الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر
ويتضمن:
أولًا: الإيمان بأشراط الساعة.
لما كان اليوم الآخر مسبوقا بعلامات تدل قرب وقوعه تسمى أشراط الساعة؛ ناسب أن نذكر أهمها؛ لأن الإيمان بها واجب، وهو من صلب العقيدة.
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ٢؛ أي: علاماتها وأماراتها، واحدها شرط؛ بفتح الراء وهو العلامة.
قال الإمام البغوي - ﵀ -: "وكانت بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة".
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة القمر، الآية: ١. ٢ سورة محمد، الآية: ١٨. ٣ سورة الشورى، الآية: ١٧. ٤ سورة الزخرف، الآية ٦٦.
[ ٢٢١ ]
ولقرب وقوع يوم القيامة وتحققه؛ جعله - سبحانه - كغد؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ١، والغد هو ما بعد يومك، وقال تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبا﴾ ٢.
وروى الترمذي وصححه من حديث أنس مرفوعا: "بعثت أما والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى.
وفي (الصحيحين) عن عمر - ﵄ - مرفوعا: "إنما أجلكم فيمن قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس"، وفي لفظ: "إنما بقاؤكم فيما قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس".
ولما كان أمر الساعة شديدًا؛ كان الاهتمام بشأنها أكثر من غيرها، ولهذا أكثر النبي ﷺ من بيان أشراطها وأماراتها، وأخبر عما يأتي بين يديها من الفتن، ونبه أمته وحذرهم؛ ليتأهبوا لذلك.
وأما وقت مجيئها؛ فهو مما انفرد - الله تعالى - بعلمه وأخفاه عن العباد لأجل مصلحتهم؛ ليكونوا على استعداد دائما؛ كما أخفى - سبحانه عن كل نفس وقت حلول أجلها؛ لتكون دائما على أهبة الاستعداد والانتظار، ولا تتكاسل عن العمل.
قال العلامة السفاريني: "ثم اعلم أن أشراط الساعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، وهو الأمارات البعيدة. وقسم ظهر ولم ينقض، بل لا يزال في زيادة. والقسم الثالث: الأمارات الكبيرة التي تعقبها الساعة، وهي تتتابع كنظام خرزات انقطع سلكها".
فالأولى: "أعني التي ظهرت ومضت وانقضت":
منها: بعثة النبي ﷺ، وموته، وفتح بيت المقدس.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية: ١٨. ٢ سورة المعارج، الآيتان: ٦ - ٧.
[ ٢٢٢ ]
ومنها: قتل المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ -؛ قال حذيفة: "أول الفتن قتل عثمان"، وذكر الحروب التي وقعت بين المسلمين بعد ذلك، وظهور الفرق الضالة كالخوارج والرافضة، ثم قال: "ومنها: خروج كذابين دجالين، وكل منهم يدعي أنه نبي".
ومنها: زوال ملك العرب؛ رواه الترمذي.
ومنها: كثرة المال؛ رواه الشيخان وغيرهما.
ومنها: كثرة الزلازل والخسف والمسخ والقذف
وغير ذلك مما أخبر عنه النبي ﷺ أنه من أمارات الساعة؛ فظهر ومضى وانقضى.
الثانية: الأمارات المتوسطة.
وهي التي ظهرت ولم تنقض، بل تتزايد وتكثر، وهي كثيرة جدًا:
منها قوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع"، رواه الإمام أحمد والترمذي والضياء المقدسي من حديث حذيفة - ﵁ -، واللكع: العبد والأحمق واللئيم، والمعنى: لا تقوم الساعة حتى يكون اللئام والحمقى ونحوهم رؤساء الناس.
ومن الأمارات: قوله ﷺ: "يأتي على الناس زمان الصابر على دينه كالقابض على الجمر"، رواه الترمذي عن أنس.
وقوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، رواه الإمام أحمد ولأبو داود وابن حبان وابن ماجه عن أنس - ﵁ -.
وقوله ﷺ: "يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة"، وفي لفظ:
[ ٢٢٣ ]
"فساق"، رواه أبو نعيم والحاكم عن أنس.
ومنها أن يرى الهلال ساعة يطلع، فيقال: لليلتين؛ لا نتفاخه وكبره، روى معناه الطبراني عن ابن مسعود، وفي لفظ: "من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة"؛ بالخاء المعجمة؛ أي: عظمها، وروي بالجيم.
ومنها: اتخاذ المساجد طرقا ".
إلى أن قال: " ومنها: ما في "صحيح البخاري" وغيره من حديث أنس - ﵁؛ أنه قال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، لا يحدثكم به أحد غيري؟، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء؛ حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد".
وفي (الصحيح) من حديث أبي هريرة - ﵁؛ قال: "بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي؛ قال متى الساعة؟، فمضى رسول الله ﷺ يحدث، وقال بعض القوم: سمع ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه؛ قال: أين السائل عن الساعة؟. فقال: ها أنا يا رسول الله!، قال: فإذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتها؟، قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة".
الثالثة من أمارات الساعة العلامات العظام والأشراط الجسام التي تعقبها الساعة:
ومنها: خروج المهدي، والمسيح الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، والدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج النار من قعر عدن، ثم النفخ في الصور نفخة الفزع، ثم الصعق وهلاك الخلق، ثم نفخة البعث والنشور"
[ ٢٢٤ ]
وعلى كل؛ فالأمر عظيم، ونحن في غفلة، وقد ظهر من هذه العلامات الشيء الكثير؛ فنسأل الله ﷿ أن يثبتنا على دينه، ويتوفانا على الإسلام، ويقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وهذا من علامات النبوة ومعجزات الرسول ﷺ، حيث أخبر عن أمور مستقبلة مما أطلعه الله ﷿ على علمه، فوقع كما أخبر، وهذا مما يقوي إيمان العبد.
وفي إخباره ﷺ بذلك رحمة بالعباد؛ ليحذروا، ويستعدوا، ويكونوا على بصيرة من أمرهم؛ فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم، الذي بلغ البلاغ المبين، وبيَّن غاية التبيين، ونحن على ذلك من الشاهدين.
وأول هذه العلامات: ظهور المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول المسيح ﵇، ثم تتابع.
[ ٢٢٥ ]