مظاهر موالاة المؤمنين قد بينها الكتاب والسنة، ومنها:
١- الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكافرين، والهجرة هي الانتقال من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين.
والهجرة بهذا المعنى ولأجل هذا الغرض واجبة وباقية إلى طلوع الشمس من مغربها عند قيام الساعة.
وقد تبرأ النبي ﷺ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين؛ فتحرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفار؛ إلا إذا كان لا يستطيع الهجرة منها، أو كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١١٣. ٢ سورة النساء، الآيات: ٩٧ - ٩٩.
[ ٣١٣ ]
٢- مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٢.
٣- التألم لألمهم والسرور بسرورهم؛ قال النبي ﷺ: "مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقال - أيضا - ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا" وشبك بن أصابعه ﷺ.
٤- النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم؛ قال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال: "المسلم أخو المسلم؛ لا يحقره، ولا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه"، وقال ﵊: "لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعضن وكونوا عباد الله إخوانا".
٥- احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
٦- أن يكون معهم في حال العسر والشدة والرخاء؛ بخلاف أهل
_________________
(١) ١ التوبة: ٧١. ٢ الأنفال: ٧٢. ٣ سورة الحجرات، الآيتان: ١١ - ١٢.
[ ٣١٤ ]
النفاق، الذين يكونون مع المؤمنين في حالة اليسر والرخاء، ويتخلون عنهم في حال الشدة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
٧- زيارتهم ومحبة الالتقاء بهم والاجتماع معهم، وفي الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ"، وفي حديث آخر: "أن رجلًا زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فسأله: أين تريد؟، قال: أزور أخا لي في الله. قال هل لك عليه نعمة تربها عليه؟ قال: لا؛ غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".
٨- احترام حقوقهم فلا يبيع على بيعهم ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، ولا يتعرض لما سبقوا إليه من المباحات؛ قال ﷺ: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته"، وفي رواية: "ولا يسم على سومه".
٩- الرفق بضعفائهم؛ كما قال النبي ﷺ: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا"، وقال ﵊: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟! "، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢.
١٠ - الدعاء لهم والاستغفار لهم؛ قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٤١. ٢ سورة الكهف، الآية: ٢٨. ٣ سورة محمد، الآية: ١٩. ٤ سورة الحشر، الآية: ١٠.
[ ٣١٥ ]
تنبيه
وأما قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١، فمعناه أن من كف أذاه من الكفار، فلم يقاتل المسلمين، ولم يخرجهم من ديارهم؛ فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي، ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأن الله قال: ﴿تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: توالونهم وتحبونهم.
ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٢.
وقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة؛ فاستأذنت أسماء رسول الله ﷺ في ذلك، فقال لها: "صلي أمك"؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٣.
فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر، لأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام؛ فهما من وسائل الدعوة؛ بخلاف المودة والموالاة، فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه، والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام.
وكذلك تحريم موالاة الكفار لا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم؛ فالنبي ﷺ استأجر ابن أريقط الليثي على الطريق وهو كافر، واستدان من بعض اليهود، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية: ٨. ٢ سورة لقمان، الآية: ١٥. ٣ سورة المجادلة، الآية: ٢٢.
[ ٣١٦ ]
من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن، وليس لهم علينا فيه فضل ومنة، وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم؛ فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ١.
قال الحافظ ابن كثير: "ومعنى قوله: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا؛ وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.." انتهى.
قلت: وهذا ما حصل في هذا الزمان، والله المستعان.
[ ٣١٧ ]