فصل في التحذير من البدع
تعريف البدعة
البدعة في اللغة مأخوذة من البدع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١؛ أي: مخترعها على غير مثال سابق، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة؛ يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.
والابتداع على قسمين:
ابتداع في العادات؛ كابتداع المخترعات الحديثة٣، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة.
وابتداع في الدين، وهذا محرم؛ لأن الأصل فيه التوقيف؛ قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد" ٤، وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد" ٥
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١١٧. ٢ سورة الأحقاف، الآية: ٩. ٣ ويدخل في ذلك الاكتشافات العلمية بأنواعها المختلفة. ٤ رواه البخاري ومسلم. ٥ في (صحيح مسلم) .
[ ٣٢١ ]
أنواع البدع:
البدعة في الدين نوعان:
النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية؛ كمقالات الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات؛ كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها، وهي أنواع:
النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة؛ بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع؛ كأن صلاة غير مشروعة، أو صياما غير مشروع، أو أعيادًا غير مشروعة؛ كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة؛ كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع؛ كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
حكم البدعة في الدين
كل بدعة في الدين - من أي نوع كانت - فهي محرمة وضلالة؛ لقوله ﷺ: "وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ١، وقوله
_________________
(١) ١ رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) .
[ ٣٢٢ ]
ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد"؛ فدل الحديث على أن كل محدث في الدين؛ فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة.
ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة.
ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة؛ فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها. ومنها ما هو فسق اعتقادي؛ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل، والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع١.
تنبيه في تقسيم البدعة إلى واجبة ومستحبة
من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة؛ فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله ﷺ: "فإن كل بدعة ضلالة"؛ لأن الرسول ﷺ حكم على البدعة كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة!.
قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": " فقوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة": من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه؛ فهو رد"؛ فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه؛ فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواه في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة"٢انتهى.
_________________
(١) ١ انظر: (الأعتصام) للشاطبي (٢/ ٣٧) . (جامع العلوم والحكم) (ص ٢٣٣) .
[ ٣٢٣ ]
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر - ﵁ - في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه"، وقولوا - أيضا - إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف؛ مثل جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك: أن هذه الأمور لها أصل في الشرع؛ فليست محدثة، وقوله عمر: "نعمت البدعة"؛ يريد البدعة للغوية لا الشرعية؛ فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه؛ إذا بدعة؛ فهو بدعة لغة لا شرعا؛ لأن البدعة شرعا ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه.
وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي ﷺ كأن يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبا متفرقا، فجمعه الصحابة - ﵃ - في مصحف واحد حفظا له.
والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي، وتخلف عنهم في الأخير، خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة - ﵃ - يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب - ﵁ - خلف إمام واحد، كما كانوا خلف النبي ﷺ، وليس هذا بدعة في الدين.
وكتابة الحديث - أيضا - لها أصل في الشرع؛ فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذر من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ؛ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ، فدون المسلمون السنة بعد ذلك؛ حفظا لها من الضياع؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊ من الضياع وعبث العابثين
[ ٣٢٤ ]