وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم؛ قد اتخذوها
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم كما في «الدر المنثور» (٥/ ١٧٣) و«تفسير القرآن العظيم» للحافظ ابن كثير (٢/ ٧٦٧). وإسناده حسن إن شاء الله. ابن شريح؛ هو: عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله المعافري؛ ثقة فاضل. وعبد الكريم بن الحارث؛ هو: ابن يزيد الحضرمي؛ أبو الحارث المصري؛ ثقة عابد. مشرح بن هاعان؛ وثقه ابن معين والعجلي والذهبي وغيرهم. وقال الحافظ في «التقريب»: «مقبول». والأرجح أنه «صدوق حسن الحديث»، وانظر «تحرير تقريب التهذيب» (٣/ ٣٨٠/ ٦٦٧٩). وسليم بن عتر المصري ذكره ابن حبان في «الثقات» (٤/ ٣٢٩) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١٢٥) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٤/ ٢١١ - ٢١٢). تنبيه: وقع في المطبوعة هنا: «سليم بن عفير» وفي مطبوعة ابن أبي حاتم من التفسير (٧/ ٢٣٠٥): «سليم بن عمر» وفي مطبوعة «تفسير القرآن العظيم» - الريان- (٢/ ٧٦٧): «سليم بن نمير»!. وكل هذا تصحيف صوابه ما أثبتناه هنا.
[ ٦٤ ]
أوثانا من دون الله، وصاروا يظنّون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم، فإنهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر. ولهذا قالوا لهود ﵇:
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [هود: ٥٤] فقال هود: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إلى قوله: فَكِيدُونِي جَمِيعًا [هود: ٥٤، ٥٥] إلى قوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦]. وقد قال الله تعالى في قصة الخليل: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ إلى قوله: مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٠ - ٨٢]. وقال الله تعالى لخاتم الرسل ﷺ بعد أن خاطب المشركين فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى قوله: فَلا تُنْظِرُونِ [الأعراف: ١٩٤، ١٩٥].
وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إلى قوله: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٦ - ٣٨].
وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمرو بن لحي سيد خزاعة، وكانت خزاعة ولاة البيت بعد جرهم، وقيل: قريش، فجاء إلى البلقاء فرآهم يعبدون الأصنام، وزعموا أنها تنفعهم فجلب أصناما إلى مكة ونصبها حول الكعبة «١». قال النبيّ ﷺ: «رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبه في النار- أي أمعاءه- وهو أول من غيّر دين إبراهيم ﵇» «٢».
وإذا كان كذلك؛ فمعلوم أنه لو نهى عن زيارة القبور مطلقا كما نهى عن ذلك في أول الإسلام، وكما هو أحد قولي العلماء؛ لم يكن في ذلك معاداة لأهل القبور ولا معاندة، فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور؟ وهو نهي عام لا تختصّ به الأنبياء والصالحون، بل كما نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة، فهل يقول عاقل إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف بها، كالذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؟
بل النهي عن السفر إليها مع إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات، فليس في ذلك نقص لقدرها، وكذلك إذا نهى عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر، واستحباب ذلك، فإنه لا يكون تنقّصا بأهل القبور بطريق الأولى، إذا كان جنس النهي عن زيارتها ليس تنقصا بهم، بخلاف النهي عن عمارة المساجد وإتيانها للصلاة والذكر
_________________
(١) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (١/ ١١١) - ط. إحياء التراث العربي-.
(٢) أخرجه ابن إسحاق كما في «السيرة النبوية» (١/ ١١١) والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٦٠٥). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي. وإنما هو حسن فقط، كما بيّنته في تحقيقي على «السيرة» - يسّر الله إتمامه- وانظر «السلسلة الصحيحة» (١٦٧٧).
[ ٦٥ ]
والدعاء كان من أظلم الناس، فإن من نهى عن ذلك كان كافرا. كما قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤] الآية. ولو نهى عن السفر إليها كما نهى النبي ﷺ وأئمة المسلمين وقال: من نذر السفر إليها لا يوف بنذره؛ لم يكن تنقصا بالقبور، التي لو نهى عن زيارتها لم يكن متنقصا بها، فإذا نهى عن السفر إليها لم يكن متنقصا بها بطريق الأولى والأحرى، وهذا بيّن لمن تدبّر.