فأين في كتاب الله وسنة رسوله أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبورهم أو قبور غيرهم، حتى يكون مخالف ذلك مخالفا لذلك النص؟ ولو قدّر أنه خالف نصا لم يبلغه، أو رجح غيره عليه؛ لم يكن ذلك معاداة لهم ولا معاندة، ولكن الجهال وأهل الضلال يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق، وأنها من الإيمان بهم. أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم، وتعظيم أقدارهم وجاههم عند الله، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه؛ إما بشفاعتهم له، وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله، يعطى سؤله إذا دعاهم، وإما أن
_________________
(١) أخرج نحوه البخاري (٣٤٤٣) ومسلم (٢٣٦٥) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد».
(٢) انظر «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٥٧٣)، وفيه: «وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «إن هذه أمتكم أمة واحدة». قال: «إن هذا دينكم دينا واحدا».
[ ٤٧ ]
يقول: يفيض على الداعي من جهتهم ما يطلب من غير علم منهم ولا قصد، كشعاع الشمس الذي يظهر في الماء، وبواسطة الماء يظهر في الحائط، وإن كانت الشمس لا تدري بذلك. وهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل. وقد ذكره صاحب «الكتب المضنون بها على غير أهلها» «١» وغيره، كما بسط الكلام على ذلك في موضع آخر. ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد وعلى هذا الوجه ليست من شريعة الإسلام، بل من دين المشركين والمعطّلين. والرسول لم يشرع مثل هذا لأمته، ولا فعله أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، ولا استحبّه أحد من أئمة المسلمين، بل النصوص المستفيضة عن النبي ﷺ تنهى عما قد يفضي إلى هذا، فكيف إلى هذا؟ فإنه ﷺ لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد يحذر ما فعلوا. وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» وخص بيته بأن قال: «لا تتخذوا قبري عيدا» وفي رواية: «بيتي عيدا». وقال:
«اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
فإذا كان قد حرّم أن تتخذ مسجدا يعبد الله فيها لئلا يفضي إلى دعائه، فكيف إذا كان المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر؟ وذلك هو المقصود بالسفر إلى قبره.
وقد قال تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]. والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له أو يتقرّب بعبادته إلى الله أو يكون قد أحبه كما يحب الله. والمشركون بالقبور توجد فيهم الأنواع الثلاثة؛ قال الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:
١٨] الآية. وقال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣]. وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥]. وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا إلى قوله: مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٦، ٥٧]. وقوله تعالى:
_________________
(١) قال المعلمي اليماني﵀-: «كتاب المضنون به على غير أهله»، منحول للغزالي، وليس له. ونقل ابن السبكي في «طبقات الشافعية» (٤/ ١٣١) عن ابن الصلاح أنه قال عن كتاب المضنون به: منسوب إلى أبي حامد الغزالي، ومعاذ الله أن يكون له. وبيّن سبب كونه مختلقا موضوعا عليه، قال: والأمر كما قال. وقد اشتمل المضنون على التصريح بقدم العالم ونفي علم القديم بالجزئيات، ونفي الصفات. وكل واحد من هذه يكفّر الغزالي قائلها، هو وأهل السنة أجمعون. انتهى. وانظر «كشف الظنون» (٢/ ٤٥١) طبعة سنة ١٣١١. والتعليق على كتاب «التوسل والوسيلة» لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٨٠ طبع المكتبة السلفية سنة ١٣٨٤. ولأن شيخ الإسلام لا يرى أن المضنون للغزالي، لم يسمّ مؤلفه هنا ولا في «التوسل والوسيلة» اه. قلت: قال الصنعاني: «ولا أظنه من مؤلفاته، وإنما هو مكذوب عليه». «كتب حذر منها العلماء» للبحّاثة مشهور بن حسن- سلّمه الله- (١/ ٤٥) وانظر (١/ ١٤٣) من الكتاب نفسه.
[ ٤٨ ]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ إلى قوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٢، ٢٣]. حتى إن الملائكة إذا قضي الأمر صعقوا، ولا يعلمون ما قضاه حتى يفزّع عن قلوبهم؛ أي يزول عنها الفزع، حينئذ يعلمون ما قضاه وما قاله، فكيف يشفعون عنده ابتداء قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء: ٢٨] الآية. وقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا [النجم: ٢٦] الآية.
وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق؛ فهذا الظن ليس هو دين أحد من المسلمين، ولم يقل أحد إن السفر إلى المسجد النبويّ أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما، وقال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار؟ لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب. بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون، فأحد القولين أن ذلك جائز لا فضيلة فيه. والآخر أنه ينهى عنه. وعلى هذا القول دلّت سنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة وسلف الأمة، فإنه ثبت عنه أنه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذه صيغة خبر معناه النهي. ولكن من قال ليست نهيا بل نفيا للفضيلة، وهذا الاحتمال وإن كان باطلا فإنما يقدح في رواية أبي هريرة. والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة ومن رواية أبي سعيد الخدري. ولفظ حديث أبي سعيد: عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: فأقول عليه ما لم أسمع؟ سمعته يقول: «لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». وسمعته يقول: «لا تسافر المرأة يوما من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها». ولفظ أبي سعيد هو الثابت في الصّحاح؛ صريح في النهي، وهو صريح في أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. وتبين بذلك أن من قال السفر إلى غيرها جائز أو غير مكروه فهو مخطئ، والله أعلم.
وإذا كان ذلك ليس بواجب ولا مستحب؛ بل هو منهيّ عنه، لم يكن من حقوقهم التي أوجبها الله ولا دعا عباده إليها، فأي معاداة وأيّ معاندة لمن نهى عن شيء ليس من حقوقهم ولا مما أوجبوه ولا دعوا إليه؟ بل هو ناه عما نهوا عنه آمر بما أمروا به، مطيع لهم متبع لهم، قصده متابعتهم، فكيف يكون مع متابعتهم قصدا وقولا وعملا معاديا ومعاندا؟ لو قدّر أنه متأوّل مخطئ؛ فكيف إذا كان قد ذكر قوليّ علماء المسلمين الذين نهوا والذين أباحوا وحجة كل قول؟ والسلف على النهي، وكلام علماء المسلمين مالك وغيره موجود في كتب كثيرة، فكفى بقاض مالكي جهلا
[ ٤٩ ]
وضلالا أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه، بل كفى بمن قال ذلك جهلا وضلالا سواء كان مالكيا أو غير مالكيّ مع عظم قدر مالك بإجماع أهل الإسلام الخاص منهم والعام، بل لم يكن في وقته مثله. وقد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة» «١». قال غير واحد: كانوا يرونه مالك بن أنس، فلو كان ما قاله هو وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة لم يكن ذلك من مسائل التكفير، ولا من معاداة الأنبياء ومعاندتهم. فكيف والذي قاله مالك بن أنس هو قول سائر الأئمة كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ومسائلهم؟ والذين خالفوه غايتهم أن قالوا: إن السفر جائز. ولو قدر أن بعضهم قالوا: هو مستحب؛ فليس فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقّص الأنبياء أو عاداهم أو عاندهم، بل قائل هذا من أجهل الناس. وهو في هذه المقالة بالنصارى أشبه منه بالمسلمين.
وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق- وهو من أجلّ علماء المسلمين ومن أجل من قلد قضاء القضاة، حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بني العباس في خلافة المعتضد- ذكر في كتابه «المبسوط» ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء والصلاة
_________________
(١) حديث ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٩) والترمذي (٢٦٨٠) والحاكم في «المستدرك» (١/ ٩٠ - ٩١) وابن حبان (٩/ ٥٢/ ٣٧٣٦) وابن أبي حاتم في تقدمة «الجرح والتعديل» (ص ١١ - ١٢) والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٣٨٦) والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٠٦) (٦/ ٣٧٦) و(١٣/ ١٧) والفسوي في «المعرفة والتأريخ» (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧) وابن عدي في «الكامل» (١/ ١٠١) وابن الجوزي في «مثير العزم الساكن» (٢/ ٢٨٤/ ٤٦٠) وابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٨٥) وفي «الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء» (ص ٢٠ - ٢١) والذهبي في «السير» (٨/ ٥٥) وغيرهم. من طريق: سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. قال الترمذي: «حديث حسن». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في «التلخيص». لكن ذكر ابن الملقن في «مختصر استدراك الذهبي على المستدرك» (١/ ٨٤) عن الذهبي قوله: «قلت: إنما لم يخرجه مسلم؛ لأنه سأل البخاري عنه، فقال: له علّة؛ وهي أن أبا الزبير لم يسمع من أبي صالح». قلت: الإسناد ضعيف؛ فإن ابن جريج مدلّس وكذا أبا الزبير، ولم يصرّح أحدهما بالتحديث في شيء من طرق الحديث. قال الدارقطني: «تجنّب تدليس ابن جريج فإن تدليسه قبيح، لا يدلّس إلا فيما سمعه من مجروح». أضف إلى ذلك العلّة التي ذكرها الذهبي وهي: عدم سماع أبي الزبير من أبي صالح. فالعجيب من صنيع المحدث أحمد شاكر﵀- في تحقيقه على «المسند» (١٥/ ١٣٥) إذ قال: «إسناده صحيح»!. والحديث ضعفه المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني﵀- في تحقيقه على «المشكاة» رقم (٢٤٦).
[ ٥٠ ]
فيه، لما ذكر محمد بن مسلمة: أن من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه. قال:
إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطيّ إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطيّ اسم للسفر؛ ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي ﷺ في نذر ولا غيره.
قال: وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ فقال:
إن كان أراد المسجد فليأته وليصلّ فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث. وذكر فيه عن مالك أنه قال فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه قال: فإني أكره له ذلك لقوله ﷺ: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا». وتقدم أن في «المدونة» وسائر الكتب ما يوافق ذلك.
قال في «المدونة» «١»: ومن قال: «لله عليّ أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو المشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتيهما أصلا، إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسمّيهما فيقول: إلى مسجد الرسول، أو مسجد إيليا، وإن لم ينو الصلاة فليأتهما راكبا ولا هدي عليه» وكأنه لما سماهما قال: لله عليّ أن أصلي فيهما. ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلّى في موضعه ولم يأته، فقد تبين أنه إن نوى الصلاة في المسجدين وفّى بنذره، وكذلك إن سمّى المسجدين فإن المسجد إنما يؤتى للصلاة، وأما إذا نذر إتيان نفس البلد فليس عليه أن يأتيه، وهذا يتناول إتيانه لزيارة قبر النبي ﷺ وقبور الشهداء وأهل البقيع، وإتيان مسجد قباء، كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور والآثار التي هناك من آثار الأنبياء، وإتيان المسجد لغير الصلاة كالتمسح بالصخرة وتقبيلها، أو إتيانه للوقوف عشية عرفة، والطواف بالصخرة، أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما هو عبادة للقريب ولا يسافر لأجله؛ كزيارة قبور المسلمين للدعاء لهم والاستغفار، فإن هذا مستحبّ لمن خرج إلى المقبرة من البلد ولمن اجتاز به، ولا يشرع السفر لذلك.
فمالك وغيره نهوا عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال، أو لما هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر لأجله، وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر منهي عنه والسفر المنهي عنه عنده لا تقصر فيه الصلاة لكن بعض أصحابه وهو محمد بن مسلمة استثنى مسجد قباء، وابن عبد البر جعل السفر مباحا إلى غير الثلاثة المساجد ولا يلزم بالنذر لأنه ليس بقربة كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.
_________________
(١) «المدونة» (١/ ٤٧١).
[ ٥١ ]
وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله في أن السفر لغير المساجد الثلاثة محرّم لا يجوز أن يفعل ولو نذره فلا يستحب عند أحد منهم.
وقال القاضي عياض: لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة لا لناذر ولا لمتطوع.
وقال أبو الوليد الباجي «١» قبله في السفر إلى مسجد قباء: إنه منهيّ عنه. قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي «٢» في «الفروق»: فرق بين مسألتين يلزم نذر المشي إلى البيت الحرام ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. قال: والفرق بينهما: أن المشي إلى بيت الله طاعة تلزمه، والمدينة وبيت المقدس الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه.
ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه أن يأتي، فقد صرّح بأن المدينة وبيت المقدس لا طاعة في المشي إليهما إنما الطاعة الصلاة في مسجديهما فقط، وأنه لو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه ذلك بناء على أنه ليس بطاعة.