قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع رسول الله - ﷺ -، قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» قال عوف: العيافة، زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها والطرق الخط يخط بالأرض. اهـ. والجبت معناه السحر.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» رواه أبو داود وإسناده صحيح.
قال العلماء: يرحمهم الله - في معنى قوله: «زاد ما زاد» أي كلما زاد من تعلم علم النجوم زاد في الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبة. فإن ما يعتقده في النجوم من التأثير باطل كما أن تأثير السحر باطل.
والذي ينبغي عدم تجاوزه في علم النجوم ما هو دل عليه القرآن والسنة قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها. فمن تأول غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه
[ ٦١ ]
وتكلف ما لا علم له به. اهـ.
وللنسائي من حديث أبي هريرة - ﵁ - «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقط أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» وعن ابن مسعود - ﵁ - أن رسول الله، - ﷺ - قال: «ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة القالة بين الناس» رواه مسلم. والعضه هو البهت.
ومما يجب الحذر منه: الكهانة وإتيان أهلها وتصديقهم، ففي الحديث عن عمران بن حصين مرفوعًا: «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: «ومن أتى» إلى آخره. وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا».
وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» رواه أبو داود.
[ ٦٢ ]
قال البغوي: (العراف) الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك (١)، وقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال شيخ الإسلام: العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق - وقال ابن عباس في قوم يكتبون (أباجاد) وينظرون في النجوم: «ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق».
قال العلماء: ولا ريب أن من ادعى الولاية واستدل بإخباره ببعض المغيبات: فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن؛ إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن التقي. إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها ولا قدرة له عليها. والولي حقيقة لا يزكى نفسه، ويتظاهر للناس ويقول لهم: أنا ولي، فسادات الأولياء من الصحابة - ﵃ - لم يقولوا هذا ولم يتظاهروا به.
وما يحصل لمثل هذا المدعي للولاية وعلم المغيبات من صدق في بعض الأشياء، فليس إلا من قبيل ما يصدق فيه الكهان الذين أخبر الرسول، - ﷺ -، عنهم بقوله: «فيكذبون معها مائة كذبة».
_________________
(١) مما هو غير جائز.
[ ٦٣ ]
أي يكذبون مع الكلمة التي يسترقها الشيطان فيلقيها على الكاهن. وأيضًا فقد يبتلي الله عبده بخرق العادة أو بالعز إبتلاءًا فحسب.
ومن أنواع الشرك: التطير قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية: ١٣١]. وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -، قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» أخرجاه زاد مسلم «ولا نوء ولا غول» وروى البخاري ومسلم أيضًا عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل» قالوا يا رسول الله: وما الفأل؟ قال: (الكلمة الطيبة)». ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله - ﷺ -، فقال: «أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك» وعن ابن مسعود مرفوعًا: «الطيرة شرك الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل» رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود ولأحمد من حديث ابن عمرو «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن تقول:
[ ٦٤ ]
اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» وله من حديث الفضل بن العباس: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك».
العدوى: انتقال المرض من المريض إلى السليم، قال البيهقي وابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم إن قوله: «لا عدوى» على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله - تعالى -، وأن هذه الأمور تتعدى بطبعها. اهـ. ومعنى قولهم: إن اتقاء الأسباب مع اعتقاد أن الضر بيد الله جائز، كمن لا يدخل بلدًا سمع بالطاعون فيه مع أنه لا يخرج منه إذا وقع وهو فيه فرارًا منه، وكالابتعاد عن المجذوم، وذلك لأن الأسباب والمسببات كلها خلق الله لا خالق لها إلا هو - سبحانه.
ومن قوي توكله وقويت نفسه على مباشرة هذه الأسباب أو بعضها اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كان في ذلك مصلحة عامة أو خاصة. وعلى هذا يجعل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي أن النبي - ﷺ -: «أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه» وقد أخذ به الإمام أحمد وروي ذلك عن عمر وابنه سلمان - ﵃ -
[ ٦٥ ]
والطيرة: هي التشاؤم بالطير أو بأصواتها كمن يتشاءم بالغراب ونحوه. والهامة: هي البومة من طيور الليل. قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم: يقول: نعت إلي نفسي أو أحدًا من أهل داري فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله.
قوله ولا صفر: قيل هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس - أعدى من الجرب عند العرب - وتقدم الكلام على هذه في العدوى. وقيل المراد به: شهر صفر وأن العرب كانوا يتشاءمون به. ويقولون: إنه شهر مشؤوم فابطل النبي - ﷺ -، ذلك. قوله: ولا غول: قال أبو السعادات الغول واحد الغيلان وهو جنس من الجن والشياطين، كانت العرب شتى، وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي - ﷺ -، وأبطله وهذا يراد به والله أعلم، نفي تصرف الغول لا عدمه لحديث: «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان» أي ادفعوا شرها بذكر الله. ولحديث أبي أيوب: «كان لي تمر في سهوة فكانت تجيء فتأخذ» ولحديث: «لا غول ولكن السعالي سحرة الجن».
[ ٦٦ ]