والمقصود: أن من تكلم بلا علم يسوغ، وقال غير الحق فإنه يسمى كاذبا، فكيف بمن ينقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كلّ من تدبر الكلام أن هذا نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأول على صاحبه إثم الكذب ويطلق عليه الكذب، كما قال النبي ﷺ: «كذب أبو السنابل» «١». وكما قال لما قيل له: إنهم يقولون إن عامرا بطل عمله، قتل نفسه. فقال: «كذب من قال ذلك» «٢».
وكما قال عبادة: «كذب أبو محمد» لما قال الوتر واجب «٣». وقال ابن عباس:
_________________
(١) قال العلامة المعلمي﵀-: «في قصة سبيعة الأسلمية لما مات زوجها، فوضعت حملها وتهيأت للخاطبين، فأنكر عليها أبو السنابل، وقال: حتى تعتدّي أربعة أشهر وعشرا. فسألت النبي ﷺ فقال: «كذب أبو السنابل» والقصة في الصحيحين وغيرهما. وأبو السنابل هو: ابن بعك، اسمه حبة أو عمرو، وقيل غير ذلك: اه. من «الإصابة في معرفة الصحابة» بترجمة أبي السنابل. قلت: والقصة أخرجها البخاري برقم (٥٣١٨) ومسلم برقم (١٤٨٤) وأحمد (١/ ٤٤٧) واللفظ له.
(٢) أخرجه أحمد ضمن قصة طويلة (٤/ ٥١ - ٥٢).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٧٨/ ١٤) وأحمد (٥/ ٣١٥ - ٣١٦، ٣١٩ - ٣٢٢) وأبو داود (١٤٢٠) والنسائي (١/ ٢٣٠) وابن ماجه (١٤٠١) وابن حبان (٥/ ٢١/ ١٧٣١ و٦/ ١٧٤/ ٢٤١٧) والحميدي في «مسنده» ١/ ١٩١/ ٣٨٨) والدارمي في «سننه» (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧/ ١٥٧٧) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٢٩٦) وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٦٧) وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥/ ٤٥٧٥) والبيهقي في «سننه» (١/ ٤٦١ و٢/ ٤٦٧). من طرق: عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن رفيع- أو أبي رفيع- المخدجي أنه قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: يا أبا الوليد، إني سمعت أبا محمد الأنصاري يقول: الوتر واجب. فقال عبادة: كذب أبو محمد؛ سمعت رسول الله ﵌ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على عباده .. الحديث». وهذا إسناد ضعيف؛ أبو رافع المخدجي مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان. لكنه توبع؛ تابعه عبد الله بن الصنابحي عند أحمد (٥/ ٢١٧) وأبي داود (٤٢٥) والبيهقي (٢/ ٢١٥). من طريق: محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن عبادة به. ولكن وقع عند البيهقي: عن أبي عبد الله الصنابحي. وهو الصواب، وأبو عبد الله الصنابحي هو: عبد الرحمن بن عسيلة المرادي. وانظر: «تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣، ٥٣٣) وتحقيق العلامة أحمد شاكر على «الرسالة» للشافعي ص ٢١٧ وما بعدها. وتابعه أيضا: أبو إدريس الخولاني عند الطيالسي (٥٧٣). فالحديث صحيح بهاتين المتابعتين. وقد صححه الشيخ الألباني في «ظلال الجنة» (٩٦٧).
[ ١٨ ]
«كذب نوف» لما قال: إن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر «١»، ومثل هذا كثير.
فإذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمّى كذبا فما هو كذب ظاهر أولى، ومثل هذا إذا حكم بين الناس بالجهل فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم النبي ﷺ: «القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار وقاض في الجنة؛ رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». وإن قيل فيه: قد يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والإجماع باطل باتفاق العلماء، وكذلك حكم من شاركه في ذلك.
وكلام هذا وأمثاله يدلّ على أنهم بعيدون عن معرفة الصواب في هذا الباب، كأنهم غرباء عن دين الإسلام في مثل هذه المسائل لم يتدبّروا القرآن ولا عرفوا السنن ولا آثار الصحابة ولا التابعين ولا كلام أئمة المسلمين، وفي مثل هؤلاء قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» «٢». فشريعة الإسلام في هذا الباب غريبة عند هؤلاء لا يعرفونها، فإن هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع من أنواع الأدلة الشرعية في هذا الباب لوزعهم ذلك عما وقعوا فيه من الضلال والابتداع ومخالفة دين المرسلين، والخروج عما عليه جميع أئمة الدين، مع ما فيه من الافتراء على الله ورسوله ﷺ وعلى علماء المسلمين وعلى المجيب.
والاستدلال على ما ذكروه بما لا يصلح أن يكون دليلا؛ إما حديث صحيح لا يدل على المطلوب وإما خبر معتل مكذوب، والمستدلّ بالحديث عليه أن يبين صحته ويبين دلالته على مطلوبه. وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا، بل إن ذكر حديثا صحيحا لم يكن دالا على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل؛ لم يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع.
فأما ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب فليس المقصود الجواب عنه وله أسوة أمثاله من أهل الإفك والزور، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النور: ١١]. بل المقصود الانتصار لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، وبيان جهل الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم. فأذكر ما يتعلق بالمسألة وبالجواب. وليس المقصود أيضا العدوان
_________________
(١) انظر «صحيح البخاري» (٤٧٢٥).
(٢) الحديث مروي عن جمع من الصحابة، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن عوف، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. وهو عند مسلم (١٤٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵁.
[ ١٩ ]
على أحد لا المعترض ولا غيره، ولا بخس حقه، ولا تخصيصه بما لا يختص به، بما يشركه فيه غيره، بل المقصود الكلام بموجب العلم والعدل والدين، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨]. وليس أيضا المقصود ذم شخص معين، بل المقصود بيان ما يذمّ وينهى عنه ويحذر عنه من الخطأ والضلال في هذا الباب، كما كان النبي ﷺ يقول: «ما بال رجال يقولون أو يفعلون كذا» «١». فيذم ذلك الفعل ويحذر عن ذلك النوع، وليس مقصوده إيذاء شخص معيّن. ولكن لما كان هذا صنّف مصنفا وأظهره وشهره؛ لم يكن بد من حكاية ألفاظه والردّ عليه وعلى من هو مثله ممن ينتسب إلى علم ودين، ويتكلم في هذه المسألة بما يناقض دين المسلمين، حيث يجعل ما بعث الله به رسوله كفرا، وهذا رأس هؤلاء المبدّلين، فالرد عليه ردّ عليهم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٨٨) والبيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٢٣٧). وهو حديث صحيح، انظر «السلسلة الصحيحة» (٢٠٦٤).
[ ٢٠ ]