كافرًا كما قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) الآية [سورة البقرة: (١١٤)]، ولو نهى عن السفر إليها كما نهى النبي ﷺ وأئمة المسلمين وقال: من نذر السفر إليها لا يوف بنذره لم يكن تنقصًا بالقبور التي لو نهى عن زيارتها لم يكن متنقصًا بها فإذا نهى عن السفر إليها لم يكن تنقصًا بها بطريق الأولى والأحرى، وهذا بين لمن تدبره.
[ ١٩٧ ]
الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية، لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم وطلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى، ولهذا يقولون: إن من نهى عن ذلك فقد تنقص بهم، فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد والقصد والظن، والنصارى يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل ولأجل من بنيت لأجله، كما يحجون إلى موضع قبر المسيح عندهم، الكنيسة التي يقال إنها بنيت على قبره موضع الصلب بزعمهم. وهم / يبنون الكنائس على من يعظمونه مثل جرجس وغيره فيتخذون المعابد على القبور، وهم ممن لعنهم النبي ﷺ على ذلك تحذيرًا لأمته وقال لأمته: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، والكنيسة التي بنيت موضع ولادته المسماة ببيت لحم، وكنائس أخر التي يسمونها القمامة.
[ ١٩٨ ]
وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة إليها، فدخلها بعض العرب وأحدث فيها، فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل الله به ما فعل.
وكذلك كان بالطائف اللات وكانون يحجون إليها.
وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد أظل زمان نبي يبعث من العرب وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه، وقال له ذلك العالم: إنه من أهل بيت يحجه العرب، فقال: إنا معشر ثقيف فينا بيت يحجه العرب، قال: إنه ليس منكم، إنه من إخوانكم من قريش، وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [سورة النجم: (١٩ - ٢٠)]، والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما: ﴿لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾
[ ١٩٩ ]
[سورة الزخرف: (٣١)]، وآخر غزوات النبي ﷺ من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها، ثم إن أهلها أسلموا وطلبوا من النبي ﷺ أن يمتعهم باللات حولًا، فامتنع من ذلك وهدمها وأمر ببناء المسجد موضعها، واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذا معروف عند أهل العلم.
والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجًّا ويقولون إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة، وكانوا يحجون إلى العزى وكانت عند عرفات، ويحجون إلى مناة الثالثة الأخرى وهي حذو قديد، فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه، / فاللات بالطائف، والعزى عند مكة، ومناة لأهل المدينة كانوا يهلون لها.
وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله.
منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله، يقول: هؤلاء أقرب إلى الله مني، فأنا أتوسل بهم، فهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص
[ ٢٠٠ ]
الملك لمن يكون بعيدًا عنه. وقد ينذر لهم أو يأتي بقربان بلا نذر، ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا، وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي.
ومنهم يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله، أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتم.
ومنهم من يسيب لهم السوائب فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم، فهذا صنف.
وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه أو التعظيم والخضوع له، فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيًّا، ويجدون بذلك أنسًا في قلوبهم وطمأنينة وراحة، كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه، وكما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه، لكن ذاك حب وتعظيم ديني فهو أعظم تأثيرًا في النفوس، ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل.
وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجد عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء، لا نبينا ولا غيره. وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور، بل سببه ما قام بنفوسهم من حبه وتعظيمه، وإن كان هو لا يستحق
[ ٢٠١ ]
ذلك، بل قد يكون المزور كافرًا مشركًا أو كتابيًّا، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك. /
وهذا كما أن عباد الأوثان الذين جعلوهم أندادًا لله يحبونهم كحب الله يجدون عند الأوثان مثل ذلك. وكذلك عباد العجل، قال الله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [سورة البقرة: (٩٣)]، أي حب العجل، هذا قول الأكثرين، وموسى حرقه ثم نسفه فإنه كان قدر صار فحمًا. وقيل: بل أشربوا برادته التي كانت في الماء، وأن موسى برده لكونه كان ذهبًا، والأول عليه الجمهور وهو أصح.
وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن ما عندهم حبًّا لذلك؟ فأجاب السائل: بأن ذلك كقوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)] وقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [سورة البقرة: (٩٣)]. والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم في كتابه وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه، أي يجعل ما يألهه ويعبده هو ما يهواه، فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده، ولهذا ينتقل من إله
[ ٢٠٢ ]
إلى إله كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب، إذ كان لم يحب بعلم وهدى ما يستحق أن يحب، ولا عبد من يستحق أن يعبد، بل عبد وأحب ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا كتاب منزل، قال تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا -إلى قوله- سبيلًا﴾ [سورة الفرقان: (٤٣ - ٤٤)] وقال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ [سورة الجاثية: (٢٣)].
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان.
وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رماه وعبد الآخر.
وقال الحسن البصري: ذاك المنافق نصب هواه، فما هوى من شيء ركبه.
وقال قتادة: أي والله كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى، رواهن ابن أبي حاتم وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ الآية
[ ٢٠٣ ]
[سورة الأنعام: (١١٩)]، وقال تعالى: ﴿فائتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين -إلى قوله- بغير هدى من الله﴾ [سورة القصص: (٤٩ - ٥٠)]، وقال تعالى عن المشركين: ﴿أفلم يدبروا القول أم جاءهم / ما لم يأت آباءهم الأولين -إلى قوله- فهم عن ذكرهم معرضون﴾ [سورة المؤمنون: (٦٨ - ٧١)]، وقال تعالى: ﴿قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا -إلى قوله تعالى- يسألون﴾ [سورة الأنبياء: (٢٢ - ٢٣)]، فالذين يحجون إلى القبور هم من جنس الذين يحجون إلى الأوثان. والمشركون يدعون مع الله إلهًا آخر يدعونه كما يدعون الله، وأهل التوحيد لا يدعون إلا الله لا يدعون مع الله إلهًا آخر، لا دعاء سؤال وطلب، ولا دعاء عبادة وتألّه. والمشركون يقصدون هذا وهذا، [وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا وهذا] ومنهم من يصور مثال الميت ويجعل دعاءه ومحبته والأنس به قائمًا مقام صاحب الصورة، سواء كان نبيًّا أو رجلًا صالحًا أو غير صالح، وقد يصور المثال له أيضًا كما يفعل النصارى، وكثيرًا ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح، ولا يكون ذلك قبره بل قبر غيره، أو لا يكون قبرًا وربما كان قبر كافر، وقد يحسنون الظن بمن يظنونه رجلًا صالحًا وليًّا لله ويكون كافرًا أو فاجرًا كما يوجد عند المشركين وأهل الكتاب وبعض الضلال من أهل القبلة.
وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول ﷺ لا إباحة ولا ندبًا ولا استحبه أحد من أئمة الدين، بل هم متفقون على النهي عن هذا الجنس كله. وقد
[ ٢٠٤ ]
لعن رسول الله ﷺ في الأحاديث [الصحيحة المستفيضة] ما هو أقرب من هؤلاء وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذ ما فعلوا، وأخبر أن من كان قبلنا كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وقال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). فإذا كان قد نهى ولعن من يتخذها مسجدًا يعبد الله فيه ويدعى لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق صاحب القبر وعبادته، فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته ونهى عن اتخاذها مساجد لئلا يفضي ذلك إليه؟ فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي، وهذا كما أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقال: / (فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار). ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة، وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس، لكن نهى عن المشابهة في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد. فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها كان أحق [بالنهي والذم] والعقاب، ولهذا يكون هذا كافرًا.
[ ٢٠٥ ]
كذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله هو أيضًا مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالمًا بأن هذا شرك محرم.
كما أن كثيرًا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره وهم يتقربون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم [في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضًا ولا يعلمون أن ذلك محرم]، فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك، فهذا ضال وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة، قال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ [سورة البقرة: (٢٢)]، وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل) فقال أبو بكر [﵁]: يا رسول الله كيف ننجو منه؟ قال: (قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم).
[ ٢٠٦ ]
وكذلك كثير من الداخلين في الإسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض الأئمة والشيوخ أفضل من الحج أو مثله، ولا يعلمون أن ذلك محرم ولا بلغهم أحد أن هذا شرك محرم لا يجوز. وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع.
والمقصود هنا أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور وسائط يشركون [بهم كما يشرك أصحاب الأوثان بأوثانهم يدعونهم ويستشفعون بهم ويرجونهم ويخافونهم وقد جعلوهم أندادًا يحبونهم كحب الله، هم الذين يقولون لمن نهى عن هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده إنه تنقصهم وعاداهم وعاندهم، كما يزعم النصارى أن من جعل المسيح عبدًا لله لا يملك ضرًّا ولا نفعًا إنه قد تنقص المسيح وعاداه وسبه وعانده.
وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن الشرك فأطاعهم واتبع سبيلهم] وعبد الله / وحده فهذا يمتنع أن يقول هذا تنقص ومعاداة.
فهذا الفرقان هو الذي يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان، والأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم) الحديث.
[ ٢٠٧ ]
وفي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺوهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁- فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: (لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ: (الآن يا عمر).
وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). وفي بعض طرق البخاري (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله) وذكر الحديث.
وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله تعالى قال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم﴾ الآية [سورة التوبة: (٢٤)]. ومحبة الرسول هي من محبة الله فهي حب لله تعالى وفي الله، ليس محبة محبوب مع الله كالذين قال الله
[ ٢٠٨ ]
فيهم: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله. والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، كما جاء في الحديث. وحب ند مع الله شرك لا يغفره الله، فأين هذا من هذا؟ والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا تختص ببقعة ولا تختص بقبورهم ولا غيرها، وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك فإن ذلك واجب في كل موضع، وكذلك الصلاة / والسلام على الرسول وغير ذلك. فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيمًا ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليمًا مما يجده في سائر المواضع كان ذلك دليلًا على أنه ناقص الحظ مبخوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم، وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت، بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم، فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه، وقد نهى أن يتخذ عيدًا، ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنًا، فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل لكان ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين، فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج؟ فهذا هذا، والله أعلم.
الوجه الرابع: أن يقال: عداوة الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا بموافقتهم، كمن نهى عما أمروا به من عبادة الله وحده، وأمر بما نهوا عنه من الشرك
[ ٢٠٩ ]
بالمخلوقات كلها: بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل المصورة لهؤلاء وغير ذلك.
ومن كذبهم فيما أخبروا به من إرسال الله لهم [وما أخبروا به عن الله من أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه] وما أخبروا به من الجنة والنار والوعد والوعيد، فلا ريب أن من كذب ما أخبروا به ونهى عما أمروا به وأمر بما نهوا عنه فقد عاداهم وعاندهم.
وأما من صدقهم فيما أخبروا به وأطاعهم فيما أمروا به فهذا هو المؤمن ولي الله الذي والاهم واتبعهم.
وإذا كان كذلك فننظر فيما جاء عن نبينا محمد ﷺ وغيره من الأنبياء، إن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون لزيارتها يدعونها ويستغيثون بها ويطلبون منها الحوائج ويتضرعون لها -أي لأصحابها- ويرون السفر إليها من جنس الحج أو فوقه أو قريبًا منه، فمن نهى عما أمر به الرسول ورغب فيه يكون مخالفًا له، وقد يكون بعد ظهور قوله له وإصراره على مخالفته معاديًا ومعاندًا كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ الآية [سورة النساء: (١١٥)]. وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك، ولكن شرع السفر إلى المساجد / الثلاثة وقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك، وهو أهون من الحج إليها ومن دعاء أصحابها من دون الله، فإن هذا
[ ٢١٠ ]
هو الذي جاءت به الأنبياء دون ذاك. فالمخالف للرسول، الآمر بما نهى عنه من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، الآمر بالسفر إلى زيارة القبور - قبور الأنبياء والصالحين، وهذا السفر قد علم أنه من جنس الحج، وعلم أن أصحابه يقصدون به الشرك أعظم مما يقصده الذين يتخذون القبور مساجد الذي لا ينهى عما نهى عنه الرسول من اتخاذ القبور مساجد واتخاذها عيدًا وأوثانًا، المعادي لمن وافق الرسول فأمر بما أمر ونهى عما نهى، المكفر لمن وافق الرسول، المستحل دمه، هو أحق بأن يكون معاديًا للرسول معاندًا له مجاهرًا بعداوة أولياء الرسول وحزبه، ومن كان كذلك كان هو المستحق لجهاده وعقوبته بعد إقامة الحجة عليه وبيان ما جاء به الرسول، دون الموافق للرسول الناصر لسنته وشريعته وما بعثه الله به من الإسلام والقرآن. ولكن هذا من جنس أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويعادون من خالفها وينسبونها إلى الرسول افتراء وجهلًا، كالرافضة الذين يقولون إن المهاجرين والأنصار عادوا الرسول وارتدوا عن دين، وأنهم هم أولياء الله. والخوارج المارقين الذين يدعون أن عثمان وعليًّا ومن والاهما كفار بالقرآن الذي جاء به الرسول، ويستحلون دماء المسلمين بهذا الضلال.
[ ٢١١ ]
ولهذا أمر النبي ﷺ بقتالهم وأخبر بما سيكون منهم وقال فيهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله [لمن قتلهم]). وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).
والأحاديث فيهم كثيرة، وعظم ذنبهم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، وإلا فلو لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة أمثالهم من أهل الخطأ والضلال.
ومعلوم أن الشرك / بالله وعبادة ما سواه أعظم الذنوب، والدعاء إليه والأمر به من أعظم الخطايا، ومعاداة من ينهى عنه ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من معاداة من هو دونه. ولولا بعد عهد الناس بأول الإسلام وحال المهاجرين والأنصار ونقص العلم وظهور الجهل واشتباه الأمر على كثير من الناس لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة أعظم مما يظهر ضلال الخوارج والرافضة، فإن أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة وخفي عليهم بعض السنة، اللهم إلا من كان منافقًا زنديقًا في الباطن مثل
[ ٢١٢ ]
بعض الرافضة، ويقال إن أول من ابتدعه كان منافقًا زنديقًا، فإن هؤلاء من جنس أمثالهم من الزنادقة والمنافقين، بخلاف الخوارج فإنهم لم يكونوا زنادقة منافقين بل كان قصدهم اتباع القرآن، لكن لم يكونوا يفهمونه كما قال فيهم النبي ﷺ: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه.
وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجد وأعيادًا فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف، ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه، بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة.
والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولًا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج، ومع هذا فقد جاءت الأحاديث الصحيحة فيها بذمهم وعقابهم، وأجمع الصحابة على ذلك.
قال الإمام أحمد: صح فيهم الحديث من عشرة أوجه. وقد رواها صاحبه مسلم كلها في صحيحه، وروى البخاري قطعة منها.
وأما بدع أهل الشرك وعباد القبور والحجاج إليهم فهذا ما كان يظهر في القرون الثلاثة لكل أحد مخالفته للرسول، فلم يتجرأ أحد أن يظهر ذلك في القرون
[ ٢١٣ ]
الثلاثة. وبسط هذا له موضع آخر، ولكن نبهنا على ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا المعترض وأمثاله من أهل الضلال والجهل ومعاداة سنة الرسول ومتبعيها وموالاة أعداء الرسول وغير ذلك مما يبعدهم عن الله ورسوله.
ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة، وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، / وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة. فإن هذا حكم أهل الضلال، وهو البعد عن الصراط المستقيم وما يستحقه أهله من الكرامة.
ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته وما يلحقه في الدنيا والآخرة من انخفاض منزلته وسقوط حرمته وانحطاط درجته هو جزاؤه، والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة، وهو عليم حكيم لطيف لما يشاء، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون.
الوجه الخامس: أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجبًا أو مستحبًّا أو محرمًا أو مباحًا لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول ﷺ، فالمتكلمون فيها -سواء اتفقوا أو اختلفوا- كلهم متفقون على الإيمان بالرسول
[ ٢١٤ ]
وبما جاء به ووجوب اتباعه، وأن الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم ووجوب تصديقهم واتباعهم فيما أوجبوه وحرموه، والقائل منهم عن فعل إنه حرام أو مباح أو واجب إنما يقول إن الرسول حرمه أو أباحه أو أوجبه، ولو أضاف الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول ﷺ لم يلتفت إليه ولم يكن من علماء المسلمين. وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل [سنيهم وبدعيهم]، كلهم متفقون على وجوب اتباع ما بلغه الرسول عن الله، وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة المفسرة لمجمل القرآن. وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها وهو فاسد من وجوه كثيرة. ومن رد نصًّا إنما يرده إما لكونه لم يثبت عنده عن الرسول، أو لكونه غير دال عنده على محل النزاع، أو لا اعتقاده أنه منسوخ ونحو ذلك، كما قد بسطت الكلام فيه على ما كتبته في رفع الملام عن الأئمة الأعلام وبينت أعذارهم في هذا الباب، وإن كان الواجب هو اتباع ما علم من الصواب مطلقًا. والكلام في ذلك -سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك- لا يدخل شيء من ذلك في مسائل سب الأنبياء وتنقصهم / ومعاداتهم. وإن كان المتكلم من هؤلاء مخطئًا، فإن مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول وتحريم ما حرمه وإيجاب ما أوجبه وتحليل ماحلله، وهذا مستلزم لإيمانه بالرسول وموالاته وتعظيمه، فكيف يتصور مع ذلك أن يكون قاصدًا لمعاداته أو سبه أوالتنقص به أو غير ذلك؟ هذا ممتنع. ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل
[ ٢١٥ ]
غير ذلك؟ هذا ممتنع. ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحدًا من هؤلاء سبابًا للأنبياء معاديًا لهم وإن قدر أنهم أخطئوا، وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة.
فإذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي ﷺ هل هي واجبة في الصلاة أو غير واجبة في الصلاة -كقول الجمهور- لم يقل أحد: إن من لم يوجبها فقد تنقص الرسول أو سبه أوعاداه. والذين لم يوجبوها في الصلاة منهم من أوجبها خارج الصلاة ومنهم من لم يوجبها بحال، وجعل الأمر في الآية أمر ندب وحكى الإجماع على ذلك. وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها في الصلاة وقال: حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد غير واجبة.
قال: وشذ الشافعي في ذلك فقال: من لم يصل على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه.
قال: ولا سلف له في هذا القول ولا سنة يتبعها، قال: وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه بمخالفته فيها من تقدمه جماعة وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد.
قال وقال أبو بكر بن المنذر: يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على النبي ﷺ فإن ترك تارك ذلك فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة
[ ٢١٦ ]
والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم وهو قول جملة أهل العلم، وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة، وأن تاركها في التشهد مسيء.
قال: وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة، وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان.
قلت: وأحمد عنه في المسألة ثلاث روايات كالأقوال / الثلاثة اختار كل رواية طائفة من أصحابه. وذكر محمد بن المواز قولًا له كقول الشافعي، قال: وقال الخطابي: ليست بواجبة في الصلاة وهو قو جماعة الفقهاء إلا الشافعي.
قال: ولا أعلم له فيها قدوة. وحكى الوجوب عن أبي جعفر الباقر وأنه قال: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي ﷺ وأهل بيته لرأيت أنها لم تتم.
وقال القاضي عياض: اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على الجملة مرغب فيه غير محدود بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه.
قال: وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادعى فيه الإجماع.
[ ٢١٧ ]
فهذا بعص كلام العلماء في مثل هذه [وحكايات إجماعات] متناقضة، ومع هذا فلم يقل أحد إن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه أو نحو ذلك، فإنهم كلهم قصدهم متابعته، كل بحسب اجتهاده ﵃ أجمعين. وكذلك تنازعوا: هل تكره الصلاة عليه عند الذبح؟ فكره ذلك مالك وأحمد وغيرهما.
قال القاضي عياض: وكره ابن حبيب ذكر النبي ﷺ عند الذبح، وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب.
قال: ولا يصلى عليه إلا على طريق الاستحباب وطلب الثواب.
وقال أصبغ عن ابن القاسم: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله: الذبح، والعطاس. فلا يقال فيها بعد ذكر الله: محمد رسول الله، ولو قال بعد ذكر الله: محمد رسول الله لم يكره تسميته له مع الله.
[ ٢١٨ ]
وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي ﷺ استنانًا.
قلت: والشافعي لم يكره ذلك بل قال هو من الإيمان، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا، وكذلك تكلموا في الحلف بالملائكة والأنبياء، أما الملائكة فاتفق المسلمون على أنه لا يحلف بأحد منهم ولا تنعقد اليمين إذا حلف به، وهذا أيضًا قول الجمهور في الأنبياء كلهم: نبينا وغيره، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وعنه أنها تنعقد بالنبي ﷺ خاصة، اختارها طائفة من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وغيره / وخصوا ذلك بالنبي ﷺ وابن عقيل عدى ذلك إلى سائر الأنبياء. والصواب قول الجمهور، وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره، بل ينهى عن الحلف به، فإذا قيل لا يحلف به أو لا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة لم يكن هذا معاداة لهم ولا سبًّا ولا تنقصًا بهم عند أحد من المسلمين، وكذلك سائر خصائص الرب إذا نفيت عنهم فقيل لا تعبد الملائكة ولا الأنبياء ولا يسجد لهم ولا يصلى لهم [ولا يصام لهم] ولا يدعون من دون الله ونحو ذلك كان هذا توحيدًا وإيمانًا، لم يكن هذا تنقصًا بهم ولا سبًّا لهم ولا معاداة كما قال تعالى: ﴿ماكان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة -إلى قوله- بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)].
[ ٢١٩ ]
فإذا قيل: لا يجوز لأحد أن يتخذ الملائكة والنبيين أربابًا كما ذكر الله ذلك في القرآن، ولم يقل مسلم هذا معاداة لهم ولا منقصة ولا سبًّا. وكذلك إذا قيل إنهم عباد الله وإن المسيح وغيره عباد لله كان هذا توحيدًا وإيمانًا لم يكن ذلك تنقصًا ولا سبًّا ولا معاداة قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق -إلى قوله- ولا يجدون لهم من دون لله وليًّا ولا نصيرًا﴾ [سورة النساء: (١٧١ - ١٧٣)]، وقد ذكر أهل التفسير أن أهل نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله، فقال النبي ﷺ: (إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدًا لله) فنزل ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله﴾ [سورة النساء: (١٧٢)]، أي لن يأنف ويتعظم عن ذلك. فمن جعل تحقيق التوحيد تنقصًا بالأنبياء أو سبًّا أو معاداة فهو من جنس هؤلاء النصارى. والنهي عن اتخاذ قبورهم مساجد والسفر إليها واتخاذها أوثانًا وعيدًا فهو من هذا الباب من باب تحقيق التوحيد.
وفي مثل هذا المقام يقال: إن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم ﴿لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض -إلى قوله- ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)]، فلا تنفع شفاعة ملك ولا نبي إلا بإذن الله كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [سورة البقرة: (٢٥٥)]، وقال: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله / لمن يشاء ويرضى﴾ [سورة النجم: (٢٦)]، ولم يكن هذا القول ونحوه تنقصًا بالملائكة ولا سبًّا لهم ولا معاداة لهم بل الملائكة والأنبياء يعادون من أشرك بهم ويوالون أهل التوحيد الذين ينزلونهم منازلهم، وهم برآء ممن يغلون فيهم
[ ٢٢٠ ]
ويشرك بهم، قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك﴾ الآية [سورة سبأ: (٤٠ - ٤١)]، وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء -إلى قوله- نذقه عذابًا كبيرًا﴾ [سورة الفرقان: (١٧ - ١٩)]، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم -إلى قوله- والله هو السميع العليم﴾ [سورة المائدة: (٧٢ - ٧٦)]، وهذا بيان أن المسيح وغيره من المخلوقين لا يملكون للناس ضرًّا ولا نفعًا. ولا يجوز أن يقال أن هذا معاداة له أو سب أو تنقص.
وقد أمر الله سبحانه خاتم الرسل بأن يقول ما ذكره عنه من قوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) الآية [سورة الأعراف: (١٨٨)]، وقال تعالى: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا﴾ [سورة الجن: (٢١)]، وقال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [سورة الأنعام: (٥٠)]، ومثل هذا [في القرآن] كثير يعم ويخص، فالأول كقول صاحب يس ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة﴾ الآية [سورة يس: (٢٢ - ٢٣)]، وقوله: ﴿أليس الله بكاف عبده -إلى قوله- قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ [سورة الزمر: (٣٦ - ٣٨)]. وقال تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا
[ ٢٢١ ]
يضرك -إلى قوله- فلا كاشف له إلا هو﴾ [سورة يونس: (١٠٦ - ١٠٧)]، وهذا باب واسع.
والمقصود أن أدنى من يعد من طلبة العلم يعلم أن أفعال العباد إذا تكلم فيها بالأمر والنهي والإيجاب والتحريم وهل هذا السفر جائز أو مستحب أو محرم أو مكروه -سواء كان إلى مسجد أو إلى قبر نبي أو غير ذلك- لم يدخل شيء من هذا في مسائل تنقيص الأنبياء وسبهم، بل أبلغ من هذا أنه إذا تكلم في مسائل العصمة، وهل يجوز على الأنبياء الذنوب أو لا يجوز، واختار مختار أحد القولين لم يقل أحد من المسلمين إن هذا تنقص وسب ومعاداة، وكذلك السؤال بالأنبياء في الدعاء مثل أن يقول الداعي: أسألك بحق الأنبياء / عليك، نهى أبو حنيفة عنه، وطائفة ترخص في هذا، ولم يقل أحد إن كل من نهى عن ذلك قد تنقص الأنبياء وعاداهم أو سبهم.
والقاضي عياض ﵀ مع أنه أبلغ الناس في مسائل العصمة وفي مسائل السب قد ذكر هذا لئلا يقع فيه هؤلاء الجهال الذين يجعلون الكلام العلمي والاستدلال بالأدلة الشرعية والاجتهاد في متابعة الرسول والأنبياء من باب المعاداة والسب والتنقص؛ ولا ريب أن هذا الباب إن كان فيه معاداة وتنقص لهم فمن خالفهم وأمر بما نهوا عنه ونهى عما أمروا به وقال عنهم الكذب ونسب إليهم ما نزههم الله منه، مثل هؤلاء الجهال المفترين كان هو أولى بالمعاداة والسب والتنقص، كما قد بسط في مواضع أخر.
[ ٢٢٢ ]
إذ المقصود هنا ما ذكره القاضي عياض ﵀، قال لما ذكر قسم الكلام في مسائل السب وما يشتبه به مما ليس بسب قال: (الوجه السابع: أن يذكر ما يجوز على النبي ﷺ أو يختلف في جوازه عليه، وما يطرأ من الأمور البشرية ويمكن إضافتها إليه، أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس زمنه، ومر عليه من معاناة عيشته، كل هذا على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما [تجب فيه] العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم، فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة، إذ ليس فيه غض ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف، لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ.
قال: لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم ولا سيما ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده، ويجنّب ذلك من عساه لا يفقه، أويخشى به فتنة. فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن. فقد قال ﷺ مخبرًا عن
[ ٢٢٣ ]
نفسه باستئجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله، فقال ﷺ: (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم) وأخبرنا الله بذلك عن موسى. وهذا / لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه، بخلاف من قصد به الغضاضة والتحقير، بل كانت عادة جميع العرب.
نَعَمْ في ذلك للأنبياء حكمة بالغة، وتدريج من الله تعالى لهم إلى كرامته، وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خلقه بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ويتقدم العلم بذلك.
وقد ذكر الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له، فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه والتعجب من منح الله قبله وعظيم منن الله عنده ليس فيه غضاضة، بل فيه دلالة على نبوته ﷺ وصحة دعوته، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئًا فشيئًا، فنمى أمره ﷺ حتى قهرهم وتمكن من ملك مقاليدهم واستباحة [كثير من مماليك الأمم] غيرهم بإظهار الله وتأييده بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، وإمداده بالملائكة المسومين، ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى علوه، ولهذا قال
[ ٢٢٤ ]
هرقل -حين سأل أبا سفيان بن حرب عنه ﷺ: هل من آبائه من ملك؟ فقال: لا. ثم قال- ولو قلت كان من آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. فإذا اليتم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم السالفة. وكذا وقع ذكره في كتاب إرميا، وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب، وبحيرا لأبي طالب.
وكذلك إذا وصف ﷺ بأنه أمي كما وصفه الله بذلك فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظيمة في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح ﷺ وفضل [به من ذلك] كما قدمناه في
[ ٢٢٥ ]
القسم الأول. ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ [ولم يكتب] ولم يدارس ولا لُقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر. وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من [القراءة والكتابة] المعرفة، وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن / الواسطة والسبب؛ والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة.
فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه، وحياته فيما فيه هلاك من عداه. هذا شق قلبه وإخراج حشوته كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه، وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلمّ جرّا إلى سائر ما روي في أخباره ﷺ وسيره. وتقلله من الدنيا ومن الملبس والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أموره وخدمة بيته زهدًا ورغبة عن الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها، كل هذا من فضائله ﷺ ومآثره وشرفه كما ذكرناه.
[ ٢٢٦ ]
فمن أورد شيئًا من ذلك موارده وقصد به مقصده كان حسنًا، ومن أورد ذلك على غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التي [قدمناها].
هذا كلام القاضي عياض ﵀، يفرق فيما يظن أن فيه غضاضة ونقصًا وعيبًا وليس هو في نفس الأمر كذلك، وبين من يذكره على وجهه لبيان العلم والدين ومعرفة حقائق الأمور، وبين من يقصد به العيب والإزراء وإن كان لا عيب في ذلك بل هو من الفضائل والمناقب، وهكذا سائر ما فيه هذا.
وحينئذ فأعظم أحوال الناس مع الأنبياء وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع الرسول ﷺ لا سيما أبو بكر وعمر، وهو تصديقه في كل ما يخبر به من الغيب، وطاعته وامتثال أمره في كل ما يوجبه ويأمر به، وأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وأهله وماله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما، وأن يتحرى متابعة الرسول ﷺ فيعبد الله بما شرعه وسنه من واجب ومستحب، لا يعبده بعبادة نهى عنها وببدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وإن ظن أن في ذلك تعظيمًا للرسول ﷺ وتعظيمًا لقدره كما ظنه النصارى في المسيح، وكما ظنوه في اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وكما ظن الذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، فإن الأمر بالعكس بل كل عبد صالح من الملائكة والأنبياء فإنما يحب ما أحبه الله من عبادته وحده وإخلاص / الدين له ويوالي من كان كذلك ويعادي من أشرك، ولو كان المشرك معظمًا له غاليًا فيه فإن هذا يضره ولا ينفعه لا عند الله
[ ٢٢٧ ]
ولا عند الذي غلا فيه وأشرك به واتخذه ندًّا لله يحبه كحب الله واتخذه شفيعًا يظن أنه إذا استشفع به يشفع له بغير إذن أو اتخذه قربانًا يظن أنه إذا عبده قربه إلى الله، فهذه كلها ظنون المشركين. قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتبنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض﴾؟ [سورة يونس: (١٨)]، وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [سورة الزمر: (٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، وقال تعالى: ﴿ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى -إلى قوله- يفترون﴾ [سورة الأحقاف: (٢٧ - ٢٨)].
وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [سورة الشعراء: (٢١٤)]، قال: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا، سليني [ما شئت من مالي]).
[ ٢٢٨ ]
وفي الصحيحين أنه قال: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو رقاع تخفق يقول: يا رسول الله أغثني أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك). وهذا باب واسع.
الوجه السادس: أن هذا المعترض سوى بين السفر إلى زيارة قبره ﷺ وسائر القبور، وذكر أن المجيب حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور.
وهذا يقتضي أن المجيب حرم السفر إلى مسجده، وهذا كذب على المجيب، فإن الذين قالوا من علماء المسلمين إنه يستحب زيارة قبره أو حكوا على ذلك الإجماع لو قدر أنهم صرحوا باستحباب السفر إليه فمرادهم السفر إلى مسجده، فإن هذا هو المقدور وهو المشروع، فإن كل مسافر وزائر يذهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، وكل من ذكر زيارة قبر النبي ﷺ ذكروا أنه يبدأ بالصلاة في مسجده، ثم بعد ذلك يسلم عليه، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما.
ففي العتبية عن مالك قال: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ، قال: وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي ﷺ حيث العمود المخلق، قال: وأما الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. والتنفل فيه للغرباء أحب [إلي من التنفل في البيوت. وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحد للتنفل] موضعًا من
[ ٢٢٩ ]
(*) المسجد بل سوى بين الجميع، وكذلك قال أحمد وابن حبيب وسائر العلماء: إنه يبدأ بالركوع في المسجد، وهذا مذهب السلف والخلف -أهل المذاهب الأربعة وغيرهم- لكن منهم من يختار الصلاة في الروضة كما ذكر ذلك أحمد وابن حبيب وغيرهما، وما علمت نزاعًا في أنه يصلي في المسجد أولًا إلا ما رأيته في مناسك لأبي القاسم ابن حباب السعدي في آداب الإحرام والمجاورة والزيارة قال فيه: فإذا دخل الداخل المسجد فهل يبدأ بحقوق المسجد أو بحقوق المصطفى وهو التأدب بآداب الزيارة؟ اختلف العلماء في ذلك فمن قائل يقول: يبدا بحقوق المسجد أولًا لأنه أول البقعة يلاقيها قبل لقاء المصطفى، فيقيم آداب المسجد بصلاة ركعتين قبل الزيارة، قالوا: ولا يزيد بزيارته ميتًا على زيارته حيًّا. وقد كانت صحابته إذا دخلوا للقائه في المسجد يبدؤون بتحية المسجد قبل لقائه بأمر منه واقتداء منهم.
وقال آخرون: دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى ﷺ، فالقصد الأول زيارته والثاني حقوق المسجد، فيبدأ [بقضاء] حقوقه قبل حقوق المسجد. والصحيح الأول.
قلت: هذا القول لم يقله عالم معروف يحكى قوله، إنما قاله بعض من لا يعرف شريعة الإسلام، ولهذا علله بقوله دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى،
_________________
(١) (*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع تكرر في بداية هذه الصفحة ما جاء في نهاية الصفحة السابقة، وهي العبارة التالية: (وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحد للتنفل موضعًا من). فتم حذفها.
[ ٢٣٠ ]
فإن هذا التعليل يدل على جهله بسنته ﷺ المتواترة التي أجمع المسلمون عليها وهو أن المسجد شرع دخوله للصلاة فيه وإن لم يكن هناك قبره كما كان على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه الراشدين، والرحال تشد إليه كما قال: / (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)، وهذا متفق عليه بين المسلمين، والسفر لقبره لو كان مشروعًا لكان يسافر لهذا ولهذا ولهذا.
فالذي يقول إن السفر للقبر دون المسجد هو المشروع، فمن قال هذا فإنه لا يعرف دين الإسلام، فإن أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تعيّن قتله، فكيف إذا كان المشروع هو السفر إلى مسجده وقد نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كما قد ذكره السلف والأئمة. وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أن الزائر إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، والصلاة والسلام عليه والثناء وتعزيره وتوقيره وذكر ما منّ الله عليه به ومنّ على الناس به. فأما الوصول إلى قبره أو الدخول إلى حجرته فهذا غير ممكن ولا مقدور، ولا هو من المشروع المأمور، بخلاف سائر القبور. وإذا كان المراد بزيارة قبره والسفر إليه هو السفر إلى مسجده وفعل ما يشرع هناك، فالمجيب قد ذكر أن هذا مستحب بالنص والإجماع. وما حكاه عن المجيب يقتضي أنه حرم مثل هذا السفر، ويقتضي أن السفر إليه والسفر إلى قبر غيره سواء، وهذا غلط عظيم على شرع الرسول، وعلى المجيب وغيره.
[ ٢٣١ ]
الوجه السابع: أنه إذا كان المراد بالسفر إليه وزيارته هو السفر إلى مسجده وهذا سفر مستحب بالنص والإجماع، [والسفر لزيارة سائر القبور ليس مستحبًّا بالنص والإجماع]، وهذا المعترض قد سوى بينهما، فقد خالف النص والإجماع.
الوجه الثامن: أن يقال: المراد بزيارته المستحبة وبالسفر إليها هو السفر إلى مسجده باتفاق المسلمين، ثم جميع ما يشرع هناك من الصلاة والسلام عليه والدعاء له والثناء عليه هو مشروع في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع باتفاق المسلمين، فلم يبق لنفس القبر اختصاص بعبادة من العبادات، بخلاف قبر غيره فإنه اذا استحب زيارة قبور المؤمنين للدعاء لهم والاستغفار استحب أن يصل إلى قبره ويدعو له هناك / كما يصلى على قبره فإن قبره بارز يمكن الوصول إليه. والرسول حجب قبره ولم يبرزوه، فلا يشرع ولا يقدر أحد على زيارته كما يشرع ويقدر على زيارة قبر غيره، بل زيارته التي يشرع لها السفر إنما هي السفر إلى مسجده، ولهذا كان أهل مدينته يكره لهم كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه أن يأتوا إلى قبره، بخلاف مسجده فإنه مشروع لهم إتيانه والصلاة فيه كما يشرع في سائر المساجد، والصلاة فيه أفضل، والغرباء يستحب لهم صلاة التطوع في مسجده بخلاف أهل البلد، فإنه قد ثبت عنه أن قال لأهل المدينة (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فعلم أن الذي ذكروه من استحباب
[ ٢٣٢ ]
زيارة قبره إنما هو السفر إلى مسجده ليس هو زيارة قبره كما تزار القبور، فإن ذلك غير مشروع ولا مقدور والمجيب قد ذكر هذا الفرق، وذكر استحباب السفر إلى مسجده بالنص والإجماع وما استحبه العلماء من زيارة قبره، وهذا المعترض سوى بينهما، وذكر عن المجيب أنه حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور ولم يذكر عنه أنه استحب السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية، فتبين بطلان ما نقله عنه. مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها قال ابن بطال في شرح البخاري: كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها.
وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني.
قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله.
قال وفي المجموعة: قال علي بن زياد سئل مالك عن زيارة القبور فقال كان قد نهى عنه ﵇ ثم أذن فيه، فلو فعل إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أر بذلك بأسًا، وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها.
[ ٢٣٣ ]
فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها. فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا. وهذا هو القول الذي حكاه المعترض عن المجيب -من أنه حرم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور مطلقًا- والمجيب لم يذكره ولم يحكه، ولكن حكاه وقاله غيره ممن هم من أكابر علماء المسلمين، فهل يقول عاقل إن هؤلاء كانوا مجاهرين للأنبياء بالعداوة ومعاندين لهم؟.
[ ٢٣٤ ]