إن نزول المسيح عيسى بن مريم ﵊ كما دل عليه القرآن فقد أخبر به الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، نبينا محمد ﷺ، وتواتر النقل عنه بذلك، وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا، وعدوه مما يجب اعتقاده والإيمان به.
قال السفاريني: "ونزوله ﵊ ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ
_________________
(١) ١سورة يونس، الآية: ٣٩.
[ ٢٣١ ]
مَوْتِهِ﴾ ١؛ أي: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، حتى تكون الملة واحدة، ملة إبراهيم حنيفا مسلما ".
إلى أن قال: "وأما السنة؛ ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلًا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية " الحديث. وفي مسلم عنه: "والله لينزلن ابن مريم حكما عدلًا، فيكسر الصليب"؛ بنحوه. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله - ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين، إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا. فنقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة".
وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة أو من لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أن ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية وليس بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، وهو متصف بها، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي من أصحابه وأتباعه كسائر أصحاب المهدي" انتهى كلام السفاريني ﵀.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وعيسى حي في السماء، لم يمت بعد، وإذا نزل من السماء؛ لم يحكم إلا بالكتاب والسنة، لا بشيء يخالف ذلك".
وقال - أيضا -: "عيسى ﵇ حي، وقد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلًا وإماما مقسطا، فيكسر الصليب،
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٥٩.
[ ٢٣٢ ]
ويقتل الخنزير، ويضع الجزية"، وثبت في "الصحيح"عنه؛ أنه ينزل على المنارة البيضاء شرق دمشق، ويقتل الدجال. ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره، وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١؛ فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ ٢؛ فقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في"الصحيح" أنه ينزل بدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات، ولهذا قال من قال من العلماء: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أي: قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك، يقال: توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ التوفي لا يقتضي توفي الروح دون البدن ولا توفيهما جميعا؛ إلا بقرينة منفصلة، وقد يراد به توفي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٤ انتهى.
وقال القاضي عياض: "نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله؛ فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥، وبقوله ﷺ: "لا نبي بعدي"، وإجماع المسلمين أنه لا نبي
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ٥٥. ٢ سورة النساء، الآيتان: ١٥٧ - ١٥٨. ٣ سورة الزمر، الآية: ٤٢. ٤ سورة الأنعام،: ٦٠. ٥ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ٢٣٣ ]
بعد نبينا ﷺ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا تنسخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس " انتهى.
أقول: وفي عصرنا هذا ينكر بعض الكتاب الجهال وأنصاف العلماء نزول عيسى ﵇ اعتمادًا على عقولهم وأفكارهم، ويطعنون في الأحاديث الصحيحة، أو يؤولونها بتأويلات باطلة، والواجب على المسلم التصديق بما أخبر به النبي ﷺ، وصح عنه اعتقاده؛ لأن ذلك من الإيمان بالغيب الذي أطلع الله رسوله عليه.
قال العلامة السفاريني - ﵀ -: "ويكون مقرِّرًا لشريعة نبينا محمد ﷺ؛ لأنه رسول لهذه الأمة كما مر، ويكون قد علم أحكام هذه الشريعة بأمر الله تعالى وهو في السماء قبل أن ينزل".
قال: "وزعم بعض العلماء أنه بنزول سيدنا عيسى بن مريم ﵇ يرفع التكليف، وهذا مردود؛ للأخبار الواردة أنه يكون مقرِّرً لأحكام هذه الشريعة ومجدِّدًا لها؛ إذ هي آخر الشرائع، ونبينا محمد ﷺ آخر الرسل، والدنيا لا تبقى بلا تكليف؛ فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف، إلى أن لا يقال في الأرض: الله الله. ذكره القرطبي في تذكرته".
قال: "وأما مدته ووفاته؛ فقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبراني وابن عساكر؛ أنه ﷺ قال: "ينزل عيسى بن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة"، وعند الإمام أحمد وأبي شيبة وأبي داود وابن جرير وابن حبان عنه؛ أنه يمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنوه عند نبينا
[ ٢٣٤ ]
محمد ﷺ "انتهى كلامه.
[ ٢٣٥ ]