مطلوب من المسلم بعدما يعرف الحق أن يعرف ما يضاده من الباطل ليجتنبه؛ كما يقال:
عرفت الشر لا للش ر لكن لتوقيه
_________________
(١) ١ سورة سبأ، الآية: ٢٢. ٢ سورة الحج، الآية: ٣١.
[ ٤٢ ]
وكان حذيفة بن اليمان - ﵁ - يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن أقع فيه".
ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -: "يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
وقبل ذلك قال الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ١.
فهذا مما يوجب شدة الخوف من الشرك ومعرفته ليجتنبه المسلم:
فالشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة بغير الله فيما لا عليه إلا الله.
والتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو أصيل في بني آدم، والشرك طارىء عليه، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ٢
قال ابن عباس - ﵄ -: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام".
قال ابن القيم - ﵀ -: "هذا القول هو الصحيح في الآية، وصحح هذا القول - أيضا - ابن كثير، وأول ما حدث الشرك في الأرض في قوم نوح، حين غلوا في الصالحين، ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣.
قال البخاري في (صحيحه) عن ابن عباس - ﵄ -: "هذه
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآيتان: ٣٦ - ٣٥. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٣. ٣ سورة نوح، الآية ٢٣.
[ ٤٣ ]
أسماء رجال من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم؛ عبدت".
قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم".
ومن هذا الأثر الذي رواه البخاري عن عباس في غلو قوم نوح في الصالحين وتصويرهم إياهم والاحتفاظ بصورهم ونضبها على المجالس، منه ندرك خطورة التصوير، وخطورة التصوير، وخطورة تعليق الصور على الجدران، وخطورة نصب التماثيل في الميادين والشوارع، وأن ذلك يؤول بالناس إلى الشرك؛ بحيث يتطور تعظيم تلك الصور والتماثيل المنصوبة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها كما حدث في قوم نوح.
ولهذا؛ جاء الإسلام بتحريم التصوير، ولعن المصورين، توعدهم بأشد الوعيد، وأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة؛ سدًا لذريعة الشرك، وابتعادًا عن مضاهاة خلق الله - ﷿ -.
وندرك من هذه القصة مدى حرص الشيطان لعنه الله على إغواء بني آدم، ومكره بهم، وأنه قد يأتيهم من ناحية استغلال العواطف ودعوى الترغيب في الخير؛ فإنه لما رأى في قوم نوح ولوعهم بالصالحين ومحبتهم لهم؛ دعاهم إلى الغلو في هذه المحبة؛ بحيث أمرهم بنصب الصور التذكارية لهم، وهدفه من ذلك التدرج بهم في إخراجهم من الحق إلى الضلال، ولم يقتصر نظره على الحاضرين، بل امتد إلى أجيالهم اللاحقة، الذين قل فيهم العلم، وفشا فيهم الجهل؛ فزين لهم عبادة هذه الصور، وأوقعهم في الشرك الأكبر، وكابروا نبيهم بقولهم ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ .
[ ٤٤ ]
قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: "وقد تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام، بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صُوِّروا كما في قوم نوح، وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين، وأما خواصهم؛ فاتخذوا الأصنام على صور الكواكب المؤثرة في العالم بزعمهم، وجعلوا لهم بيوتا وسدنة وحجابا وقربانا، ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا، وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇، والذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه، وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه يستحق العبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، وطائفة تعبد النار، وهم المجوس، وطائفة تعبد الماء، وطائفة تعبد الحيوانات؛ فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الجن، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة تعبد الملائكة" انتهى كلام ابن القيم - ﵀ -.
وبه تعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إلاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٣
هؤلاء المشركون لما تركوا عبادة الله وحده لا شريك له، وهي التي خلقوا من أجلها، وبها سعادتهم؛ ابتلوا بعبادة الشياطين، وتفرقت بهم الأهواء والشهوات؛ كما قال الإمام ابن القيم - ﵀ -:
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية: ٣١. ٢ سورة يوسف، الآيتان: ٣٩ ٤٠. ٣ سورة الزمر، الآية: ٢٩.
[ ٤٥ ]
هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان
فلا اجتماع للقلوب، ولا صلاح للعالم؛ إلا بالتوحيد؛ كما قال تعالى-: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١، ولذلك إذا خلت الأرض من التوحيد؛ قامت القيامة؛ كما روى مسلم عن النبي ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله".
ومثل تفرق المشركين الأولين في عباداتهم ومعبوداتهم تفرق القبوريين اليوم في عبادة القبور؛ فكل منهم له ضريح خاص يتقرب إليه بأنواع العبادة، وكل طريقة من الطرق الصوفية لها شيخ اتخذه مريدوه ربا من دون الله؛ يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله.
وهكذا تلاعب الشيطان ببني آدم، ولا نجاة من شره ومكره إلا يتوحيد الله والاعتصام بكتابه وسنة رسوله.
نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه؛ إنه هو مولانا؛ فنعم المولى ونعم النصير.
[ ٤٦ ]