فمن مظاهر موالاة الكفار:
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٢٣. ٢ سورة المجادلة، الآية: ٢٢. ٣ سورة المائدة، الآيتان: ٥٥ - ٥٦. ٤ سورة الفتح، الآية: ٢٩. ٥ سورة الحجرات، الآية: ١٠. ٦ سورة الحشر، الآية: ١٠.
[ ٣٠٨ ]
١- التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبِّه للمتشبَّه به، ولهذا قال النبي ﷺ: "من تشبَّه بقوم؛ فهو منهم"، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمتهم وأخلاقهم؛ كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس والأكل والشرب وغير ذلك.
٢- الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر إذا كان يقدر على الهجرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١؛ فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
٣- ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس.
والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآيات: ٩٧ - ٩٩.
[ ٣٠٩ ]
عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
٤- ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين، ومدحهم، والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة، نعوذ بالله من ذلك.
٥ - ومن مظاهر موالاة الكفار: الاستعانة بهم١، والثقة بهم، وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين، واتخاذهم بطانة ومستشارين.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ ٢.
فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار، وما يكنونه نحو المسلمين من بغض، وما يدبرونه ضدهم من مكر وخيانة، وما يحبونه من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين بهم؛ فيخططون للإضرار بهم والنيل منهم.
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري - ﵁؛ قال: "قلت لعمر - ﵁: لي كاتب نصراني. قال: ما لك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ بعضٍ﴾ ٣؟ ألا اتخذت حنيفا؟. قال: قلت: يا أمير المؤمنين!
_________________
(١) ١ في غير حالة الضرورة. ٢ سورة آل عمران، الآيات: ١١٨ - ١٢٠. ٣ سورة المائدة، الآية: ٥١.
[ ٣١٠ ]
لي كتابته وله دينه! قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله".
وروى الإمام أحمد ومسلم؛ " أن النبي ﷺ خرج إلى بدر؛ فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك. قال: تؤمن بالله ورسوله؟. قال: لا. قال: فارجع؛ فلن استعين بمشرك" ١.
ومن هذه النصوص يتبيَّن لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكَّنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم. بإلحاق الضرر بهم.
ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين "بلاد الحرمين الشريفين"، وجعلهم عمالًا وسائقين ومستخدمين ومربين في البيوت، وخلطهم مع العوائل، أو خلطهم مع المسلمين في بلادهم.
٦- ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتأريخهم، خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم؛ كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من أنفسهم، وليس هو من دين المسيح ﵇؛ فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم، ولتجنب هذا لما أراد الصحابة ﵃ وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر - ﵁؛ عدلوا من تواريخ الكفار، وأرخوا بهجرة الرسول ﷺ، مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم، والله المستعان.
٧- ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في
١ هذا محمول على غير حالة الضرورة، وقيل: إنه منسوخ - والله أعلم -؛ لما ثبت من استعانته ﷺ ببعض الكفار بعد لك.
[ ٣١١ ]
إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، وقد فسر قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾؛ أي: من صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.
٨- ومن مظاهر موالاة الكفار: مدحهم، والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم؛ دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب؛ قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢.
وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في االأصل للمسلمين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ ٥.
فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات، ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها، يجب أن تكون لهم مصانع وتقنيات.
٩- ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم؛ بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم، وقد قال النبي ﷺ: "خير الأسماء عبد الله
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية: ١٣١. ٢ سورة الأنفال، الآية: ٦٠. ٣ سورة الأعراف، الآية: ٣٢. ٤ سورة الجاثية الآية: ١٣. ٥ سورة البقرة، الآية: ٢٩.
[ ٣١٢ ]
وعبد الرحمن"، وبسبب تغيير الأسماء؛ فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة.
١٠- ومن موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم، وقد حرم الله ذلك بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١؛ لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه.
[ ٣١٣ ]