ومنها: خروج (١) دَجّالين كَذّابين كلهم يَدّعي أنه رسول الله؛ كما أخبر به - ﷺ -:
فقد روى أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حِبّان، وهو طرفٌ من حديث أخرجه مسلم عن ثوبان؛ أنه - ﷺ - قال: "سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي".
وفي رواية البخاري: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله".
ولأحمد، وأبي يعلى من حديث عبد الله بن عمر ﵄: "وبين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كذابًا".
وفي حديث علي - ﵁ - عند أحمد نحوه، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند الطبراني نحوه.
وفي حديث سمرة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال" أخرجه أحمد، والطبراني، وأصله عند الترمذي وصححه.
وفي حديث ابن الزبير ﵄: "إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا؛ منهم الأسود العَنَسي صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة" يعني: مُسَيلمة.
وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄: "وثلاثون كذابًا أو أكثر، قلت: ما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها، يغيرون سُنتكم، فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم".
_________________
(١) قال الحافظ (٦/ ٤٠٢): ليس المراد من ادعى النبوة مطلقًا؛ فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة. اهـ قلت: وسيأتي ذكر بعضهم (ص ٢٢٧). وذكر صاحب رسالة: "شهادة آسماني في الرد على القادياني" بعضهم؛ منهم: طريف أبو صبيح، وولده صالح بن طريف، وعبيد الله صاحب إفريقيا، والسيد محمد الجونفوري، وذكر تراجم بعض هؤلاء مفصلًا في رسالته الأخرى المسماة: "معيار المسيح"، ورسالته الأخرى المسمّاة: "فيصل آسماني" الجزء الثاني. (ز).
[ ٩٦ ]
وفي رواية عبد الله بن عمرو ﵄ عند الطبراني: "لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابًا".
ونحوه عند أبي يعلى من حديث أنس - ﵁ -.
قال الحافظ ابن حجر: وسندهما ضعيف.
وهو إن ثبت؛ محمولٌ على المبالغة لا على التحديد.
وأما التحديد: ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة - ﵁ - بسندٍ جيد: "سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين؛ لا نبي بعدي". وهذا يَدُل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويُؤيده حديث البخاري المار قريب من ثلاثين.
قال: ويحتمل أن يكون ما ذكره من الثلاثين أو نحوها يدَّعون النبوة، ومن زاد عليهم كما في رواية (أو أكثر)، ورواية (سبعون) يكون كذابًا فقط، لكن يدعون إلى الضلال؛ كغُلاة الرافضة والباطنية، والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يُعلَمُ بالضرورة أنه خلاف ما جاء به سيدنا محمد - ﷺ -.
قال: ويُؤيده أن في حديث علي - ﵁ - عند أحمد: فقال علي لعبد الله بن الكَوّاء: وإنك لمنهم.
وابن الكواء لم يدع النبوة، وإنما كان يَغْلُو في الرفض. انتهى
قُلْتُ: ويؤيده أيضًا ما في حديث ابن عمر ﵄ المار: "قلت: وما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها. . ." إلخ.
وقد كان منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء، ومُسيلمة الكذاب صاحب اليمامة؛ كما أخبر به - ﷺ -، وقد مر آنفًا في حديث ابن الزبير.
وكان من خبرهما؛ كما ذكره البقاعي في "اللامعة المنيرة": أن النبي - ﷺ - لما رجع من حَجّة الوداع حصل له مرضٌ عوفي منه، ثم مَرِض عن قريب مرض الموت، فطارت الأخبار في ذلك المرض الأول بأنه - ﷺ - قد اشتكى، فادعى الكذابان ما ادعيا، وفعلا من الشر ما فعلاه. فبلغ النبي - صلى الله عليه
[ ٩٧ ]
وسلم - خبرهما وهو مَريضٌ بعد ما حزّب بعث أسامة - ﵁ -.
فخرج - ﷺ - عَاصبًا رأسه، فقال: "إني رأيتُ في يَديّ سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب اليمن، وصاحب اليمامة".
فارتد الأسود العنسي في مذحج، وكان صاحب شعبذة يظهر بها عجائب، وله شيطانان يخبرانه بغالب أسرار الناس، يقال لأحدهما: سحيق، وللآخر شفيق، وله مَنْطِقٌ حُلو، فغلب على اليمن في ناحية صنعاء، وهرب منها أمراؤه - ﷺ -. وكان يقال له: ذو الخمار؛ لأنه لا يزال مُتَبرقعًا مُعتمًا، وقيل: ذو الحمار بالمهملة؛ لأنه كان له حِمارٌ مُعلَّم، يقال له: اسجد لربك فيسجد، ويقال له: ابرك فيبرك.
ولما سمع أهل نجران خبر الأسود أرسلوا إليه فدعوه إلى بلادهم، فجاءهم، فتبعوه وارتدوا عن الإسلام، ثم أخذ منهم ست مئة وسار بهم إلى صنعاء فغلب عليها، ونزل غمدان واستنزل الأبناء.
وأما مُسيلمة الكذاب فخرج في بني حنيفة، ونازعه قومه، فقال: إني أُشرِكتُ في الأمر، وجعل يَسجَعُ لهم بما يضاهي القرآن بزعمه، فاستخفهم بذلك.
فلما مالوا إليه أسقط عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك، وكثر أتباعه.
وكتب النبي - ﷺ - إلى الأبناء في أمر الأسود، وكانوا قد ثبتوا على الإسلام، فقتله فيروز الديلمي غِيلةً بمواطأة زوجته المرزبانة، وكان قد قهرها على نكاحها، وكانت من الخَيِّرات، ومن عظماء أهل فارس، ونادوا بالأذان عند الصباح، فقالوا: نشهد أن الأسود كذاب، وشنوها غارة، فتراجع أصحاب النبي - ﷺ -، وتفرق أصحابه، فقتلوا منهم خَلقًا، وَجاءَ النبي - ﷺ - خَبرُ السماء بذلك، فأخبر الناس به قبل موته بيوم أو بليلة، وقيل بخمسة أيام.
ثم وصل الكتاب بذلك بعد موته - ﷺ - بعشرة أيام، وكانت مُدة الأسود أربعة أشهر.
[ ٩٨ ]