ثانيًا: ظهور البدع في حياة المسلمين وأسباب ذلك
وتحته مسألتان:
١- وقت ظهور البدع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀١: "واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات وقع في الأمة في أواخر الخلفاء الراشدين؛ كما أخبر به النبي ﷺ؛ حيث قال: "من يعش منكم بعدي؛ فسيرى اختلافا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"٢، وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء وبدعة التشيع والخوارج، هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحديث الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء، والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت؛ زادت البدع وتنوعت".
٢- مكان ظهور البدع:
تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان، والعراقان، والشام،
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) (١٠/ ٣٥٤) ٢ صحيح. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
[ ٣٢٥ ]
منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية؛ فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، أما التجهم؛ فإنما ظهر في ناحية خراسان، وهو شر البدع.
وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان؛ ظهرت بدعة الحرورية.
وأما المدينة النبوية؛ فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك؛ فكان عندهم مهانا مذموما؛ إذ كان بهم قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين؛ بخلاف التشيع والإرجاء في الكوفة، والاعتزال وبدع بالبصرة، والنصيب بالشام؛ فإنه كان ظاهرًا، وقد ثبت في"الصحيح" عن النبي ﷺ أن الدجال لا يدخلها، ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرًا إلى زمن أصحاب مالك، وهم من أهل القرن الرابع١، فأما الأعصار الثلاثة المفضلة؛ فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج سائر الأمصار".
الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع:
مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلالة؛ قال تعالى: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
وقد وضح ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فيما رواه أبن مسعود ﵁؛ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا؛ فقال: " هذا سبيل الله" ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) .
[ ٣٢٦ ]
شماله، ثم قال: "وهذه سبل، على كل سيبل منها شيطان يدعو إليه" ١، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
فمن أعرض عن الكتاب والسنة؛ تنازعته الطرق المضللة والبدع المحدثة.
الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية:
الجهل بأحكام الدين، إتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل.
١- الجهل بأحكام الدين:
كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة؛ قل العلم وفشا الجهل؛ كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: "من يعش منكم؛ فسيرى اختلافا كثيرًا" ٣، وقوله: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالما؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"٤.
فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء؛ فإذا فقد العلم والعلماء؛ أتيحت الفرصة للبدعة أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.
٢- اتباع الهوى:
من أعرض عن الكتاب والسنة؛ اتبع هواه.
كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم. ٢ سورة الأنعام، الآية: ١٥٣. ٣ من حديث رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر (١/ ١٨٠) .
[ ٣٢٧ ]
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ ِ٢.
والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.
٣- التعصب للآراء والرجال:
التعصب لآراء الرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٣.
وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى الكتاب والسنة، ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما؛ احتجوا بمذاهبهم ومشايخهم وآبائهم وأجدادهم.
٤- التشبه بالكفار:
هو من أشد ما يوقع في البدع؛ كما في حديث أبي واقد الليثي؛ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهو ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٤، لتركبُنَّ سنن من قبلكم"٥.
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية: ٥٠. ٢ سورة الجاثية، الآية: ٢٣. ٣ سورة البقرة، الآية: ١٧٠. ٤ سورة الأعراف، الآية: ١٣٨. ٥ رواه الترمذي وصححه.
[ ٣٢٨ ]