ليست زيارة قبر النبي - ﷺ - واجبةً ولا شرطًا في الحج ولا في غيره، كما يظنه بعض العامة وأشباههم؛ بل هي مستحبَّةٌ في حق من زار مسجد الرسول - ﷺ -، أو كان قريبا منه من الرجال، والذي يستحب لزائر مسجد النبي - ﷺ - هو أن يقدم رجلَه اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد؛ إذ ليس لدخول مسجده - ﷺ - ودخول المسجد الحرام ذكر مخصوص، كما قال ذلك أهل التحقيق، ثم يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وإن صلَّاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل؛ لقوله - ﷺ -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة».
أما الفريضة فينبغي للزائر والمستوطن أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول فالأول، وإن كان في الزيادة القبْلية؛ لما جاء في
[ ١١٦ ]
الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - من الحث والترغيب في الصف الأول؛ مثل قوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». رواه البخاري ومسلم. ومثل قوله - ﷺ - لأصحابه: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله». أخرجه مسلم.
والأحاديث في هذا كثيرة معلومة، وهي عامَّةٌ في مسجده - ﷺ - وغير مسجده، والدليل على عمومها: حثُّه - ﷺ - الصحابة على ميامن الصفوف، ومعلوم أن يمين الصف في مسجده - ﷺ - خارج عن الروضة، أما النساء فلا يجوز لهن التقدم؛ بل يتأخرون خلف الرجال، وكلما كانت المرأة بعيدة عن مشاهدة الرجال فذلك أفضل، ثم بعدما يصلي الزائر تحية المسجد يزور قبر النبي - ﷺ - وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر، فيقف تجاه قبره - ﷺ - بأدب. وأبو حنيفة يرى أن يقف الزائر متوجها إلى القبلة، ثم يسلم عليه - ﷺ - ويغض صوته ويقول: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
والأحاديث الصحيحة الثابتة دالَّة على أنه - ﷺ - ميت كما دل على ذلك القرآن الكريم، وموته - ﷺ - أمر متفق عليه بين أهل العلم، ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية، كما
[ ١١٧ ]
أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم المذكورة في القرآن الكريم، وكذلك جميع الأموات، كما تقدم ذكر ذلك في الكلام على الحياة البرزخية.
ثم بعد السلام على النبي - ﷺ - يسلم على صاحبيه، والاقتصار على السلام هو المأثور عن الصحابة - ﵃، وهو الذي يقول به الأئمة، وكان ابن عمر إذا سلم على رسول الله - ﷺ - وصاحبيه لايزيد غالبا على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف.
وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي - ﷺ - يدعو؛ ولكن يسلِّم ويمضي، وكان الصحابة لا يكثرون المجيء إلى القبر للسلام على النبي - ﷺ -؛ لعلمهم بنهيه - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدا، ولعلمهم أن ما شرع من الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه وفي كل وقت وسؤال الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود له بعد الأذان تحصل به الفضيلة، ولعلمهم أن الصلاة والسلام عليه يَصِلان إليه من البعيد كما يصلان من القريب؛ كما قال - ﷺ - في الحديث الذي رواه أبو داود: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وكما قال: «إن لله ملائكة
[ ١١٨ ]
سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». رواه النسائي.
وأما رفع الصوت عند قبره - ﷺ - وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع؛ لأن الله نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي - ﷺ -، وحثَّهم على غضِّ الصوت عنده؛ كما قال - سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣].
والرسول - ﷺ - محترم حيًّا وميتًا؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي، وقد رأى عمر بن الخطاب - ﵁ - رجلين يرفعان أصواتهما في مسجده - ﷺ - ورآهما غريبين فقال: أما علمتما أن الأصوات لا تُرفع في مسجد رسول الله - ﷺ -؟! لو أنكما من أهل البلد لأوجعتُكما ضربًا، وهكذا ما يفعله البعض من تحرِّي الدعاء عنده - ﷺ - مستقبلًا للقبر؛ فإنه خلاف ما كان عليه السف الصالح، وقد رأى عليٌّ بن الحسين زين العابدين - ﵄ - رجلا يدعو عند قبر النبي - ﷺ - فنهاه عن ذلك وقال: ألا أحدثك حديثا سمعتُه من
[ ١١٩ ]
أبي عن جدي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم». رواه أبو داود وخرجه الحافظ محمد المقدسي في المختارة.
وهكذا ما يفعله البعض عند السلام عليه - ﷺ - من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند المخلوق حيًّا أو ميتا؛ لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله؛ كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر عن العلماء، وكذا ما يفعله بعض الجالسين في المسجد من استقبال القبر الشريف وتفضيل ذلك على استقبال القبلة، وربما حرك الواحد منهم شفتيه بالسلام والدعاء، وهذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة، وقد أنكر الإمام مالك - يرحمه الله - هذا العمل وأشباهه وقال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعه بإحسان.
وقد تقدم الكلام على عدم جواز التمسح بالقبر أو بحائط الحجرة، والأئمة مجمعون على ذلك؛ روى يحيى بن معين قال: حدثنا
[ ١٢٠ ]
أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي - ﷺ -، وممن ذكر هذا الشيخ علي بن عمر القزويني في أماليه، وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر.
وما ذكره الفقهاء في بعض المناسك وكتب الفقه من استحسان قول الزائر حين سلامه على النبي - ﷺ - عند قبره: السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاد. فذلك لأنه من أوصافه - ﷺ -؛ ولكنه لم يرد به سنة. وهذه الزيارة لقبر النبي - ﷺ - إنما تشرع في حق الرجال، أما النساء فإنه يترتب على زيارتهن له مزاحمة الرجال وفتنتهم والافتتان بهم، وهذا لا يجوز.
وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول - ﷺ - والدعاء فيه ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع. والله أعلم.
[ ١٢١ ]