ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعا من الدين، كما عند كثير من الناس نوع من الدين، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم، حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو يؤمن به ويكفّر من قال بقول الرسول وصدّق خبره وأطاع أمره، وقد يجهل أحدهم مذهبه الذي انتسب إليه، كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، فإن هذه المسألة التي فيها النزاع وهي التي أجبت فيها وإن كانت في كتب أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وقد ذكروا القولين. وأبو حنيفة مذهبه في ذلك أبلغ من مذهب الشافعي وأحمد، فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر، وهي موجودة في كتبهم الصغار والكبار، ومالك نفسه نص على قبر نبينا محمد ﷺ بخصوصه أنه داخل في هذا الحديث، بخلاف كثير من الفقهاء، فإن كلامهم عام، لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنهم قصدوا العموم، وكذلك بيانهم لمأخذ المسألة يقتضي العموم.
فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب أئمتهم، ولا ما قاله بقية علماء المسلمين، ولا عرفوا سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
ونقل هذا المعارض عن الجواب ما ليس فيه، بل المعروف المتواتر عن المجيب في جميع كتبه وكلامه بخلافه، وليس في الجواب ما يدلّ عليه بل على نقيض ما قاله. وهذا إما أن يكون عن تعمّد للكذب، أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن وما تهوى الأنفس، وهذا أشبه الأمرين به، فإن من الناس من يكون عنده نوع من الدين؛ لكن مع جهل عظيم، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم؛ فيخطئ، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه خبرا غير مطابق، ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في السنن عن
_________________
(١) انظر حول تسمية (قاضي القضاة) «معجم المناهي اللفظية» للشيخ بكر أبو زيد ص ١٩٥ - ١٩٦.
[ ١٦ ]
بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة؛ رجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة». فهذا الذي يجهل وإن لم يتعمد خلاف الحق فهو في النار، بخلاف المجتهد الذي قال فيه النبي ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر». فهذا جعل له أجرا مع خطئه، لأنه اجتهد فاتقى الله ما استطاع، بخلاف من قضى بما ليس له به علم وتكلم بدون الاجتهاد المسوّغ له الكلام؛ فإن هذا كما في الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية: «بغير علم» «١».
وفي حديث جندب عن النبي ﷺ: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار» «٢».
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالما؛ اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا؛ فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلّوا» «٣» وفي رواية للبخاري: «فأفتوا برأيهم». وهذا بخلاف المجتهد الذي اتقى الله ما استطاع وابتغى طلب العلم بحسب الإمكان، وتكلم ابتغاء وجه الله، وعلم رجحان دليل على دليل، فقال بموجب
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٣، ٢٦٩، ٣٢٣، ٣٢٧) والترمذي (٢٩٥٠، ٢٩٥١) والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣١/ ٨٠٨٤ - ٨٠٨٥) وأبو يعلى في «مسنده» (٤/ ٤٥٨/ ٢٥٨٥) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٢/ ٢٨/ ١٢٣٩٢) وابن بطة في «الإبانة» (٧٩٩، ٨٠٥). من طرق: عن عبد الأعلى بن عامر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا. وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٦٣): «رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير .. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح»!! وصحّحه الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (٧/ ٦٤٣/ ٣٣٤٨) - قرطبة-. لكن الإسناد ضعيف؛ فيه عبد الأعلى بن عامر، ضعّفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن معين وغيرهم. انظر «تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٦٤). والحديث ضعّفه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه على «المسند» (٢٠٦٩) والعلامة الألباني في «المشكاة» (٢٣٤).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٨٠) وأبو داود (٣٦٥٢) والترمذي (٢٩٥٢) والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣١/ ٨٠٨٦) وأبو يعلى في «مسنده» (٣/ ٩٠/ ١٥٢٠) وفي «المفاريد» (٣٢) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ١٦٣/ ١٦٧٢) وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٢٨٨) وابن بطة في «الإبانة» (٧٩٨، ٨٠٦). من طرق: عن سهيل بن أبي حزم، حدّثنا أبو عمران الجوني، عن جندب بن سمرة مرفوعا. وقال الترمذي: «وقد تكلّم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم». قلت: سهيل بن أبي حزم القطعي؛ ضعفه أحمد والبخاري وأبو حاتم وغيرهم. والحديث ضعّفه الألباني﵀- في «المشكاة» (٢٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٠، ٧٠٣٧) ومسلم (٢٦٧٣). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ١٧ ]
الراجح، فهذا مطيع لله مأجور أجرين إن أصاب، وإن أخطأ أجرا واحدا. ومن قال:
كل مجتهد مصيب بمعنى أنه مطيع لله فقد صدق، ومن قال: المصيب لا يكون إلا واحدا، وإن الحق لا يكون إلا واحدا ومن لم يعلمه فقد أخطأ، بمعنى أنه لم يعلم الحق في نفس الأمر فقد صدق، كما بسط هذا في مواضع.