دلت الأحاديث على تحريم اتخاذ القبور مساجد وأعيادًا،
[ ٩٥ ]
وعلى تحريم اتخاذ السرج عليها، وتحريم البناء عليها والكتابة، وعلى تحريم تجصيصها وإلقاء الستور عليها، وعلى عدم صحة الصلاة عليها وإليها، وعلى وجوب هدم ما عليها من مساجد وقباب، وتسويتها ومحو ما عليها من كتابة ونحو ذلك؛ وعلى أن العكوف عندها وسدانتها وتعليق الستور عليها من فعل عبدة الأوثان، كما أن من فعلهم الذبح عندها وإتيانها بالطعام وتقسيمه عندها والنذر لها، وعلى أن ما يفعله بعض الجهلة من الغناء والتمايل وضرب الدفوف عندها ونحو ذلك ما هو إلا من البدع المحرمة؛ فمن تلك الأحاديث:
ما روى مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». والمسجد هو الموضع الذي يصلي فيه .. فمن صلى عند القبور أو إليها متعمدا فقد اتخذها مساجد. وقد تقدم في وظيفة الرسل أحاديث في هذا الباب فلتراجع.
وثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة - ﵁ - أنه ﵊ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر ولا تجعلوا قبري عيدا فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». والعيد: هو ما يعتاد مجيئه وقصده من مكان وزمان،
[ ٩٦ ]
ويستفاد من قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» مسألتان:
الأولى: استحباب التلاوة والذكر في البيوت وتأدية النوافل فيها، كما دلت على ذلك النصوص، أما الفرائض فقد دلت الآيات والأحاديث على وجوبها على الرجال المكلفين مع الجماعة في المساجد إلا من كان تخلَّف لعذر مشروع.
المسألة الثانية: أن القبور ليست مَحَلًّا للصلاة ولا للتلاوة، وأن هذه هي السنة المتبعة عند القرون المفضلة.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وعن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد». رواه الإمام أحمد بسند جيد وأبو حاتم في صحيحه.
فمن قصد القبور والمشاهد للصلاة والدعاء عندها فقد اتخذها مساجد وأعيادًا وارتكب ما نهى الله ورسوله عنه، ووقع في وسيلة من وسائل الشرك الأكبر.
ومما يجب أن يعلم أن المقبورين من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يفعل عندهم من البدع كل الكراهة، كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى به. وكما كان أنبياء بني
[ ٩٧ ]
إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع؛ فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه حطٌّ من كرامة أصحابها؛ بل هو إكرام لهم؛ وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن السنة. وإكرام الأنبياء والصالحين يكون باتباع ما دعوا إليه من الأعمال الصالحة واجتناب ما نهوا عنه من المحذورات؛ ليكثر أجرهم بكثرة أجور من تبعهم.
ومن الأدلة على تسوية القبور المشرفة بالأرض وهدم القباب ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي الهياج الأسدي: قال: "بعثني علي قال لي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؛ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته". وفي رواية: "ولا صورة إلا طمستُها". وروى مسلم والنسائي وأبو داود أيضا عن أبي علي الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد برودس من أرض الروم، فتوفى صاحب لنا فأمر بقبره فسوِّي ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بتسويتها.
وروى أبوداود أيضا عن عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفى لي عن قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه - ﵄ - فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة
[ ٩٨ ]
مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، وذكر في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: قال أبو علي: يقال: إن رسول الله - ﷺ - مقدم وأبو بكر عند رأسه وعمر عند رجلي رسول الله - ﷺ -. اهـ.
ومما ينبغي أن يعلم: أنه لم يكن على قبر النبي - ﷺ - قبة حتى سنة ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة؛ حيث أحدثت في عهد الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي، وكان عملها تقليدًا للنصارى في كنائسهم كما قلدهم الوليد بن عبد الملك في زخرفة المسجد النبوي الشريف. «وفاء الوفاء»، وجاء في كتاب مرآة الحرمين: إن السلطان صالح المصري في عام ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة بنى على الحجرة النبوية قبة، وكان وكيله أحمد كمال بن هارون عبد القوي الربعي، وبعده جددها وصفحها بألواح النحاس الملك ناصر حسن بن محمد بن قلاوون عام خمسة وخمسين وسبعمائة هجرية. أ. هـ
وهذا العمل لا شك أنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول - ﷺ -، ولكن الغلو في التعظيم والجهل بلاء وخيم! فنسأل الله العافية، ونرجو من الله - جل وعلا - أن يوفق ولاة الأمور لإحياء السنن وإماتة البدع دائمًا وأبدًا.
ومن الواجب المحتم على ولاة أمور المسلمين أن
[ ٩٩ ]
يأتمروا بأمر الله وبأمر رسوله - ﷺ - فيهدموا تلك القباب والمشاهد والمزارات، ويزيلوا ما عليها من قناديل وسرج، ويوجهوا سدنها وعبادها القاصدين إليها للطواف حولها والتمسح بها والمغالاة في تعظيمها والتعبد عندها إلى عبادة خالقهم ورازقهم ومليكهم الذي لا معبود بحق سواه.
ومن أدلة النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها: ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - نهى أن يقعد على القبر وأن يجصص ويبنى عليه؛ قال أبو داود: قال عثمان: أو يزاد عليه. وزاد سليمان بن موسى: أو أن يكتب عليه. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وروى ابن ماجه عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن تجصيص القبور، وروي عن جابر أيضا قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يكتب على القبر شيء.
أما العلامة التي يعلم بها القبر لمعرفته كتعليمه بحجر ونحوه فلا بأس به؛ لما روي عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: «أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة». رواه ابن
[ ١٠٠ ]
ماجه بإسناد حسن وله شاهد رواه أبو داود.
ومن أدلة تحريم الذبح للقبور وأنه شرك أكبر ما تقدم من الآيات والأحاديث في توحيد العبادة ونواقض الإسلام وما رواه أبو داود عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا عقر في الإسلام». قال عبد الرازق: كانوا - يعني أهل الجاهلية - يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. اهـ. وقد تقدم حديث: «لعن الله من ذبح لغير الله».