ب - السنة النبوية: أنزل الله إلى الرسول ﷺ القرآن الكريم، وأوحى إليه مثله وهو السنة النبوية الشارحة والمبنية للقرآن، قال ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (٢) فقد أذن له أن يبين ما في القرآن من عموم أو خصوص أو إجمال، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (٣) .
والسنة هي المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وهي جميع ما روي عن النبي ﷺ بسند صحيح متصل إلى الرسول - من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
_________________
(١) انظر كتاب: التوراة والإنجيل والقرآن في ضوء المعارف الحديثة، تأليف موريس بوكاي، كان طبيبا فرنسيا نصرانيا ثم أسلم، ص: ١٣٣ - ٢٨٣.
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده، جـ ٤، ص: ١٣١، وأبو داود في سننه في كتاب السنة، باب لزوم السنة، حديث ٤٦٠٤، جـ ٤، ص: ٢٠٠.
(٣) سورة النحل، الآية: ٤٤.
[ ٢ / ١١٩ ]
وهي وحي من الله إلى رسوله محمد ﷺ، لأن النبي ﷺ لا يتكلم عن هوى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى - عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥] (١) إنما يبلغ إلى الناس ما أمر به، قال تعالى ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] (٢) .
والسنة المطهرة هي التطبيق الفعلي للإسلام أحكاما وعقائد وعبادات ومعاملات وآدابا، فقد كان النبي ﷺ يمتثل ما أمر به، ويبينه للناس، ويأمرهم أن يفعلوا مثل فعله كقوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣) وقد أمر الله المؤمنين أن يقتدوا به في أفعاله وأقواله، حتى يتم لهم كمال إيمانهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٤) ونقل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أقوال النبي ﷺ وأفعاله إلى من بعدهم، ونقلها هؤلاء إلى من بعدهم، ثم تم تدوينها في دواوين السنة، وقد كان نقلة السنة يتشددون فيمن ينقلون عنه، ويطلبون فيمن يأخذون عنه أن يكون معاصرا لمن أخذ عنه، حتى يتصل السند من الراوي إلى رسول الله ﷺ (٥) وأن يكون جميع رجال السند ثقات عدولا صادقين أمناء.
_________________
(١) سورة النجم، الآيات: ٣ - ٥.
(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٩.
(٣) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب ١٨.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٥) نتيجة لهذا المنهج العلمي الفريد، ولهذا الضبط في نقل السنة النبوية نشأ لدى المسلمين ما عرف بعلم (الجرح والتعديل)، وعلم (مصطلح الحديث)، وهذان العلمان من خصائص الأمة الإسلامية لم تسبق إليهما.
[ ٢ / ١٢٠ ]
والسنة كما أنها التطبيق الفعلي للإسلام، فهي - أيضا - تبين القرآن الكريم، وتشرح آياته، وتفصل المجمل من أحكامه، حيث كان النبي ﷺ يبين ما نزل إليه تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بهما معا، وقد تستقل السنة عن القرآن الكريم ببيان بعض الأحكام والتشريعات.
ويجب الإيمان بالقرآن والسنة على أنهما المصدران الأساسيان في دين الإسلام اللذان يجب اتباعهما والرد إليهما، واتباع أمرهما، واجتناب نهيهما، وتصديق أخبارهما، والإيمان بما فيهما من أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما أعده الله لأوليائه المؤمنين، وما توعد به أعداءه الكافرين، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٢) .
وبعد التعريف بمصادر هذا الدين يحسن بنا أن نذكر مراتبه، وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وسنتناول بشيء من الإيجاز أركان هذه المراتب.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٧.
[ ٢ / ١٢١ ]