ومعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج؛
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٨) والترمذي (٢٩٥٣، ٣٩٥٤) وابن حبان (١٦/ رقم: ٧٢٠٦) وغيرهم. مطولا ومختصرا. وصححه الشيخ الألباني في تخريج «الطحاوية» رقم (٨١١).
(٢) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٣١/ ٤٠).
[ ١٦٧ ]
فهو كافر، ولو قتل نفسا مع اعتقاده أن ذلك محرّم وأنه مذنب لكان ذنبه أخفّ من ذنب من جعل الحجّ إلى الأوثان أفضل من الحج إلى بيت الرحمن. وقول النبي ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» دليل على أن القبور قد تجعل أوثانا، وهو ﷺ خاف من ذلك فدعا الله أن لا يفعله بقبره، واستجاب الله دعاءه رغم أنف المشركين الضّالين الذين يشبّهون قبر غيره بقبره، ويريدون أن يجعلوه وثنا يحجّ إليه ويدعى من دون الله. والله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، فلا يقدر أحد من البشر أن يصل إلا إلى مسجده الذي هو بيت الله تعالى الذي بني لعبادة الله وحده، لا يصل إلى بيت النبي ﷺ البتة، ولو كان قصده بيت المخلوق دون بيت الخالق فالله تعالى لا يوصله إلا إلى بيت الخالق رحمة من الله بهذه الأمة، وإجابة لدعاء نبيه ﷺ تسليما.
فإذا فعل في بيت الله من الشرك والبدع ما لا يجوز فهذا يختص به، كما كان المشركون يشركون عند البيت، ليس هذا الضّلال متعلقا بقبره، ولا يمكن أن يفعل في نفس قبر الرسول وبيته ما يمكن أهل الشرك والضلال أن يفعلوه عند القبور، والحمد لله رب العالمين.
ولكن عند قبر غيره قد يفعلون ما هو من جنس فعل النصارى، بل حتى قد يفضّل هذا الشرك على التوحيد، فما كفاهم جعل الشرك كالتوحيد بل جعلوا الشرك أفضل من التوحيد، وقد قال سفيان الثوري: «البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية قد يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها» «١». وقد كان على عهد النبي ﷺ رجل يشرب الخمر، يقال له عبد الله [وكان يلقب] حمارا، فلعنه رجل، فقال رسول الله ﷺ: «لا تلعنه فإنه يحبّ الله ورسوله» رواه البخاري «٢». ولما أتى ذو الخويصرة- وهو رجل ناتئ الجبين، غائر العينين، كثّ اللحية- وقال: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل! فأراد بعض الصحابة قتله، فقال النبي ﷺ: «دعه؛ فإنه يخرج من ضئضئ «٣» هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن
_________________
(١) قال المعلّمي﵀-: «لأن صاحبها يراها قربة» اه. والأثر أخرجه: اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٤٩/ ٢٣٨) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٢٦) وعلي بن الجعد في «مسنده» (١٨٨٥) وابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص ٢٧) - دار الخير- وذكره البغوي في «شرح السنة» (١/ ٢١٦) والسيوطي في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» ص ٦٧.
(٢) في «صحيحه» رقم (٦٧٨٠).
(٣) «الضئضئ: الأصل» (م).
[ ١٦٨ ]
لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة» وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما «١».
فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما خالفوا سنّة رسول الله ﷺ واستحلّوا دماء من لم يوافقهم على بدعتهم؛ أمر النبي ﷺ بقتالهم. وذاك الشارب الخمر لما كان محبا للرسول ﷺ ولسنته، لكنه قد ثبت نهي النبي ﷺ عن لعنته، وقال: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩٣٣) ومسلم (١٠٦٤) وأحمد (٣/ ٥٦) وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٦٩ ]