(ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل قبر نبينا ﷺ وغيره، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي ﷺ / أنه قال: (من حج ولم يزرني فقد جفاني، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)، وروي عنه ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
ولفظ الجواب: (الحمد لله، أما من من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين.
أحدهما: -وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، ويقولون إن هذا سفر معصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين- أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر، لأنه سفر منهي عنه. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي عنه لا تقصر فيه الصلاة.
[ ١٣٦ ]
والقول الثاني: أنه يقصر فيه الصلاة وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله: (فزوروا القبور).
وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ كقوله: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) رواه الدارقطني. وأما ما يذكره بعض الناس من قوله ﷺ (من حج ولم يزرني فقد جفاني) فهذا لا يرويه أحد من العلماء، وهذا مثل قوله: (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له [على الله] الجنة) فإن هذا أيضًا باطل [باتفاق العلماء] لم يروه أحد ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني).
[ ١٣٧ ]
وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك: (ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في كتب الفقه والحديث -لا محتجًّا به ولا معتضدًا به- ولكن ذكره أبو أحمد ابن عدي في: كتاب الضعفاء، ليبين به ضعف راويه، فذكره من حديث النعمان بن شبل الباهلي المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي / ﷺ قال: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) قال ابن عدي: لم يروه عن مالك غير هذا، يعني وقد علم أنه ليس من حديث مالك فعلم أن الآفة من جهته.
قال موسى بن هارون: كان النعمان هذا متهمًا.
وقال أبو حاتم بن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات.
وقال الدارقطني: الطعن في الحديث من محمد بن محمد لا من النعمان. وأما الحديث الآخر (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) فهذا ليس في شيء من الكتب، لا بإسناد موضوع ولا غير موضوع، وقد قيل إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح الدين، فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل الاعتضاد
[ ١٣٨ ]
ولا على سبيل الاعتماد، بخلاف الحديث الذي تقدم فإنه قد ذكره جماعة ورووه، وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري القارئ صاحب عاصم عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي). وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته.
قال البيهقي في شعب الإيمان: وقد روى حفص بن أبي داود -وهو ضعيف- عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي).
[ ١٣٩ ]
قال يحيى بن معين في حفص هذا: ليس بثقة. وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أوثق منه.
وفي رواية عنه: كان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقًا، وكان حفص كذابًا.
وقال البخاري: تركوه.
وقال مسلم بن الحجاج: متروك.
وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث تركته على عمد.
وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك.
وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه، وهو ضعيف الحديث لا يصدق، متروك الحديث.
وقال عبد الرحمن بن خراش: / هو كذوب متروك يضع الحديث.
وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.
وقال ابن عدي: عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة.
[ ١٤٠ ]
وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى بن هلال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (من زار قبري وجبت له شفاعني) قال البيهقي -وقد روى هذا الحديث- ثم قال: وقد قيل: عن موسى عن عبيد الله قال: وسواء قال عبد الله أو عبيد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره.
وقال العقيلي في موسى بن هلال هذا: لا يتابع على حديثه.
وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول.
وقال أبو زكريا النووي في شرح المهذب لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي ﷺ، لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار والدارقطني والبيهقي بإسنادين ضعيفين جدًّا. هذا آخر الحاشية.
[ ١٤١ ]
قال المجيب في تمام الجواب: وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ويزور القبور، وأجاب عن حديث (لا تشد الرحال) بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).
وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير المساجد الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد. ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبًا بالشرع.
وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما ثبت في صحيح البخاري عن / عائشة أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والسفر إلى المسجدين طاعة ولهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجد أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من
[ ١٤٢ ]
الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الحديث الصحيح: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة). وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه، وقالوا: لأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في الإبانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة.
وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي، لأن زيارة النبي ﷺ إلى مسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر.
[ ١٤٣ ]
وقوله في قول النبي ﷺ: (لا تشد الرحال): أنه محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا هو من الحسنات.
فإذن من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة.
ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا الباب.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم.
وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها. بل مالك إمام / أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ. ولو كان هذا اللفظ معروفًا عندهم أو مشروعًا أو مأثورًا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة. والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
[ ١٤٤ ]
(ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇). وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه.
وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت). ثم ينصرف.
[ ١٤٥ ]
وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
وفي سنن سعيد بن منصور أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلًا يختلف إلى قبر النبي ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء.
[ ١٤٦ ]
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا). وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدًا فيتخذ قبره وثنًا.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد -إلى زمن الوليد بن عبد الملك- لا يدخل أحد إلى عنده: لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد. وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي ﷺ وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة، لم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا لا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل / أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها.
[ ١٤٧ ]
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا) [سورة نوح: (٢٣)]، قالوا: [هؤلاء كانوا] قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى [البخاري في صحيحه] لما ذكر قول ابن عباس: إن هذه الأوثان صارت إلى العرب. وذكره ابن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف. وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع.
[ ١٤٩ ]
وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين﴾ [سورة الأعراف: (٢٩)]، وقال: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ [سورة الجن: (١٨)]، وقال ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ [سورة التوبة: (١٨)]، وقال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [سورة البقرة: (١٨٧)]، وقال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [سورة البقرة: (١١٤)]، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يقول: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). والله تعالى أعلم.
فهذه ألفاظ المجيب، فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب وما ادعوا أنه باطل هل هم صادقون مصيبون في هذا أو هذا أو هم بالعكس؟ والمجيب أجاب بهذا من [بضع عشرة] سنة
[ ١٥٠ ]
بحسب / حال السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها ولا سمى كل من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول، بحسب ما تيسر في هذا الوقت، وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ذلك.
والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة -وإن كان قبر نبينا ﷺ- وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد الحديث عندهم معناه تحريم السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول: قبر نبينا ﷺ لم يدخل في العموم.
ثم لهذا القول مأخذان:
أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده، وهذا المأخذ هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه.
والمأخذ الثاني: أن نبينا لا يشبه بغيره من النبيين كما قال طائفة من أصحاب أحمد إنه يحلف به، وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيًّا عنه، وهو رواية عن أحمد. ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء كحكمه. قاله بعضهم في الحلف بهم، وقال بعضهم في زيارة قبورهم. وكذلك أبو محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة. وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد بالحديث
[ ١٥١ ]
نفي الفضيلة والاستحباب ونفي الوجوب بالنذر لا نفي الجواز، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم، وهو قول ابن عبد البر وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد.
فهذان هما القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب ولم يعرف أحدًا معروفًا من العلماء المسلمين في الكتب قال إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولًا ثالثًا لحكاه، لكنه لم يعرف ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدًا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعًا في الجواب، فإنه من المعلوم أن مسجد النبي ﷺ يستحب السفر إليه بالنص والإجماع، فالمسافر إلى قبره لا بد إن كان / عالمًا بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده ولا يدخل ذلك في جواب المسألة، فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا، فإنه يعلم أن الرسول ﷺ قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده، فكيف لا يقصد السفر إليه؟ وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده. وإنما ينتفي
[ ١٥٢ ]
القصد مع الجهل، إما مع الجهل فإن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا لأجل القبر، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم بالأمرين فلا بد أن يقصد السفر إلى مسجده، ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه متعددة كما قد بسط في مواضع.
وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو معتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه: يسافرون إليه ليدعوه ويدعوه عنده ويدخلون إلى قبره ويقعدون عنده ويكون عليه أو عنده مسجد بني لأجل القبر فيصلون في ذلك المسجد تعظيمًا لصاحب القبر. وهذا مما لعن النبي ﷺ أهل الكتاب على فعله، ونهى أمته عن فعله فقال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا) وهو في الصحيحين من غير وجه.
وقال قبل أن يموت بخمس (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم.
فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور وما هو منهي عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب.
[ ١٥٣ ]