لم يشرع النبي - ﷺ - السفر لزيارة القبور مطلقا؛ سواء كانت قبور أنبياء أو صالحين أو غيرهم، ولم يسبق إلى ذلك الصحابة - ﵃ - وهم أعلم الناس بسنة النبي - ﷺ - وأشدهم تمسُّكًا بها، ولم يجز ذلك أحد من أئمة الدين الذين يعتد بهم، والثابت عن النبي - ﷺ - النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة؛ كما ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»؛ وذلك
[ ١١١ ]
لمضاعفة الحسنات بهذه المساجد الثلاثة، ولما لها من الفضل؛ كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». وعن عبد الله بن الزبير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا». أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وفي رواية أخرجها أحمد وابن ماجه: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه».
فلو كان شد الرحل لقصد قبر النبي - ﷺ - أو غيره جائزا لبيَّنه النبي - ﷺ -، وزيارة المدينة ليست للقبر؛ وإنما هي للمسجد؛ فمن نوى بزيارته القبر لا المسجد فقد خالف قول الرسول - ﷺ - ورغب عن سنته، والقول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره - ﷺ - يفضي إلى اتخاذ عيدا ويوقع في المحذور الذي خالفه الرسول - ﷺ - من الغلو والإطراء؛ كما قد وقع الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره ﵇.
وأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يَحْتَجُّ بها
[ ١١٢ ]
من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره - ﷺ - فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد؛ بل موضوعة؛ كما قد نَبَّه على ضعفها الحافظ؛ كالدارقطني والبيهقي والحافظ ابن حجر وغيرهم؛ فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الباب حديث: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». وحديث: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». وحديث: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام ضمنت له على الله الجنة». وحديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شيء عن النبي - ﷺ -؛ قال الحافظ ابن حجر في التلخيص بعد ما ذكر أكثر هذه الروايات: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، وقال الحافظ العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء. وجزم شيخ الإسلام: أن هذه الأحاديث موضوعة، ولو كان شيء منها ثابتًا لكان الصحابة - ﵃ - أسبق الناس إلى العمل به وبيانه للأمة.
وقصة الأعرابي التي تروى عن العتبي؛ أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ
[ ١١٣ ]
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ﴾ الآية إلى آخر القصة. هذه القصة لا صحة لها، ولا يصح لها سند عن العتبي، ولا هي مما يحتجُّ به. قال ذلك صاحب الصارم المنكي في الردِّ على السُّبكي وغيره، ومثلها ما يروى عن مجيء بلال من الشام، وقصة قوله وفعله عند قبر النبي - ﷺ - هذه الحكايات وما شابهها أثبت المحققون من أهل العلم والفضل عدم صحتها، وأثبتوا تنزيه أصحاب رسول الله - ﷺ - من الإقدام على شيء من هذه الأمور المبتدعة المنهي عنها، ومن الأحاديث والحكايات المكذوبة التي اشتهرت على ألسنة بعض العوام الحديث: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم». هذا الحديث موضوع لا أصل له في جميع كتب السنة، وجاء في كتاب السنن والمبتدعات التأكيد الجازم بأنه موضوع مفترى لا أصل له قطعا، ومعلوم أن جاه النبي - ﷺ - عظيم عند الله، ولكن التوسل به لم يرد والخير والبركة والرضوان في الاتباع لا في الابتداع.
ومن تلك الأحاديث المكذوبة: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور». وحديث: «لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه». وحديث: «إن الله يوكِّل ملكا على قبر كل ولي يقضي حوائج الناس». هذه الأحاديث ونحوها كلها مكذوبة لا وجود لها في كتب السنة المعتمدة، ولا يصدقها عاقل عالم
[ ١١٤ ]
بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.
ومن الأكاذيب ما يحكى عن أهل القبور أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت حاجته، وفلانا نزل به فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند كثير من السدنة والمقابرة من ذلك ما يطول ذكره من الكذب على الأحياء والأموات، ومع هذا فإن الكثير من الجهلة ينخدعون بمثل هذه الحكايات الباطلة ويصدقونها فيقصدون صاحب ذلك القبر ويفعلون عنده مثل ما سمعوا، فيقعون بذلك في الشرك العظيم - والعياذ بالله، وقد تقدم في الكلام على الزيارة الشركية المحضة بيان لبعض حالات يجيب الله فيها الدعاء غير المشروع ابتلاء واستدراجًا للداعي، فليراجع.
[ ١١٥ ]