الوجه الثاني: من الجواب: أن قول القائل: إن الناهي عن السفر لزيارة القبور؛ قبور الأنبياء وغيرهم، قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد، إنما يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة؛ هي من باب خضوع الزائر للمزور وذلّه وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر المزور، وجاهه عند الله وقربه إليه.
فإذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا كان النهي عن ذلك تنقيصا لهم وغضا من أقدارهم، كالذي يزور معظّما في الدين أو الدنيا، زيارة خاضع له متواضع له متبرك به. فإذا قيل له: هذا لا ينبغي زيارته، أمكن أن يقال: هذا تنقص لقدره وخفض من منزلته. والزيارة التي جاءت بها الشريعة وذكرها الأئمة من قول النبي ﷺ وفعله ليست من هذا النوع، بل مقصودها الدعاء للميت، كالصلاة على جنازته. وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرا من المزور، كما كان النبي ﷺ أعظم قدرا من كل من زار قبره؛ كأهل
[ ٥٨ ]
البقيع، وشهداء أحد وأمه. وقد يكون الزائر دون المزور كما في «صحيح مسلم» عن بريدة قال: كان النبي ﷺ يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» «١». وفي حديث عائشة في الصحيح: «ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين» «٢». وفي حديث آخر: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم» «٣».
فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من جنس الدعاء في صلاة الجنازة، وفي صلاة الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت كما كان النبي ﷺ أفضل من الذين صلّى عليهم. وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلّوا عليهم من غيرهم. وقد يكون المصلّى عليه أفضل؛ كالنبيّ ﷺ لما مات وصلّى عليه المسلمون أفذاذا، وهو أفضل من كل من صلّى عليه. وكذلك أبو بكر وعمر صلّى عليهما المسلمون وهما أفضل ممن صلّى عليهما.
وأما الرسول ﷺ فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار قبور سائر المؤمنين، فإن أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر فإنه يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه، والمحبة والمودة، ما قد يكون أعظم مما لو كان غائبا.
ولهذا شرعت الصلاة على قبره.
واختلف العلماء هل تشرع على القبر مطلقا؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد، مع اتفاقهم على أنه لا يصلّى على قبر النبيّ ﷺ. وذلك لعظم قدره وحقه، لا لنقص ذلك، فإن الناس مأمورون أن يحبّوه ويعظّموه، ويذكروه ويذكروا ما منّ الله به عليه، وما منّ به عليهم بسببه، ويصلّوا عليه ويسلّموا عليه في كل مكان، وأن لا يفعلوا ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر البقاع، فإنه يفضي إلى نقص ذلك في سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند غيره.
ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون أحد عند قبره في كل وقت، لو كان مما يوصل إليه، فكيف إذا كان محجوبا؟
فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء، يقتضي هضم ذلك ونقصه في سائر البقاع، فينقص إيمانهم به وتوسلهم بالإيمان به، ويفوتهم حظ عظيم من كرامة الله لهم بقيامهم بحقّه، مع أن ذلك ذريعة إلى الشرك. فكان في تخصيص قبره بما يخصّ به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٥).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٤).
(٣) انظر «الموطأ» (١/ ١٤٨) - ١٦ - كتاب الجنائز، (٦) باب ما يقول المصلي على الجنازة. و«سنن أبي داود» (٣٢٠١) و«صحيح ابن حبان» (٧/ ٣٤٢/ ٣٠٧٣) و«أحكام الجنائز» ص ١٥٨.
[ ٥٩ ]
ولهذا جاءت سنته بأن لا يزار قبره كما تزار القبور؛ لعظم قدره وحقّه كما بينا.
وأما من زار قبره أو قبر غيره ليشرك به ويدعوه من دون الله فهذا حرام كله، وهو مع كونه شركا بالله فهو ترك لما يجب من حقه ﷺ وطلب منه ما ليس إليه بل إلى الله، وأين من يطيعه ويعينه على ما أمر الله به ويقوم بما يجب عليه من حقه ممن يقصّر في حقه وطاعته وإعانته، ويقصر في عبادة الله وتوحيده ودعائه، ويكلّف المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق ﷾، فيؤذيه بذلك ويؤذي الله بالشرك به؟ وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما أحد أصبر على أذّى يسمعه من الله، يجعلون له ندّا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم» «١». وقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦] فهذا حقّه ﷺ. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧] الآية.