والأنبياء تجب محبّتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» «١».
وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم» الحديث «٢». وفي البخاري عن عبد الله بن هشام ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: «لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر» «٣».
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» «٤». وفي بعض طرق البخاري: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله» وذكر الحديث.
وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله تعالى؛ قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ [التوبة: ٢٤] الآية. ومحبة الرسول هي من محبة الله، فهي حبّ لله وفي الله، ليست محبة محبوب مع الله، كالذين قال الله فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث «٥». وحبّ ندّ مع الله؛ شرك لا يغفره الله، فأين هذا من هذا؟
والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا تختص ببقعة ولا تختص بقبورهم ولا غيرها، وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك، فإن ذلك
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٤).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (١٦، ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١) ومسلم (٤٣).
(٥) حديث صحيح؛ انظر «الصحيحة» (٩٩٨، ١٧٢٧).
[ ٧٢ ]
واجب في كل موضع، وكذلك الصلاة والسلام على الرسول وغير ذلك. فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيما، ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليما مما يجده في سائر المواضع؛ كان ذلك دليلا على أنه ناقص الحظ منحوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم، وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت، بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم، فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه، وقد نهى أن يتخذ عيدا، ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنا، فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل؛ لكان ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين، فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج؟ فهذا هذا، والله أعلم.