الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة١ هو أحد أركان الإيمان الستة؛ كما جاء في حديث جبريل؛ حيث قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
وقد جاء ذكر الإيمان بالملائكة مقرونا بالإيمان بالله في كثير من الآيات القرآنية؛ كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٢، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.
والإيمان بالملائكة يتضمن التصديق بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، والإيمان بأصنافهم وأوصافهم وأعمالهم التي يقومون بها حسبما ورد في الكتاب والسنة، والإيمان بفضلهم ومكانتهم عند الله - ﷿ -.
وقد ورد في "صحيح مسلم": أن الله خلقهم من نور.
ومما يدل على فضلهم وشرفهم: أن الله يضيفهم إليه إضافة تشريف؛
_________________
(١) ١ الأصل الأول تقدم في (ص ٢١) . ٢ سورة البقرة، الآية ٢٨٥. ٣ سورة البقرة، الآية ١٧٧.
[ ١٦٧ ]
كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ ١، وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٤.
ويقرن - سبحانه - شهادتهم مع شهادته وصلاتهم مع صلاته؛ كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٥، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ ٦.
ويصفهم - سبحانه - بالكرم والإكرام؛ قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍكِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ ٨، وقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٩.
ويصفهم بالعلو والتقريب؛ كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأ الأعْلَى﴾ ١٠، وفي قوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١١.
ويذكر حملهم للعرش وحفهم به؛ كما في قوله ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ١٢، وقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْش﴾ ١٣.
ويذكر - سبحانه - أنهم عنده ويعبدونه ويسبحونه؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ١٤، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ١٥.
وهم بالنسبة إلى الأعمال التي يقومون بها أصناف:
فمنهم حملة العرش، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ١٦، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١٧.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية ٥٦. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٨٥. ٣ سورة النساء، الآية ١٣٦. ٤ سورة البقرة، الآية ٩٨. ٥ سورة آل عمران، الآية ١٨. ٦ سورة الأحزاب، الآية ٥٦. ٧سورة عبس، الآية ١٥. ٨ سورة الانفطار، الآية ١٠. ٩ سورة الأتبياء، الآية ٢٦. ١٠ سورة الصافات، الآية ٨. ١١ سورة المطففين، الآية ٢١. ١٢ سورة غافر، الآية ٧. ١٣ سورة الزمر، الآية ٧٥. ١٤ الأعراف ٢٠٦. ١٥فصلت، الآية ٣٨. ١٦غافر، الآية٧. ١٧ الحاقة، الآية١٧.
[ ١٦٨ ]
ومنهم المقربون، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١.
ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها.
ومنهم الموكلون بالنار وتعذيب أهلها، وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر، وخازنها مالك، وهو مقدم الخزنة؛ كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَاب﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.
ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ ٦؛ أي: معه ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد وكتابتها؛ قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ ٨.
وقال ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار"؛ فمع الإنسان ملائكة يحفظونه من المؤذيات، وملائكة يحفظون عليه أعماله وما يصدر منه.
ومن الملائكة من هو موكل بالرحم وشأن النطفة؛ كما في حديث ابن مسعود - ﵁ -: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو
_________________
(١) النساء ١٧٢.
(٢) المدثر ٢٣.
(٣) الزخرف ٧٧.
(٤) غافر ٤٩.
(٥) التحريم ٦.
(٦) الرعد ١١.
(٧) سورة ق، الآيتان ١٨ - ١٩.
(٨) سورة الانفطار، الآيتان ١٠ - ١١.
[ ١٦٩ ]
سعيد".
ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٢؛ فملك الموت له أعوان من الملائكة يستخرجون روح العبد من جسمه حتى تبلغ الحلقوم؛ فيتناولها ملك الموت.
والمقصود: أن الله وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة تدبر شؤونهما بإذنه وأمره ومشيئته - سبحانه تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤.
فلهذا يضيف - سبحانه - التدبير إلى الملائكة تارة لكونهم المباشرين له؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ٥،ويضيف التدبير إليه تارة؛ كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ٦.
فالملائكة رسل الله في خلقه وأمره.
واسم المَلَك يتضمن أنه رسول؛ لأنه من الألوكة؛ بمعنى الرسالة، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ٨؛ فهم رسل الله في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبر به السماوات والأرض.
وهم رسله في تدبير أمره الديني الذي تنزل به على الرسل من البشر؛ قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ٦١. ٢ سورة السجدة، الآية ١١. ٣ سورة الأنبياء، الآية ٢٧. ٤ سورة التحريم، الآية ٦. ٥ سورة الذاريات، الآية ٥. ٦ سورة السجدة، الآية ٥. ٧ سورة فاطر، الآية ١. ٨ سورة المرسلات، الآية ١. ٩ سورة النحل، الآية ٢. ١٠ سورة الحج، الآية ٧٥.
[ ١٧٠ ]
وأعظمهم جبريل ﵇، وهو أمين الوحي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ ٢.
وقد أعطى الله الملائكة قدرة على التشكل بأشكال مختلفة؛ فقد جاؤوا إلى إبراهيم ولوط ﵉ بصورة أضياف، وكان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صفات متعددة؛ تارة يأتي في صورة دحية الكلبي، وتارة في صورة أعرابي، وتارة في صورته التي خلق عليها، وقد وقع منه هذا مرتين، وذلك لأن البشر لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، ولما اقترح المشركون أن يرسل الله إليهم ملكا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَوَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٣؛ أي: لو بعثنا إلى البشر رسولًا ملكا على هيئة الرجل؛ ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، وتنفر من غير جنسه.
هذا وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآيات ١٩٢ - ١٩٥. ٢ سورة النحل، الآية ١٠٢. ٣ سورة الأنعام، الآيتان ٨ - ٩.
[ ١٧١ ]