فتبين أن من أتى مسجد الرسول لغير الصلاة؛ أنه ليس بطاعة ولا يلزم بالنذر.
وتبين أن السفر إليه وإتيانه لأجل القبر ليس بطاعة كما ذكر ذلك مالك وسائر أصحابه.
_________________
(١) هو: سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي؛ أبو الوليد الباجي المالكي. من كبار فقهاء المالكية، ومن علماء الفقه والحديث، أصله من بطليوس، ومولده في باجة، من بلاد الأندلس. ولد سنة (٤٠٣) وتوفي سنة (٤٧٤). له من التصانيف: «إحكام الفصول في أحكام الأصول» و«اختلاف الموطآت» و«الحدود» و«المنتقى» و«شرح المدونة» وغيرها. انظر ترجمته في: «الأنساب» للسمعاني (٢/ ١٩) و«نفح الطيب» (٢/ ٦٧) و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٣٥) و«العبر» (٣/ ٢٨١) و«تذكرة الحفاظ» (٣/ ١١٧٨) و«البداية والنهاية» (١٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، و«الديباج المذهب» (١/ ٣٧٧ - ٣٨٥) و«شذرات الذهب» (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥) و«الأعلام» (٣/ ١٢٥).
(٢) هو: القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي، أبو محمد المالكي. من فقهاء المالكية وقضاتها الكبار في بغداد. ولد ببغداد سنة (٣٦٢) وتوفي بمصر سنة (٤٢٢). له من المصنفات؛ «التلقين» و«شرح المدونة» و«الإشراف على مسائل الخلاف» و«شرح فصول الأحكام» وغيرها. ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١١/ ٣١ - ٣٢) و«ترتيب المدارك» (٧/ ٢٢٠) و«سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤٢٩) و«العبر» (٣/ ١٤٩) و«البداية والنهاية» (١٢/ ٣٢) و«النجوم الزاهرة» (٤/ ٢٧٦) و«شذرات الذهب» (٣/ ٢٢٣). وانظر مقدمة كتابه «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» حيث صنع له المحقق: الحبيب بن طاهر ترجمة وافية.
[ ٥٢ ]
ولا يرد على هذا الاعتكاف؛ فإن المعتكف عنده لا بد أن يصلي، وكذلك من دخله لتعلّم العلم أو تعليمه فإنه يصلي فيه أولا.
والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات؛ ذكرها أبو القاسم بن الجلاب في «التفريع» قال: ومن قال عليّ المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فإن أراد الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما، وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه. ولو قال: لله عليّ المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما. وإن نذر السفر إلى مسجد سوى المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فإن كان قريبا لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه وصلّى فيه، وإن كان بعيدا لا ينال إلا براحلة صلّى في مكانه ولا شيء عليه.
وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد من القريب والبعيد ذكره قبله محمد بن المواز في الموازية وغيره قال: أما السفر إلى المدينتين؛ مدينة الرسول ﷺ وبيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين فإنه لا يستحبّ عند أحد منهم، بل جمهورهم نهوا عنه وحرّموه موافقة لمالك، لنهي النبي ﷺ أن تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد ذكر ذلك ابن بشير في تنبيهه والقيرواني في تقريبه، وغيرهما من أصحاب مالك.
فهذا نصّ مالك الإمام وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في مسجدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر النبي ﷺ فإنه لا يأتيها ولا يوف بنذره، بل السفر لذلك منهيّ عنه لقوله: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد».
بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي ﷺ وليس بزيارة لقبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ومسجد قباء. وهذه الأماكن يستحبّ لأهل المدينة إتيانها وإن لم يقدموا من سفر، اقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم، وكان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا «١».