وقد ورد غير ما حديث في مدح شيعته، وأنهم يدخلون الجنة معه، منها ما مر.
ومنها: ما رواه الإمام علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن علي - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال له: "أنت وشيعتك تردون عليَّ الحوض رواء مرويين مبيضة وجوهكم، وإن عدوكم يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين" أخرجه الطبراني في "الكبير" بسندٍ ضعيف.
وما رواه الحافظ جمال الدين الزرندي، عن ابن عباس ﵄؛ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قال النبي - ﷺ -: "هو أنت وشيعتك؛ تأتون يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غِضَابًا مقمحين، فقال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك".
فقد بيّن - ﷺ - عدوه، وأن من لم يفعل ذلك فهو من شيعته لا من عدوه، وقد بيّن عليٌّ كرم الله وجهه صِفات شيعته وعلاماتهم حتى لا يلتبس بهم مُدَّعٍ.
فقد روى الدينوري، وابن عساكر عن المدائني، قال: نظر علي بن أبي طالب إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: يا قنبر من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما سيما الشيعة؟ قال: خُمصُ البطون من الطوى، يُبسُ الشفاه من الظمأ، عُمشُ العُيون من البكاءِ.
وقد صح عنه كرّم الله وجهه، قوله: لا يجتمع حبي وبُغْضُ أبي بكر وعمر ﵄ في قلب مؤمن.
وروى صاحب "المطالب العالية": عن نوف البكالي، أن أمير المؤمنين عليًا كرّم الله وجهه خرج يَؤُمُّ المسجد وقد أقبل إليه جندب بن نصير، والربيع بن خثيم، وابن أخيه همام بن عباد بن خثيم، وكان من أصحاب البرانس المتعبدين، فأفضى عليّ وهم معه إلى نَفَرٍ، فأسرعوا إليه قيامًا وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا: أناسٌ من شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال لهم خيرًا، ثم قال: يا هؤلاء؛ ما لي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟ ! فأمسك القوم حَياءً، فأقبل عليه جُنْدُب والربيع، فقالا له: ما سمة شيعتكم يا أمير المؤمنين؟ فسكت،
[ ٩٣ ]
فقال همام -وكان عَابدًا مُجتهدًا-: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت، وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم. قال: فسأنبئكم جميعًا. ووضع يده على مَنْكِب همام وقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا الله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غاضين أبصارهم عما حرّم الله عليهم، موقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء؛ رضاءً عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين؛ شوقًا إلى لقاء الله تعالى والثواب، وخوفًا من أليم العقاب، عَظُمَ الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها، فهم على أَرائِكِهَا متكئون، وهم والنار كمن رآها، فهم فيها يعذبون، صبروا أيامًا قليلة، فأعقبهم راحةً طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يُرِيدُوها، وطلبتهم فأعجزوها.
أما الليل: فصافُّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلًا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارًا عظيمًا، ويَجْأرُون إليه في فكاك رقابهم. هذا ليلهم.
فأما نهارهم: فحكماء علماء، بررةٌ أتقياء، براهم خوف بارئهم؛ فهم تحسبهم مرضى أو قد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ترى لأحدهم قوة في دين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا على علم، وفهمًا في فقه، وعلمًا في حلم، وكيسًا في قصد، وقصدًا في غناء، وتَجمُّلًا في فاقة، وصبرًا في شدة، وخُشوعًا في عبادة، ورحمة لمجهود، وإعطاءً في حق، ورفقًا في كسب، وطلبًا في حلال، ونشاطا في هدىً، وإعتصامًا في شهوة، لا يضرُّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وَجل، يُصبح وشُغله الذِّكرُ، ويمسي
[ ٩٤ ]