شيئًا فارفق بها" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي.
وعن حُذيفة - ﵁ - أنه قال: "لو حَدّثتُكم أن بعض أمهات المؤمنين تغزوكم في كتيبة تَضربُكم بالسيف؛ ما صَدقْتمُوني". قالوا: سبحان الله! ومن يُصدّق بهذا؟ ! قال: "أتتكم الحميراء في كتيبة تسوقها أعلاجها" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي، وقال: أَخبر بهذا حُذيفة ومات قبل مَسِير عائشة ﵄.
وسبب ذلك: قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": قد جمع عمر بن شبّة في كتاب "أخبار البصرة" قصة الجمل مطولة، وها أنا أُلخصها وأقتصر على ما أورده بسندٍ صحيح، أو حسن. انتهى
فنذكر حاصله هنا مُختصرًا: وهو أنه لما كان الغَدُ من قتل عثمان - ﵁ - خرج علي - ﵁ - ومعه سفيان الثقفي فدخل المسجد، فإذا جماعةٌ على طلحة، فخرج أبو جهم بن حُذيفة فقال: يا علي؛ ألا ترى؟ فلم يَتكلّم، ودخل بيته فأتي بثريد فأكل، ثم قال: يُقتل ابن عمي ويُغلب على مُلكه؟ ! فخرج فأتاه الناس وهو في سوق المدينة فقالوا: ابسُط يَدك نُبايعك. فقال: حتى يتشاور الناس. فقال بعضهم: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان - ﵁ -، ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الأمة، فأخذ الأشتر بيده فبايعوه، وذهب إلى بيت المال ففتحه، فلما تسامع الناسُ تركوا طلحة، فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره، ثم أرسل إلى طلحة والزبير ﵄ فبايعاه، ثم إنهما ندما على خِذلان عثمان - ﵁ -، فطلبوا أن يُقتل قَتلةُ عثمان - ﵁ -، فلم يُجِبهما؛ وذلك لأنَّ قاتله كان غير معلوم، وكان ينتظِرُ أولياء عثمان - ﵁ - أن يتحاكموا إليه، ثم استأذناه في العُمرة، فأخذ عليهما العهود وأذن لهما، فلقيا عائشة ﵂، فاتفقا معها على الطلب بدم عثمان - ﵁ -، وكان يعلى بن أمية عامل عثمان - ﵁ - على صنعاء، وكان عظيم الشأن عنده، وكان مُتمولًا، فقدم حاجًّا فأعانهما بأربع مئة ألف، وحمل سبعين رجلًا من قريش، واشترى لعائشة ﵂ جملًا -يقال له: عسكر- بثمانين دينارًا.
وكان علي - ﵁ - يقول: أتدرُونَ بمن ابتليتُ؟ بأطوع الناس في الناس؛
[ ٤٦ ]
عائشة، وأدهى الناس طلحة، وأشد الناس الزبير، وأثرى الناس يعلى بن أمية.
فتوجهوا إلى البصرة، فنزلوا بعض مياه بني عامر، فنبحت الكلاب، فقالت عائشة ﵂: أي ماء هذا؟ قالوا: الحَوْأب -أي: بفتح المهملة، وسكون الواو بعدها همزة، ثم موحدة بوزن: كوكب. قال في "القاموس": موضعٌ بالبصرة، وقال الدَّميري: نهر بقرب البصرة- قالت: ما أظنني إلَّا راجعة. فقال لها الزبير: بل تَقْدُمِين، فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم.
قالت: ما أظنني إلَّا راجعة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "كيف بإحداكُن إذا نَبَحتها كلابُ الحوأب؟ ! " رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والحاكم، والبيهقي، وأبو نُعيم: عن قيس، قال: لما بلغت عائشة ﵂ بعض ديار بني عامر، نبحت عليها الكلاب. فذكره.
فقدموا البصرة فتعجب الناس، وسألوهم عن مسيرهم، فذكروا أنهم خرجوا غَضَبًا لعثمان - ﵁ -، وتوبةً لما صنعوا من خِذلانه، وقبضوا على عامل علي - ﵁ - عليها؛ ابن الأحنف، وأقبل عليٌّ - ﵁ - لما سمع بخروجهم من المدينة ومعه تسع مئة راكب، فنزل بذي قار، فبلغه أنَّ أهل البصرة اجتمعوا لطلحة والزبير ﵄، فشق ذلك على أصحابه، فقال: والذي لا إله غيره لتَظْهرُن على أهل البصرة، ولتقتلُن طلحة والزبير، وبعث ابنه الحسن وعمارًا ﵄ إلى أهل الكوفة يَستنفِرهم، فدخلا المسجد، وصَعِدا المنبر، وكان الحسنُ في أعلى المنبر، وقام عمار أسفل منه، فَتكلّم عمار - ﵁ -، وقال: إنَّ أمير المؤمنين بعثنا إليكم يَستَنفِرُكم، فإنَّ أُمَّنا قد سارت إلى البصرة، والله إني أقول لكم هذا، ووالله إنها لزَوجة نَبيكُم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا؛ ليعلم إياه نُطيع، أو إياها.
وقال الحسن - ﵁ -: إنَّ أمير المؤمنين يقول: إني أُذَكِّرُ الله رجُلًا رعى لله حقًا إلَّا نفر، فإن كُنْت مظلومًا أعانني، وإن كُنْتُ ظالمًا أخذ مني، والله إنَّ طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا، ولم أستأثر بمال، ولا بدلت حُكمًا.
فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، ولما قدم قام إليه قيس بن سعد بن عبادة، وابن
[ ٤٧ ]
الكَوّا، فقالا: أخبرنا عن مسيرك هذا؛ أوصية أوصاك به رسول الله - ﷺ -، أم رأيٌ رأيته؟ فقال: أما والله لئن كُنت أول من صَدّق رسول الله - ﷺ - فلا أكون أَوّل من كَذبَ عليه، والله لأن يَكُون عَهدٌ من رسول الله - ﷺ - إليَّ فلا، ولكن ما مات رسول الله فجأةً، ولا قُتل قتلًا، ولقد مَكث في مرضه أيامًا وليالي؛ كُلّ ذلك يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيقول: "مروا أبا بكر فَليصَلِّ بالناس"، ولقد تركني وهو يرى مكاني، وما كنت غائبًا، ولو عهد إليَّ شيئًا لقمت به، حتى إنَّ امرأةً من نسائه عارضت في ذلك؛ فقالت: إنَّ أبا بكر رجلٌ رقيق إذا قام مقامك لم يُسْمِع الناس، فلو أمرت عمر فَلُيصلِّ بالناس؟ فقال - ﷺ -: "إنكن صواحب يوسف".
فلما قُبض رسول الله - ﷺ - نظرنا فإذا رسول الله قد وَلاهُ أمر ديْننا، فَولينَاهُ أمر دنيانا، فبايعته في المسلمين ووفيت بيعته، ثم بايعت عمر - ﵁ - ووفيت بيعته، ثم بايعت عثمان - ﵁ - ووفيت بيعته، فعدا الناس عليه فقتلوه وأنا مُعْتزلٌ عنهم، ثم وَلّوني، ولولا الخشية على الدِّين ما أجبتهم، ثم وثب فيها من ليس سابقته كسابقتي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي. يعني: معاوية - ﵁ -.
قالوا: صدقت، فأخبرنا عن قتالك لهذين صاحباك في بدر وحُديبية وأُحُد، وأخواك في الدِّين والسابقة والهجرة. يعني: طلحة والزبير ﵄.
فقال: إنهما بايعاني بالمدينة، وخلعاني بالبصرة، ولو أنَّ رجُلًا ممن بايع أبا بكر - ﵁ - خلعه لقاتلناه، ولو أنَّ رجُلًا ممن بايع عمر - ﵁ - خلعه لقاتلناه.
ثم دعاهم ثلاثة أيام، حتى إذا كان اليوم الثالث، دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃، فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح. وذلك أنَّ قتلة عثمان - ﵁ - كانوا متفرقين في العسكرَيْن، فخشوا أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب، فتسابَّ صبيان العسكرين، ثم تراموا، ثم تبعهم العبيد، ثم السفهاء، فصلى عليٌّ - ﵁ - ركعتين، ودعا ربه، ثم قال: إن ظهرتم على القوم فلا تطلبوا مُدبرًا، ولا تَجَهَزُوا على جريح، وانظروا ما حضرت به الحرب من
[ ٤٨ ]
آنية فاقبضوه، وما كان سوى ذلك فهو لورثتهم.
ونادى على الزبير - ﵁ - وقال: تعال ولك الأمان. فخلا به، وقال: أَنشُدك الله؛ هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وأنت لاوٍ يدي: "لتقاتلنَّهُ وأنت له ظالم، ثم ليُنصرنَّ عليك".
قال: لقد ذكرتني شيئًا أنسانيه الدهر، لا جرم لا أُقاتلك.
فقال له ابنه: ما جِئتَ للقتال إنما جِئتَ للصلح، فأعتق غلامك وقِف. فأعتق غلامه ووقف.
فلما رَأى الحرب نشبت، وأيس من الصُّلح خرج عن العسكرين، فغلب أصحاب أمير المؤمنين علي - ﵁ -، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا، وقُتل طلحة - ﵁ -.
رَوى الحاكم عن ثور بن مَجْزَأةَ قال: مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي. فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسطت يدي، فبايعني، وقال: هذه بيعة علي. وفاضت نفسه، فأتيتُ عليًا فأخبرته، فقال: الله أكبر، صدق رسول الله - ﷺ -، أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلَّا وبيعتي في عنقه. ثم جمع الناس وبايعهم.
وانتهى عبد الله بن يزيد بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة ﵂ وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين؛ أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان، فقلت: ما تأمرينني؟ فَقُلْتِ: الزم عليًا؟ ! فسكتت. فقال: اعقروا الجمل. فعقروه، فنزل محمد بن أبي بكر أخوها، ورجلٌ آخر، فاحتملا هودجها، فوضعاه بين يدي علي - ﵁ -، وإنه كالقنفذ من السهام.
فسألها محمد: هل أصابك شيء منها؟ فقالت: لا. وأمر علي كرم الله وجهه أخاها محمدًا وعمارًا أن يضربا عليها قبة، ففعلا، فجاء إليها عليّ - ﵁ - مُسَلِّمًا، فقال: كيف أنت يا أمُّ؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. وجاء وجوه الناس والأعيان يُسَلّمُون عليها.
[ ٤٩ ]
فلما كان الليل دخلت البصرة ومعها أخوها، ونزلت في دار عبد الله بن خُليد، وهي أعظم دار بالبصرة، على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة العبدري؛ وهي أم طلحة الطلحات، وأقام علي - ﵁ - بظاهر البصرة ثلاثًا، ثم دخلها فبايعه أهلها أجمعون حتى الجرحى، وعَرض على أبي بكرة إمارة البصرة، فامتنع، وأشار عليه بابن عباس ﵄، فولى عليها ابن عباس، ثم جاء إلى أم المؤمنين ﵂ فاستأذن عليها، ودخل وَسلّمَ عليها، فردت السلام، ورحبت به، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين؛ إنَّ بالباب رجلين ينالان من عائشة. فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحدٍ منهما مئة جلدة، وأن يُجردهما من ثيابهما.
فلما رأت الخروج من البصرة بعث إليها علي - ﵁ - بكل ما ينبغي من مركب، وزاد، ومتاع، وغير ذلك، وأذن لمن نجا من الجيش الذي معها أن يرجع إلَّا أن يُحب المُقَام، وأرسل معها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسيَّر معها أخاها محمدًا.
فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي - ﵁ - فوقف على الباب، وحضر الناس، وخرجت من الدار في الهودج، فودعت الناس، ودعت لهم، وقالت: يا بَنِيَّ؛ لا يَعْتِب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلَّا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار. فقال علي - ﵁ -: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلَّا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم - ﷺ - في الدنيا والآخرة. وسار معها عليٌّ - ﵁ - مشيًا أميالًا، وسَرَّح بنيه معها بقية ذلك اليوم.
ذكر هذا الفصل الحافظ عماد الدين بن كثير في "تاريخه"، وهذا ملخصه.
وفعل ذلك معها؛ إكرامًا لرسول الله - ﷺ -، وامتثالًا لقوله المار: "إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها"، وأداءً لحق الأمومة، فإنها أُمُّ المؤمنين بنص الكتاب العزيز، فتلطف بها غاية التلطف، ولم يُعنفها، ولم يُوبخها، بل أكرمها، وردها، وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذاك، ثم رجعت إلى المدينة.
[ ٥٠ ]