قال المعترض: وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح.
والجواب: من وجوه:
أحدها: أن يقال: لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيارة، وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة، ولا حكى نزاع في ذلك الجواب، وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع.
الثاني: أنه لو قدّر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة؛ لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء: إنه يستحبّ زيارة قبره، ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلّم عليه ويصلّى عليه، ويدعى له ويثنى عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويوصل إليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب، وذكر أنه مستحبّ بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع؛ فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره، فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع، لا من موارد النزاع.
الثالث: أن نقول: قول القائل: إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة؛ قول لم يذكر عليه دليلا، فإذا قيل له: لا نسلّم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب، وهو لم يذكر شيئا من تلك الأحاديث، كما ذكر قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد، فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئا من الحديث الصحيح، فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع.
الوجه الرابع: أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرّج أرباب الصحيح شيئا من ذلك، ولا أرباب السنن
[ ٩٧ ]
المعتمدة؛ كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم، ولا أهل المساند التي من هذا الجنس؛ كمسند أحمد وغيره. ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك، شيء من ذلك، ولا احتجّ إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيره بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف تكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة، وهو لا يعرف هذا الشأن؟
الوجه الخامس: قوله: وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويحصل بها الترجيح.
فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده؛ أن الحديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. والضعيف قد يكون موضوعا يعلم أنه كذب، وقد لا يكون كذلك، فما ليس بصحيح وكان حسنا على هذا الاصطلاح احتجّ به. وهو لم يذكر حديثا، وبيّن أنه حسن يجوز الاستدلال به. فنقول له: لا نسلّم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجرّدة، فيقابل بالمنع.
الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة؛ بل موضوعة، كما قد بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث وذكرت كلام الأئمة عليها حديثا حديثا، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلّم بلفظ زيارة قبره البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفا عندهم. ولهذا كره مالك التكلم به، بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقا. فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه وفي القرآن: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [التكاثر: ١، ٢]. لكن معناه عند الأكثرين الموت، وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر.
وأما لفظ قبر النبي ﷺ على الخصوص فلا يعرف لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وكل ما روي فيه فهو ضعيف، بل هو كذب موضوع، عند أهل العلم بالحديث، كما قد بسط هذا في مواضع.
الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود؛ احتجّوا إما بفعل ابن عمر كما احتج به مالك وأحمد وغيرهم، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ ﵇». فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند قبري) لكن عرفوا أن هذا هو المراد، وأنه لم يرد على كل مسلّم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام،
[ ٩٨ ]
وإن كان المراد هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل فيه من سلّم من خارج الحجرة؟
فهذا مما تنازع فيه الناس، وقد توزّعوا في دلالته، فمن الناس من يقول: هذا إنما يتناول من سلّم عليه عند قبره، كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلّمون على النبيّ ﷺ، فكان يرد عليهم، فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يردّ عليهم. وهذا قد جاء عموما في حق المؤمنين؛ «ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇» «١».
قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلّموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلّم المسجد وخرج منه، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه، بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وهذا السلام قد ورد: أنه «من سلّم عليه مرة سلّم الله عليه عشرا» كما أنه من صلّى عليه مرة صلّى الله عليه بها عشرا. فأما أثر: «من صلّى عليه مرة صلّى الله عليه عشرا» فهذا ثابت من وجوه؛ بعضها في الصحيح، كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال:
«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلّى عليّ مرّة صلّى الله بها عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت عليه شفاعتي» «٢». وهذا مرويّ عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشرا» «٣».
وأما السلام؛ فقد جاء أيضا في أحاديث، من أشهرها حديث عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه عن رسول الله ﷺ؛ أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال: «إنه جاءني جبرائيل فقال: أما يرضيك يا محمد، أنه لا يصلّي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا؟ أو لا يسلّم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا» «٤».
_________________
(١) حديث ضعيف؛ ذكره الديلمي في «الفردوس» (٦٠٥٥) والغزالي في «الإحياء» (٤/ ٤٧٥). قال الحافظ العراقي: «رواه ابن أبي الدنيا في القبور، وفيه عبد الله بن سمعان، ولم أقف على حاله. ورواه ابن عبد البر في «التمهيد» من حديث ابن عباس نحوه». وعزاه السيوطي للخطيب وابن عساكر من حديث أبي هريرة ﵁. وضعّفه المحدث الألباني في «ضعيف الجامع» رقم (٥٢٠٨).
(٢) أخرجه مسلم (٣٨٤).
(٣) أخرجه مسلم (٤٠٨).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٣٠) والنسائي (٣/ ٤٤٥) وفي «الكبرى» رقم (١١١٥) و(١١٢٧) والحاكم (٢/ ٤٢٠) والقاضي إسماعيل الجهضمي في «فضل الصلاة على النبي ﷺ» (٢) وابن حبان (٣/ رقم: ٩١٥) وصححه الألباني﵀-.
[ ٩٩ ]
وقد روي في عدة أحاديث: أن الله يصلّي على كل من صلّى عليه، ويسلّم على من يسلّم عليه. ولم يذكر عددا، لكن الحسنة بعشر أمثالها، فالمقيد يفسّر المطلق.
قال القاضي عياض: من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه ﵇ قال:
«لقيت جبريل فقال لي: أبشرك أن الله يقول: من سلّم عليك سلّمت عليه، ومن صلّى عليك صليت عليه». قال: ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن أوس بن الحدثان وعبيد الله بن أبي طلحة «١».
قلت: وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر. والمقصود هنا؛ أن ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به ﷺ من الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر اختصّ هو به، فإن الله أمر بذلك في حقّه بعينه مخصوصا بذلك، وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعا على وجه العموم، وقد قيل: إن الصلاة تكره على غير الأنبياء، وغلا بعضهم فقال: تكره على غيره، وكذلك قال بعض المتأخّرين:
في السلام. ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء؛ أنه يسلّم على غيره، وأما الصلاة فقد جوّزها أحمد وغيره، والنزاع فيها معروف.
وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: حدّث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال:
قال رسول الله ﷺ: «إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين» «٢». وقد قال الله في كتابه: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: ٥٩] وقال: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الصافات: ١٨١، ١٨٢]. وقال: لما ذكر نوحا وإبراهيم وموسى وهارون وإلياسين: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [الصافات: ٧٨، ٧٩]. وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ [الصافات: ١٠٨، ١٠٩]. وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ
_________________
(١) انظر هذه الروايات وتخريجها في الكتاب الماتع «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام» للإمام العلامة ابن قيم الجوزية، حققه: البحّاثة الفاضل مشهور بن حسن آل سلمان- حفظه الله- ونشر بدار ابن الجوزي.
(٢) أخرجه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٢/ ١٠ - ١١/ ٩٢) وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (٢/ ٣٣٥) بإسناد فيه مجهول. وأخرجه الخطيب في «تاريخه» (٧/ ٣٨٠) بإسناد فيه مجهول أيضا. وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٤). من طريق: شيبان، عن قتادة، قال: حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة: فذكره مرفوعا. وأخرجه ابن أبي عاصم في «الصلاة على النبي ﷺ» (٦٩ - ٧٠) من طريق: ابن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس مرفوعا بلفظ: «إذا صليتم على المرسلين فصلّوا عليّ معهم، فإني رسول من المرسلين». وإسناده ظاهره الصحة كما قال الشيخ مشهور بن حسن- حفظه الله- في تحقيقه على «جلاء الأفهام» ص ٦٣٥. ومنه استفدت التخريج السابق، فله الفضل والأجر إن شاء الله.
[ ١٠٠ ]
[الصافات: ١١٩، ١٢٠]. وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [الصافات: ١٢٩، ١٣٠].
والمقصود هنا؛ أن هذا السلام المأمور به خصوصا هو المشروع في الصلاة وغيرها عموما على كل عبد صالح، كقول المصلي: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». فإن هذا ثابت في التشهدات المروية عن النبي ﷺ كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين، وحديث أبي موسى، وابن عباس، اللّذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر، وعائشة، وجابر، وغيرهم، التي في المساند والسنن «١».
وهذا السلام لا يقتضي ردا من المسلم عليه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم، فيه الأجر والثواب من الله، وليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء، بخلاف سلام التحية؛ فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم، وعلى المسلّم عليه أن يردّ السلام ولو كان المسلّم عليه كافرا، فإن هذا من العدل الواجب، ولهذا كان النبي ﷺ يرد على اليهود إذا سلموا عليه بقوله:
«وعليكم» «٢». وإذا سلّم على معيّن تعيّن الرد «٣»، وإذا سلّم على الجماعة؛ فهل ردّهم فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ على قولين مشهورين لأهل العلم «٤».
والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة، وهل هي واجبة؟ على قولين معروفين وهما قولان في مذهب أحمد وغيره «٥».
وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب، ولهذا روي أن الميت
_________________
(١) انظرها في «صفة صلاة النبي ﷺ» لمحدث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني﵀-.
(٢) انظر «صحيح البخاري» (٦٢٥٦، ٦٢٥٧، ٦٢٥٨، ٦٩٢٨) و«صحيح مسلم» (٢١٦٣).
(٣) دليل ذلك قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [النساء: ٨٦]. ومن السنة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز». أخرجه مسلم (٢١٦٢). ولإجماع الأمة على ذلك، كما حكاه «ابن العربي» في «أحكام القرآن» (١/ ٤٦٧) والقرطبي في «تفسيره» (٥/ ٢٩٨) والحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٦). وانظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٤/ ١٤٠) و«نهاية المحتاج» (٨/ ٤٧).
(٤) قال الإمام النووي في «شرحه على مسلم» (١٤/ ١٤٠): «وإن كانوا جماعة؛ كان رد السلام فرض كفاية عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وإن ردّوا كلهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة». ولتفصيل المسألة؛ انظر «فتح السلام في أحكام السلام» لمساعد بن قاسم الفالح، نشر مكتبة العبيكان بالرياض- ص ٢٩ - ٤٢.
(٥) انظر «فتح السلام» ص ٢٩. وانظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٥/ ٢٩٨) حيث نقل الإجماع على أن الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها. وكذلك النووي ذهب إلى هذا في «شرح مسلم» و«الأذكار». وحكاه الحافظ في «الفتح» (١١/ ٤) أيضا.
[ ١٠١ ]
يردّ السلام مطلقا «١». فالصلاة والسلام عليه ﷺ في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع؛ مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة، وأما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب من الحجرة؛ فهذا محلّ النزاع.
وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلّي في المسجد استحب أيضا أن يأتي إلى الحجرة ويصلّي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط. وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط.
فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد.
وأما النوع الثاني فهو الذي فرّق من استحبه بين أهل البلد والغرباء، سواء فعله مع الأول أو مجردا عنه، كما ذكر ابن حبيب وغيره، إذا دخل مسجد الرسول ﷺ قال: بسم الله وسلام على رسول الله ﷺ، السلام علينا من ربنا، وصلى الله وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، وجنّبني من الشيطان الرجيم. ثم اقصد إلى الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، تحمد الله فيهما، وتسأل تمام ما خرجت إليه، وتسأل العون عليه، وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل. وقد قال ﷺ: «ما بين قبري ومنبري على ترعة من ترع الجنة» «٢». ثم تقف بالقبر متواضعا وتصلّي عليه
_________________
(١) ولم يصح هذا، وقد أحسن المصنف﵀- بإيراده بصيغة «روي» التي تفيد التمريض.
(٢) حديث صحيح مروي عن جمع من الصحابة. وأخرجه البخاري (١١٩٥) ومسلم (١٣٩٠) من حديث عبد الله بن زيد. وأخرجه البخاري (١١٩٦) ومسلم (١٣٩٠) من حديث أبي هريرة. ولفظه عندهما: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». وأما اللفظ الذي ذكره المصنف﵀- فقد قال المحدث الألباني في كتابه الماتع «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» ص ١٣٥ - ١٣٦. «وأما اللفظ المشهور على الألسنة: «قبري»، فهو خطأ من بعض الرواة، كما جزم به القرطبي وابن تيمية والعسقلاني وغيرهم، ولذلك لم يخرج في شيء من الصحاح، ووروده في بعض الروايات لا يصيّره صحيحا، لأنه رواية بالمعنى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «القاعدة الجليلة» (ص ٧٤) بعد أن ذكر الحديث: «هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: «قبري» وهو ﷺ حين قال هذا القول لم يكن قد قبر ﷺ، ولهذا لم يحتجّ به أحد من الصحابة حينما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة، في الموضع الذي مات فيه، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه» اه.-
[ ١٠٢ ]
وتثني بما يحضر، وتسلّم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة، وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، وأما مالك فنقل عنه أنه يستحبّ التطوّع في موضع صلاة النبيّ ﷺ، وقيل: لا يتعيّن لذلك موضع من المسجد، وأما الفرض فيصلّيه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب.
والذي ثبت في الصحيح عن سلمة بن الأكوع عن النبيّ ﷺ أنه كان يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة «١».
وأما قصد تخصيصه بالصّلاة فيه فالصلاة أفضل، وأما مقامه فإنما كان يقوم فيه إذا كان إماما يصلّي بهم الفرض، والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أمام القوم، فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة.
والمقصود؛ معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد وعند القبر. ففي مسند أبي يعلى: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا زيد بن الحباب، أخبرنا جعفر بن إبراهيم؛ من ولد ذي الجناحين حدّثنا علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين، أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فنهاه، فقال: ألا أحدّثكم حديثا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» «٢».
وهذا الحديث مما خرّجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي
_________________
(١) - قال الشيخ الألباني أيضا: «تنبيه: ومن أوهام العلماء أن النووي في «المجموع» عزا الحديث للشيخين بلفظ «قبري»، ولا أصل له عندهما، فاقتضى التنبيه» ..
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٣٧٥) وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٣٦١ - ٣٦٢/ ٤٦٩) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٨٦) والبزار (١/ ٣٣٩/ ٧٠٧) والخطيب البغدادي في «الموضح لأوهام الجمع والتفريق» (٢/ ٥٢ - ٥٣) والضياء في «المختارة» (١/ ١٥٤) وإسماعيل الجهضمي في «فضل الصلاة على النبي ﷺ» رقم (٢٠). من طريق: جعفر بن إبراهيم- من ولد ذي الجناحين- حدّثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين ﵄ به. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٣): «رواه أبو يعلى؛ وفيه حفص-[كذا وصوابه: جعفر] بن إبراهيم الجعفري، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا، وبقية رجاله ثقات». وقال الألباني في «تحذير الساجد» ص ٩٥: «وسنده مسلسل بأهل البيت ﵃، إلا أن أحدهم- وهو علي بن عمر- مستور، كما قال الحافظ في «التقريب». وللحديث شواهد كثيرة يصحّ بها». انظر «تحذير الساجد» للمحدّث الألباني.
[ ١٠٣ ]
فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطّت درجته عن درجة غيره.
فهذا عليّ بن الحسين زين العابدين «١» وهو من أجلّ التابعين علما ودينا، حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميا مثله، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه:
«لا تتخذوا بيتي عيدا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته، كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته، بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا وهذا.
وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» «٢».
_________________
(١) هو الإمام الزاهد السيد علي بن الإمام سبط رسول الله ﷺ الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵈ أجمعين. ولد سنة ثمان وثلاثين (٣٨). حدّث عن أبيه السبط الشهيد الحسين ﵇، وشهد معه كربلاء، لكنه كان موعوكا فلم يقاتل، ولم يتعرضوا له، بل أحضروه مع آله إلى دمشق، وكان له من العمر آنذاك ثلاثا وعشرين سنة. كان إذا أراد أن يتوضأ اصفرّ لونه، وإذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له في ذلك؟ فقال: تدرون بين يدي من أقوم، ومن أناجي؟! وكان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتّبع المساكين في الظّلمة، ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب. وكان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل. ولما مات وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل والمساكين. قلت: هكذا كان أهل بيت النبي ﵌، أتقياء أصحاب ورع، يذهبون بأنفسهم في الظلام يتفقدون المساكين. أما من يسمّون اليوم ب «الأسياد» ويدّعون نسبتهم إلى أهل البيت، فيجلسون في أحسن القصور ويركبون أفخم السيارات، والناس تأتيهم بالأموال تدفعها لهم باسم «الخمس»! وباسم حق الرسول! فإنا لله وإنا إليه راجعون. توفي الإمام زين العابدين سنة أربع وتسعين (٩٤). ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٥/ ٢١١) و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ٣٨٦) و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٧٠) و«البداية والنهاية» (٩/ ١٠٣) و«النجوم الزاهرة» (١/ ٢٢٩) و«سير السلف الصالحين» (٣/ ٨٦٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٧) وأبو داود (٢٠٤٢). وإسناده حسن؛ لأجل عبد الله بن نافع، ففي حفظه لين كما ذكر المصنف هنا.-
[ ١٠٤ ]
وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ؛ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: هو موثقه، وحسبك بابن معين موثقا. وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين تعرف وتنكر «١».
قلت: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع.
كما رواه سعيد بن منصور في سننه حدّثنا حبان بن علي حدّثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» «٢».
وقال سعيد أيضا: حدّثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشّى، فقال: هلمّ إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبيّ ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلّم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء «٣».
ورواه القاضي، إسماعيل بن إسحاق في كتاب «فضل الصلاة على النبي ﷺ» ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: «ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء». لأن مذهبه أن القادم من سفر والمريد للسفر سلامه هناك أفضل، وأن الغرباء يسلّمون إذا دخلوا وخرجوا، ولهذه مزية على من بالأندلس. والحسن بن الحسن وغيره لا يفرّقون بين أهل المدينة والغرباء ولا بين المسافر وغيره، فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي سهيل قال: جئت أسلّم على
_________________
(١) - وقد حسّن إسناده المصنف هنا وفي «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠). وصحّحه النووي في «الأذكار» وفي «المجموع» (٨/ ٢٧٥)، وحسّنه المحدث الألباني في «تحذير الساجد» ص ٩٧. وقد تقدم تخريج الحديث والكلام عليه في أول الكتاب.
(٢) «الجرح والتعديل» (٥/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٣) وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٥). وإسناده مرسل ضعيف، لكن هو صحيح بالشواهد. وانظر «الاقتضاء» (٢/ ٦٦١ - ٦٦٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٥) وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥٧٧/ ٦٦٩٤) والقاضي إسماعيل الجهضمي (٣٠). وهو مرسل، لكنه صحيح بالشواهد. وانظر «تحذير الساجد» ص ٩٦.
[ ١٠٥ ]
النبي ﷺ، وحسن بن حسن يتعشّى في بيت عند بيت النبي ﷺ، فدعاني فجئته فقال:
ادن فتعشّ، قال: قلت: لا أريده، قال لي: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلّم على النبي ﷺ. قال: إذا دخلت المسجد فسلّم عليه؛ ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال:
«صلّوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ولم يذكر قول الحسن؛ فهذا فيه أنه أمره أن يسلّم عند دخول المسجد، وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي ﷺ، وجماعة من السلف؛ كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد، وهذا مشروع في كل مسجد. وهذا الحسن بن الحسن هو الحسن المثنى وهو من التابعين وهو نظير علي بن الحسين؛ هذا ابن الحسين وهذا ابن الحسن.
وقد ذكر القاضي عياض ﵀ هذا عن الحسن بن علي نفسه ﵃ أجمعين فقال: وعن الحسن بن علي عن النبي ﷺ قال: «حيثما كنتم فصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني» «١».
قال: وعن الحسن بن علي قال: إذا دخلت المسجد فسلّم على النبيّ ﷺ فإن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم».
قلت: والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين، مثل الحديث الذي في المسند والترمذي وابن ماجه عن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلّى على محمد وسلم وقال: «رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج صلّى على محمد وسلّم، وقال: «رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك» «٢». هذا لفظ الترمذي، وفي غيره أنه ﷺ أمر بذلك.
وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد- أو أبي حميد- قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا دخل أحدكم المسجد فليسلّم وليصلّ على النبي ﷺ ثم ليقل» - وذكر الحديث «٣».
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ رقم: ٢٧٢٩) وفي «الأوسط» (٣٦٧) والدولابي في «الذرية الطاهرة» (١١٩). من طريق: سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، عن أبيه مرفوعا. وإسناده ضعيف، لأجل جهالة حميد بن أبي زينب. انظر «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٦٢).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٢) والترمذي (٣١٤) وابن ماجه (٧٧١)، وصحّحه الألباني في تحقيقه على «فضل الصلاة» ص ٧٢ - ٧٣.
(٣) أخرجه مسلم (٧١٣) وأبو داود (٤٦٥) والنسائي (٢/ ٥٣) وابن ماجه (٧٧٢) وأحمد (٥/ ٤٢٥) وغيرهم.
[ ١٠٦ ]
قال القاضي عياض: ومن مواطن الصلاة والسلام عليه دخول المسجد. قال أبو إسحاق بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلّي- على النبي ﷺ وعلى آله، ويترحّم عليه ﷺ وعلى آله، ويبارك عليه ﷺ وعلى آله ويسلم عليه تسليما ويقول:
«اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك». قال: وقال عمرو بن دينار في قوله: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] فقال: إن لم يكن في البيت أحد فقل: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته».
قال: وقال ابن عباس: المراد بالبيوت هنا المساجد «١».
وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
قال: وعن علقمة قال: إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلّى الله وملائكته على محمد ﷺ. قال: ونحوه عن كعب؛ إذا دخل وإذا خرج، ولم يذكر الصلاة.
قال: واحتجّ ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ كان يفعله إذا دخل المسجد، قال: ومثله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وذكر السلام والرحمة.
قال: وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إذا دخلت المسجد فصلّ على النبيّ ﷺ وقل: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك- وفي رواية أخرى- فليسلّم وليصل ويقول إذا خرج: اللهم إني أسألك من فضلك- وفي أخرى- اللهم احفظني من الشيطان».
وعن محمد بن سيرين: «كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله دخلنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا» وكانوا يقولون: إذا خرجوا مثل ذلك.
قلت: هذا فيه حديث مرفوع في سنن أبي داود وغيره أنه يقال عند دخول المسجد: «اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكّلنا» «٢».
_________________
(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٠١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٤٤٦/ ٨٨٣٦) وغيرهما.
(٢) حديث ضعيف. أخرجه أبو داود (٥٠٩٦) والطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ رقم: ٣٤٥٢) وفي «مسند الشاميين» (١٦٧٤) والحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ١٧٢). من طريق: محمد بن إسماعيل، حدّثني أبي، حدّثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري مرفوعا.-
[ ١٠٧ ]
قال القاضي عياض: وعن أبي هريرة: «إذا دخل أحدكم المسجد فليصلّ على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي » «١».
_________________
(١) - وإسناده ضعيف، فيه علتان: الأولى: محمد بن إسماعيل لم يسمع من أبيه. الثانية: رواية شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرسلة. قال المنذري في «مختصره على سنن أبي داود» (٨/ ٤): «في إسناده محمد بن إسماعيل وأبوه؛ وفيهما مقال». وقال الحافظ في «نتائج الأفكار» (١/ ١٧٢): «هذا حديث غريب». وقال بعد أن ذكر قول الإمام النووي في «الأذكار»: «لم يضعّفه أبو داود». قال: «يريد: في السنن، وإلا فقد ضعّف راويه في أسئلة الآجري، فقال: محمد بن إسماعيل بن عياش، ليس بذاك، وسألت عنه عمرو بن عثمان؛ فدفعه. وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه، فحملوه على أن حدّث عنه. قلت:- القائل الحافظ ابن حجر- ولعلّه كانت له من أبيه إجازة، فأطلق فيها التحديث، أو تجوّز في إطلاق التحديث على الوجادة. وقد أخرج أبو داود بهذا الإسناد أربعة أحاديث يقول في كل منها: قال محمد بن عوف: وقرأته في أصل إسماعيل بن عياش، وإسماعيل وإن كان فيه مقال، لكن هذا من روايته من شامي، فتقبل عند الجمهور. وفي السند علّة أخرى؛ قال أبو حاتم: رواية شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرسلة. وقد حكى الشيخ الخلاف في اسم أبي مالك؛ وبقي منه أنه قيل: عامر، وقيل: عبيد الله، بالإضافة، ومن سمّاه كعبا قال: ابن عاصم، وقال بعضهم: كعب بن كعب. والتحقيق: أن أبا مالك الأشعري ثلاثة: الحارث بن الحارث، وكعب بن عاصم، وهذان مشهوران باسمهما، ولا اختلاف في كنيتهما، والثالث هو المختلف في اسمه، وأكثر ما يرد في الروايات بكنيته؛ وهو راوي هذا الحديث. وقد أخرجه الطبراني في مسند الحارث بن الحارث؛ فوهم، فإنه غيره، والله أعلم» اه. قلت: وكلام الحافظ هذا نفيس ومتين. يدل على سعة علمه وحفظه﵀-. ومنه تعلم وهم من حسّن الحديث أو صحّحه. وممن وقع في هذا الوهم؛ الشيخ عبد القادر الأرناءوط في تحقيقه على «الأذكار» للإمام النووي ص (٥٠) حيث حسن الحديث. وصحّح إسناده هو وشعيب الأرناءوط في «زاد المعاد» (٢/ ٢٨٢) - الرسالة-. وقد أحسن القائمون على تحقيق «زاد المعاد» - ط. مؤسسة الريان- (٢/ ٢٩٩) فأشاروا إلى تضعيف الشيخ ناصر الدين الألباني للحديث بعزو ذلك إلى ضعيف سنن أبي داود. فالشيخ﵀- كان قد مال إلى تصحيح الحديث- كما في «الكلم الطيب» ص (٥٠) رقم (٦١) و«السلسلة الصحيحة» (٢٢٥) - الطبعة القديمة- و«صحيح الجامع» (٨٣٩). ولكنه تراجع عن هذا التصحيح وضعّف الحديث في «ضعيف سنن أبي داود» (١٠٩١) وحذفه من الطبعة الجديدة لكل من «صحيح الكلم الطيب» و«السلسلة الصحيحة» طبعة- مكتبة المعارف. تنبيه: وهم المصنف﵀- هنا بقوله: «أنه يقال عند دخول المسجد ». فالحديث وارد في دخول البيت كما بوّب له أبو داود والنووي وغيرهما، فليتنبّه لهذا. وقد نبّه على هذا الوهم العلامة الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٣٩٥) - الطبعة القديمة- ط. المكتب الإسلامي.
(٢) أخرجه النسائي في «الكبرى» - كتاب عمل اليوم والليلة- (٦/ ٢٧ - ٢٨/ ٩٩١٨ - ٩٩٢٠) وابن ماجه (٧٧٣) وابن خزيمة في «صحيحه» رقم (٤٥٢) والطبراني في «الدعاء» (٢/ ٩٩٤/ ٤٢٧) وابن السني في-
[ ١٠٨ ]
قلت: وروى ابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري، عن صفوان بن مرة، عن مجاهد في هذه الآية: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [النور: ٦١] قال: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وإذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله ﷺ: وإذا دخلت على أهلك فقل: السلام عليكم.
قلت: والآثار مبسوطة في مواضع.
والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه، وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حيّ وميت، ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة، واعتكاف، أو تعليم، أو تعلّم، أو ذكر لله ودعاء له، ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك، ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضا لزيارة
_________________
(١) - «عمل اليوم والليلة» (٨٦) والحاكم (١/ ٢٠٧) والبيهقي في «سننه» (٢/ ٥٤٢) وابن حبان في «صحيحه» (٢٠٤٧، ٢٠٥٠) وابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٧٥). من طريق: أبي بكر الحنفي، حدّثنا الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا. وصحّح إسناده الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وكذا صحّحه البوصيري في «مصباح الزجاجة». قلت: وتصحيح الحاكم له على شرط الشيخين فيه نظر؛ فإن الضحاك بن عثمان من رجال مسلم وحده، هذا أولا. ثانيا: الحديث فيه علّة. قال الحافظ في «نتائج الأفكار»: «ورجال هذا الحديث من رجال الصحيح؛ لكن أعلّه النسائي، فأخرجه من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار أنه قال له: أوصيك باثنين، فذكر هذا الحديث بنحوه. ومن طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب كذلك. قال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا من الضحاك بن عثمان ومن محمد بن عجلان، وحديثه أولى بالصواب. قلت: ورواية ابن عجلان أخرجها عبد الرزاق [في «مصنفه» (١٦٧١)]. وابن أبي شيبة في مصنفيهما كذلك. [«مصنف ابن أبي شيبة» (١٠/ ٤٠٦/ ٢٩٧٦٧)]. وأخرجه عبد الرزاق عن أبي معشر، عن سعيد المقبري؛ أن كعبا قال لأبي هريرة: فذكره. فهؤلاء ثلاثة خالفوا الضحاك في رفعه، وزاد ابن أبي ذئب في السند راويا. وخفيت هذه العلة على من صحّح الحديث من طريق الضحاك. وفي الجملة هو حسن لشواهده، والله أعلم» اه. قلت: وقد أشار إلى علّة هذا الإسناد العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي في كتابه الماتع «أحاديث معلّلة ظاهرها الصحة» ص ٤٣٤ رقم (٤٦٥)، وكذا الشيخ مشهور بن حسن- حفظه الله- في تحقيقه على «جلاء الأفهام» ص ١٠٦ - ١٠٧.
[ ١٠٩ ]
قبره، فلم تكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره ﷺ لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرّد زيارة قبره ﷺ، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك- أي يقفون على قبر النبي ﷺ فيصلّون عليه، ويدعون له- ولأبي بكر وعمر- يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين، أو أكثر عند القبر، يسلّمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها؛ أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. فقد كره مالك ﵀ هذا وبيّن أنه لم يبلغه هذا عن أهل العلم بالمدينة، ولا عن صدر هذه الأمة وأولها، وهم الصحابة، وإن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار، فإذا لم يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور، بل يستحبّ عند جمهور العلماء، كما كان النبي ﷺ يفعل، فأهل المدينة أولى أن لا يكره؛ بل يستحب لهم زيارة القبور، كما يستحبّ لغيرهم، اقتداء بالنبي ﷺ، ولكن قبر النبي ﷺ خصّ بالمنع شرعا وحسّا. كما دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة، كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ﷺ ليس كذلك، فلا تستحبّ هذه الزيارة في حقّه، ولا تمكن، وهذا لعلوّ قدره وشرفه، لا لكون أن غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، فضلا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها.
ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين.