الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب، وعرفا: سؤال الخير للغير، وقيل: هي من الشفع الذي هو ضد الوتر؛ فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له.
والشفاعة حق إذا تحققت شروطها، وهي أن تكون بإذن الله تعالى ورضاه عن المشفوع له؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ١
ففي هذه الآية الكريمة أن الشفاعة لا تنفع إلا بشرطين:
الأول: إذن الله للشافع أن يشفع؛ لأن الشفاعة ملكه سبحانه، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٢.
الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد؛ لأن المشرك لا تنفعه الشفاعة؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣.
فتبين بهذا بطلان ما عليه القبوريون اليوم؛ الذين يطلبون الشفاعة من الأموات، ويتقربون إليهم بأنواع القربات؛ كما قال الله في سلفهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ ِ٤، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ٥.
وقد أعطى نبينا ﷺ الشفاعة؛ فيشفع لمن أذن الله له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "وله ﷺ ثلاث شفاعات:
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآية: ٢٦. ٢ سورة الزمر، الآية: ٤٤. ٣ سورة المدثر، الآية: ٤٨. ٤ سورة يونس، الآية: ١٨. ٥ سورة الزمر، الآية: ٤٣.
[ ٢٩٣ ]
أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها".
وقال ﵀: "وأما شفاعة لأهل الذنوب من أمته؛ فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثَمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب..".
إلى أن قال: "واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ ١، وبقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٢، وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٣، وبقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٤.
وجواب أهل السنة: أن هذا يراد به شيئان:
أحدهما: أنها لا تنفع المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٤٨. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٤. ٣ سورة غافر، الآية: ١٨. ٤ سورة المدثر، الآية: ٤٨.
[ ٢٩٤ ]
سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١؛ فهؤلاء لا تنفعهم شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا.
والثاني: أنه يراد بذلك الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه؛ كما يشفع الناس في بعضهم عند بعض.
[ ٢٩٥ ]