قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
يخبر تعالى أن أسماءه حسنى؛ أي: حسان، قد بلغت الغاية في الحسن؛ فلا أحسن منها؛ لما تدل عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال؛ فهي أحسن الأسماء وأكملها، وأسماؤه سبحانه توقيفية؛ فلا يجوز لنا أن نسميه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾؛ أي: اسألوه وتوسلوا إليه بها؛ كما تقول: اللهم اغفر لي وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
وأسماؤه - سبحانه - كثيرة؛ لا تحصر ولا تحد بعدد، منها ما استأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه ملك مقرَّب ولا نبيُّ مرسل؛ كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية ٣٠. ٢ سورة الأعراف، الأية ١٨٠. ٣ سورة طه، الآية ٨.
[ ١٤٥ ]
به نفسه؛ فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه. وقسم أنزل به كتابه، وتعرف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم غيبه؛ فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه".
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾؛ أي: أعرضوا عنهم واتركوهم؛ فإن الله سيتولى جزاءهم، ولهذا قال: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ومعنى: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾؛ أي: يميلون بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، والإلحاد بأسماء الله أنواع:
أحدها: أن يسمى بها الأصنام كتسميتهم (اللات) من الإله، و(العزى) من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها.
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته، أو علة فاعلة الطبع.
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود: إنه فقير، وإنه استراح يوم السبت، وقولهم: يد الله مغلولة.
والرابع: تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية وأتباعهم: أنها ألفاظ مجرة، لا تتضمن صفات ولا معاني؛ فيطلقون عليه اسم السميع البصير، ويقولون: لا سمع له ولا بصر؛ مثلًا، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعا، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن المشركين أعطوا من أسمائه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوا كماله وعطلوا أسماءه وصفاته.
والواجب إثبات أسمائه واعتقاد ما تدل عليه من صفات كماله ونعوت جلاله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله
[ ١٤٦ ]
- سبحانه -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والواجب احترام أسمائه من أن يسمى بها غيره، وذلك من تحقيق التوحيد.
فعن أبي شريح؛ أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال النبي ﷺ: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم. فقال: إن قومي كانوا إذا اختلفوا في شيء؛ أتوني، فحكمت بينهم، فرضى كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ " قلت: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟. قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح". رواه أبو داود وغيره.
فغيَّر النبي صلى الله عليه وسلمكنيته من أجل احترام أسماء الله؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٢، وهو الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم في الدنيا بين خلقه بوحيه الذي أنزله على أنبيائه، ويحكم بينهم يوم القيامة بعلمه فيما اختلفوا فيه، وينصف المظلوم من الظالم.
وفي هذا الحديث دليل المنع من التسمي بأسماء الله= المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها؛ كالتكني بأبي الحكم ونحوه.
ومن احترام أسماء الله أن لا يقول الإنسان لمملوكه: عبدي وأمتي؛ لما في ذلك من إيهام المشاركة في الربوبية.
وفي (الصحيح) عن أبي هريرة - ﵁؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك. وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي".
فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلمعن هذه الألفاظ (ربك)، (عبدي)، (أمتي)؛ لأنها
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية ١١. ٢ سورة الرعد، الآية ٤١.
[ ١٤٧ ]
توهم التشبيك مع الله، وسدًّا للذريعة، وحسما لمادة الشرك، وأرشد المالك أن يقول: فتاي وفتاتي، والعبد أن يقول: سيدي ومولاي.
ومن احترام أسماء الله - سبحانه - أنه لا يرد من سأل بالله.
عن عمر - ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " من استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن سأل بالله؛ فأعطوه".
لأن منع من سأل على عدم إجلال الله، وفي إعطائه دليل على تعظيم الله والتقرب إليه - سبحانه -.
ومن احترام الله تعالى أنه لا يسُأل بوجه الله - تعالى؛ إلا الجنة؛ إجلالًا لله، وإكراما له، وتعظيما له.
عن جابر - ﵁؛ قال: قال رسول الله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"، رواه داو؛ فلا يسأل بوجه الله تعالى ما هو حقير من حوائج الدنيا، وإنما به ما هو غاية المطالب، وهو الجنة، أو ما هو وسيلة إلى الجنة مما يقرب إليها من قول أو عمل.
ومن احترم أسماء الله: أن لا يكثر الحلف بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١.
قال ابن عباس: "يريد لا تحلفوا؛ لأن كثرة الحلف تدل على الاستخفاف بالله، وعدم التعظيم له، وذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب".
وعن سلمان - ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليهم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه"، رواه الطبرابي بسند صحيح.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٨٩.
[ ١٤٨ ]
ومعنى: "جعل الله بضاعته"؛ أي: جعل الحلف بالله بضاعته؛ ففيه شدة الوعيد على كثرة الحلف؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف بحق الله تعالى وعدم احترام أسمائه.
ومن إجلال الله وتعظيمه أنه لا يستشفع به على خلقه؛ لما في ذلك من تنقصه - سبحانه؛ لأنالمستشفَع به يكون أقل درجة من المشفوع عنده.
قال الإمام الشافعي - ﵀ -: "إنما يشفَعُ عند من هو أعلى منه، تعالى الله عن ذلك".
وقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، وشكى إليه القحط وهلاك الأموال، وطلب منه أن يستسقي لهم، وقال: "فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله".
فقال النبي ﷺ: "سبحان الله! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، وأنه لا يستشفع بالله على أحد من خلفه"، رواه أبو داوه؛ فشأن الله عظيم، وهو ذلك يشفع عنده بإذنه - سبحانه -.
[ ١٤٩ ]