وحينئذ فأعظم أحوال الناس مع الأنبياء وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع الرسول ﷺ لا سيما أبو بكر وعمر، وهو تصديقه في كل ما يخبر به من الغيب، وطاعته وامتثال أمره في كل ما يوجبه ويأمر به، وأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وأهله وماله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما، وأن يتحرّى متابعة الرسول ﷺ، فيعبد الله بما شرّعه وسنّه من واجب ومستحب، لا يعبده بعبادة نهى عنها، وببدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وإن ظنّ أن في ذلك تعظيما للرسول ﷺ وتعظيما لقدره، كما ظنه النصارى في المسيح، وكما ظنوه في اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وكما ظن الذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، فإن الأمر بالعكس؛ بل كل عبد صالح من الملائكة والأنبياء فإنما يحب ما أحبه الله من
[ ٨٣ ]
عبادته وحده، وإخلاص الدين له، ويوالي من كان كذلك، ويعادي من أشرك، ولو كان المشرك معظّما له غاليا فيه فإن هذا يضره ولا ينفعه، لا عند الله ولا عند الذي غلا فيه وأشرك به واتخذه ندا لله يحبه كحب الله، واتخذه شفيعا يظن أنه إذا استشفع به يشفع له بغير إذن، أو اتخذه قربانا يظن أنه إذا عبده قرّبه إلى الله، فهذه كلها ظنون المشركين. قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [يونس: ١٨]. وقال تعالى:
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣]. وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥] وقال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى إلى قوله: يَفْتَرُونَ [الأحقاف: ٢٧، ٢٨]. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال:
قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] فقال:
«يا معشر قريش؛ اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف؛ لا أغني عنكم من الله شيئا، يا صفية عمّة رسول الله؛ لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد؛ لا أغني عنك من الله شيئا، سليني من مالي ما شئت» «١».
وفي الصحيحين أنه قال: «لا ألفينّ أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله؛ أغثني أغثني، فأقول:
لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك» «٢». وهذا باب واسع.
الوجه السادس: أن هذا المعترض سوّى بين السفر إلى زيارة قبره ﷺ وسائر القبور، وذكر أن المجيب حرّم السّفر لزيارة قبره وسائر القبور، وهذا يقتضي أن المجيب حرّم السفر إلى مسجده، وهذا كذب على المجيب، فإن الذين قالوا من علماء المسلمين إنه يستحبّ زيارة قبره، أو حكوا على ذلك الإجماع؛ لو قدّر أنهم صرّحوا باستحباب السفر إليه فمرادهم السفر إلى مسجده. فإن هذا هو المقدور وهو المشروع، فإن كل مسافر وزائر يذهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده، ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، وكل من ذكر زيارة قبر النبي ﷺ ذكروا أنه يبدأ بالصلاة في مسجده، ثم بعد ذلك يسلّم عليه، وهذا هو المنصوص عن الأئمة؛ كمالك وأحمد وغيرهما.
ففي «العتبية» عن مالك قال: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ.
قال: وأحبّ مواضع التنفل فيه مصلّى النبي ﷺ حيث العمود المخلق. قال: وأما الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. والتنفل فيه للغرباء أحبّ إلي من التنفّل في البيوت.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٥٢٧، ٤٧٧٠، ٤٧٧١) ومسلم (٢٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١).
[ ٨٤ ]
وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحدّد للتنفل موضعا من المسجد، بل سوّى بين الجميع. وكذلك قال أحمد وابن حبيب وسائر العلماء؛ إنه يبدأ بالركوع في المسجد. وهذا مذهب السلف والخلف- أهل المذاهب الأربعة وغيرهم- لكن منهم من يختار الصلاة في الروضة، كما ذكر ذلك أحمد وابن حبيب وغيرهما.
وما علمت نزاعا في أنه يصلي في المسجد أولا إلا ما رأيته في المناسك لأبي القاسم بن حباب السعدي في آداب الإحرام والمجاورة والزيارة، قال فيه: فإذا دخل الداخل المسجد فهل يبدأ بحقوق المسجد أو بحقوق المصطفى وهو التأدّب بآداب الزيارة؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فمن قائل يقول: يبدأ بحقوق المسجد أولا لأنه أوّل البقعة يلاقيها قبل لقاء المصطفى، فيقيم آداب المسجد بصلاة ركعتين قبل الزيارة، قالوا: ولا يزيد بزيارته ميتا على زيارته حيّا، وقد كانت صحابته إذا دخلوا للقائه في المسجد يبدءون بتحية المسجد قبل لقائه، بأمر منه واقتداء منهم.
وقال آخرون: دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى، فالقسم الأول زيارته، والثاني حقوق المسجد، فيبدأ بحقوقه قبل حقوق المسجد. والصحيح الأول.
قلت: هذا القول لم يقله عالم معروف يحكى قوله، إنما قاله: بعض من لا يعرف شريعة الإسلام، ولهذا علّله بقوله: دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى، فإن هذا التعليل يدلّ على جهله بسنته ﷺ المتواترة التي أجمع المسلمون عليها، وهو أن المسجد شرع دخوله للصلاة فيه، وإن لم يكن هناك قبره كما كان على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه، والرحال تشدّ إليه كما قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». وهذا متفق عليه بين المسلمين.
والسفر لقبره لو كان مشروعا لكان يسافر لهذا ولهذا.
فالذي يقول: إن السفر للقبر دون المسجد هو المشروع، فمن قال: هذا؛ فإنه لا يعرف دين الإسلام، فإن أصر على مشاقة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين تعيّن قتله. فكيف إذا كان المشروع هو السفر إلى مسجده وقد نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كما قد ذكره السلف والأئمة، وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا؛ أن الزائر إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، والصلاة والسلام عليه والثناء وتعزيره وتوقيره وذكر ما منّ الله عليه به، ومنّ على الناس به. فأما الوصول إلى قبره أو الدخول إلى حجرته؛ فهذا غير ممكن ولا مقدور، ولا هو من المشروع المأمور، بخلاف سائر القبور.
وإذا كان المراد بزيارة قبره والسفر إليه هو السفر إلى مسجده وفعل ما يشرع هناك؛ فالمجيب قد ذكر أن هذا مستحبّ بالنصّ والإجماع، وما حكاه عن المجيب
[ ٨٥ ]
يقتضي أنه حرّم مثل هذا السفر، ويقتضي أن السفر إليه والسفر إلى قبر غيره سواء، وهذا غلط عظيم على شرع الرسول وعلى المجيب وغيره.
الوجه السابع: أنه إذا كان المراد بالسفر إليه وزيارته هو السفر إلى مسجده؛ وهذا سفر مستحبّ بالنصّ والإجماع، والسفر لزيارة سائر القبور ليس مستحبا بالنص والإجماع، وهذا المعترض قد سوّى بينهما، فقد خالف النصّ والإجماع.
الوجه الثامن: أن يقال: المراد بزيارته المستحبة وبالسفر إليها هو السفر إلى مسجده باتفاق المسلمين، ثم جميع ما يشرع هناك من الصلاة والسلام عليه والدّعاء له والثناء عليه، هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وسائر البقاع باتفاق المسلمين، فلم يبق لنفس القبر اختصاص بعبادة من العبادات، بخلاف قبر غيره؛ فإنه إذا استحبّ زيارة قبور أحد المؤمنين للدعاء له والاستغفار؛ استحب أن يصلي إلى قبره ويدعو له هناك، كما يصلي على قبره، فإن قبره بارز يمكن الوصول إليه، والرسول حجب قبره ولم يبرزوه، فلا يشرع ولا يقدر أحد على زيارته كما يشرع ويقدر على زيارة قبر غيره، بل زيارته التي يشرع لها السفر إنما هي السفر إلى مسجده، ولهذا كان أهل مدينته يكره لهم كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه أن يأتوا إلى قبره، بخلاف مسجده؛ فإنه مشروع لهم إتيانه والصلاة فيه، كما يشرع في سائر المساجد، والصلاة فيه أفضل. والغرباء يستحبّ لهم صلاة التطوع في مسجده بخلاف أهل البلد، فإنه قد ثبت عنه أنه قال لأهل المدينة: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» «١».
فعلم أن الذي ذكروه من استحباب زيارة قبره إنما هو السفر إلى مسجده، ليس هو زيارة قبره كما تزار القبور، فإن ذلك غير مشروع ولا مقدور، والمجيب قد ذكر هذا الفرق وذكر استحباب السفر إلى مسجده بالنص والإجماع وما استحبه العلماء من زيارة قبره، وهذا المعترض سوّى بينهما، وذكر عن المجيب أنه حرّم السفر لزيارة قبره وسائر القبور، ولم يذكر عنه أنه استحبّ السفر إلى مسجده وزيارته الزيارة الشرعية، فتبين بطلان ما نقله عنه.
مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها؛ قال ابن بطال في «شرح البخاري»: كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها.
وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله، قال: وفي
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٧٣١، ٦١١٣، ٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١) وغيرهما، من حديث زيد بن ثابت ﵁.
[ ٨٦ ]
المجموعة قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: كان قد نهى عنه ﵇ ثم أذن فيه، فلو فعل إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا، وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعّف زيارتها.
فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخّص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعّفها. فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا. وهذا هو القول الذي حكاه المعترض عن المجيب؛ من أنه حرّم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور مطلقا. والمجيب لم يذكره ولم يحكه، ولكن حكاه وقاله غيره ممن هم من أكابر علماء المسلمين، فهل يقول عاقل: إن هؤلاء كانوا مجاهرين للأنبياء بالعداوة معاندين لهم؟
[ ٨٧ ]