[الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا].
[إن ما ثبت عن المصطفى ﷺ] ليس عن هوى النفس كما أنه ليس من الظن كحال الذين هم له مخالفون، بل هو ﴿وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى﴾ [سورة النجم: (٤ - ١٢)] أيها الجاهلون. والذين أوتوا العلم يرون أن ما أنزل إليه من ربه ﴿هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾ [سورة سبأ: (٦)] فهم له يتبعون.
فلهذا كان أفضل الخلق وأقربهم إلى الله من كان أتبع لرسول الله ﷺ. وأضلهم وأشقاهم من كان أبعد عن ذلك وهم الأخسرون. وقد يتفق من يكون فيه معرفة لبعض ما جاء به، لكن لم يتبعه فيكون مشابهًا لليهود، ومن كان يخالف ما جاء به جهلًا وضلالًا [كان] كالنصارى الذين هم في دينهم يغلون. والله
[ ٩٣ ]
هو المسئول أن يجعلنا وإخواننا من عباده الذين هم بكتاب الله يهتدون، لله يؤمنون وبحبل الله يعتصمون ولأولياء الله يوالون ولأعدائه يعادون، وفي سبيله يجاهدون / ولطريقي المغضوب عليهم والضالين يجتنبون / وللسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان يتبعون.
أما بعد فإن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وفرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الغي والرشاد، وبين طريق الجنة وطريق النار، وبين أوليائه وأعدائه، وبين المعروف والمنكر، والخبيث والطيب، والحلال والحرام، ودين الحق والباطل.
فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وليس لأحد من الثقلين -الإنس والجن- سبيل إلى رضى الله وكرامته ورحمته إلا بالإيمان بمحمد واتباعه، فإن الله أرسله برسالة عامة إلى جميع الثقلين الجن والإنس، في جميع أمور الدين الباطنة والظاهرة، بشرائع الإسلام / وحقائق الإيمان، إلى علمائهم وعبادهم وملوكهم وسوقتهم، فليس لأحد -وإن
[ ٩٤ ]
عظم علمه وعبادته وملكه وسلطانه- أن يعدل عما جاء به الرسول ﷺ إلى ما يخالفه في شيء من الأمور الدينية: باطنها وظاهرها، وشرائعها وحقائقها، بل على جميع الخلق أن يتبعوه ويسلموا لحكمه. قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ [سورة النساء: (٦٥)] وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ الآية [سورة النساء: (٥٩)] وقال تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ [سورة يونس: (١٩)]، كما قال في سورة [البقرة: (٢١٣)] ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الآية. وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا قام [يصلي من الليل] يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وقد علق سبحانه الاهتداء بطاعته، فقال في ذم المنافقين: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين *
[ ٩٥ ]
وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم -إلى قوله- فأولئك هم الفائزون -إلى قوله- وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [سورة النور: (٤٧ - ٥٤)].
وهذا الأصل متفق عليه بين كل من آمن به الإيمان الواجب الذي فرضه الله على الخلق، وكل أحد عليه أن يتقي الله قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن: (١٦)]، وهذا تبيين لقوله تعالى: ﴿اتقو الله حق تقاته﴾ [سورة آل عمران: (١٠٢)] قال ابن مسعود: حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. لكن الأمر مشروط بالاستطاعة كما بينه [في قوله تعالى] ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. فقد يخفى على الإنسان بعض سنة الرسول ﷺ وأمره مع اجتهاده في طاعته، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولهذا قال النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد
[ ٩٦ ]
فأخطأ فله أجر) أخرجاه في الصحيحين، وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك، كما يأثم إذا قال بخلاف ما يعلمه من الحق، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس / على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى بخلافه فهو في النار). وقد ذم الله القول بغير علم ونهى عنه في غير موضع من كتابه، قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [سورة الإسراء: (٣٦)]، وقال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ الآية [سورة الأعراف: (٣٣)] وقال تعالى عن الشيطان: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [سورة البقرة: (١٦٩)] وقال فيما يخاطب به أهل الكتاب: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ الآية [سورة آل عمران: (٦٦)]، وقال: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه﴾ [سورة الأعراف: (١٦٩)] وقال: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [سورة النساء: (١٧١)]، وجعل القائل بغير علم كاذبًا، والصادق هو الذي يتكلم بعلم فقال
[ ٩٧ ]
تعالى: ﴿آالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ [سورة الأنعام: (١٤٣)] وقال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [سورة البقرة: (١١١)]، لا سيما أهل الشرك فإنه وصفهم بالإفك مع الشرك وقرن الكذب بالشرك كما قرن الصدق بالإخلاص، ولهذا يقرن بين المنافقين أهل الكذب وبين المشركين في مثل قوله ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين -إلى قوله- وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا﴾ [سورة الفتح: (٤ - ٦)]، وقال تعالى ﴿واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [سورة الحج: (٣٠ - ٣١)]. وقال عن أهل الكهف: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين﴾ الآية [سورة الكهف: (١٥)] وقال عن الخليل: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وتخلقون إفكًا﴾ [سورة العنكبوت: (١٧)]، وقال لأبيه وقومه: ﴿ماذا تعبدون * أإفكًا آلهة دون الله تريدون﴾ [سورة الصافات: (٨٥ - ٨٦)] ومثل هذا مذكور في غير موضع من القرآن، وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك جهلًا وضلالًا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع.
والله ﷾ قد أرسل جميع رسله وأنزل جميع كتبه بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح ولا تماثيل ولا قبور ولا شمس ولا قمر ولا كوكب ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيء من الأشياء. وبين أن كل ما يعبد من دونه فإنه لا يضر ولا ينفع وإن كان ملكًا أو نبيًّا، وأن عبادته كفر، فقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا
[ ٩٨ ]
يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)]، بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون / كشف الضر ولا تحويله، وأن هؤلاء المدعوون من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه.
وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالًا من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم كما ذكر ذلك ابن مسعود، وقال تعالى: ﴿قل ادعو الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة -إلى قوله- ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)] بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والأرض ولا لهم نصيب فيهما، وليس لله ظهير يعاونه من خلقه، وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين: إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو يكون شريكًا له، أو يكون معينًا وظهيرًا له.
والرب تعالى ليس له من خلقه مالك ولا شريك ولا ظهير. لم يبق إلا الشفاعة وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له، فقال تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿ما
[ ٩٩ ]
كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة -إلى قوله- بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)] بين أن اتخاذهم أربابًا كفر، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح -إلى قوله- والله هو السميع العليم﴾ [سورة المائدة: (٧٢ - ٧٦)]، فقد بين أن من دعا المسيح وغيره فقد دعا ما لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وقال لخاتم الرسل: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [سورة الأنعام: (٥٠)] وقال: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [سورة الأعراف: (١٨٨)] وقال: ﴿قل إني لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله﴾ [سورة يونس: (٤٩)] وقال: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا﴾ [سورة الجن: (٢١)] وقال: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [سورة آل عمران: (١٢٧ - ١٢٨)] وقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [سورة القصص: (٥٦)] وقال: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ [سورة النحل: (٣٧)].
[ ١٠٠ ]